منتدايات أولاد ابو سيفين

Hهلا بكم فى منتداكم اولاد ابو سdفين

إجتماع شباب وشابات كنيسة أبو سيفين

المواضيع الأخيرة

» عظات لأبونا أرميا بولس فى تفسير الكتاب المقدس
الخميس مايو 08, 2014 5:59 pm من طرف القرينى

» لعبة الترانيم
الخميس يناير 13, 2011 3:48 am من طرف Bello Fiore

» اخر اكله للى بعدك
الأحد أكتوبر 24, 2010 11:24 am من طرف تامر ابن البابا

» اهلا بكم كل واحد يدخل يعرفنا بيه باسمه الحقيقي
الأحد أكتوبر 24, 2010 11:18 am من طرف تامر ابن البابا

» توقع اللى بعدك والد وله بنت
الأحد أكتوبر 03, 2010 12:47 pm من طرف سالي

» لعبة المحلات
الأحد أكتوبر 03, 2010 12:44 pm من طرف سالي

» يقربلك ايه الاسم ده
الأحد أكتوبر 03, 2010 12:42 pm من طرف سالي

» كله يكتب جنسيته
الأحد أكتوبر 03, 2010 6:51 am من طرف سالي

» تدريبات على الهدوء =لقداسة البابا شنودة الثالث
الأحد أغسطس 22, 2010 8:37 am من طرف Bello Fiore

تصويت

افتقاد خاص لكل اعضاء المنتدى احباء الله المكرمين

الإثنين مايو 24, 2010 1:05 pm من طرف تامر ابن ابى سيفين

+++ أخوتي الأحباء في الرب +++








سلام المسيح يسوع الذي بالمجد تمجد يملأ قلوبكم أفراح سماوية لا تزول
بمسرة أكتب إليكم رسالة محبة ، بشوق لكل الغائبين عنا ، وفرح بكل الموجودين معنـــــا ،
مناشداً محبتكم باسم مخلصنا وراعي …


[ قراءة كاملة ]

    انجيل مرقس

    شاطر
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 5:53 am


    الأصحاح الأول


    بدء الخدمة

    لم يفتتح القديس مرقس الإنجيل بعرض أحداث الميلاد أو نسب السيد المسيح، إنما وهو يكتب للرومان أصحاب السلطة يقدم لنا السيد المسيح "ابن الله" صاحب السلطان الحقيقي على النفس أو الحياة الداخلية كما على الجسد أيضًا وحياتنا الظاهرة. إنه ابن الله الذي يفيض علينا بأعمال محبته الفائقة دون حب للسلطان أو شهوة للسطوة.
    1. مقدمة السفر 1.
    2. خدمة يوحنا المعمدان 2-8.
    3. معمودية السيد المسيح 9-11.
    4. تجربته 12-13.
    5. كرازته بالملكوت الجديد 14-15.
    6. دعوته للتلاميذ 16-20.
    7. أعمال محبته الفائقة
    أ. إخراج روح نجس 21-28.
    ب. إبراء حماة سمعان 29-34.
    ج. إخراج الشياطين 35-39.
    د. تطهير أبرص 40-45.
    1. مقدمة السفر

    "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" [1]. يفتتح الإنجيلي السفر بإعلان موضوعه، ألا وهو "إنجيل يسوع المسيح"، أي الكرازة أو البشارة المفرحة للعالم، وسرّها الخلاص الذي قدمه يسوع المسيح.
    القديس مرقس هو الإنجيلي الوحيد الذي أعطى لسفره عنوان "إنجيل" ناسبًا إياه ليسوع المسيح ابن الله. وكأن ما يقدمه في هذا السفر ليس مجرد عرض لأحداث قد تمت، إنما هو بشارة مفرحة لكل نفس تلتقي بيسوع بكونه "المخلص"، وهو المسيح، إذ مسحه الآب بروحه القدوس لتتميم عمل الفداء وإعلان محبة الثالوث القدوس العملية خلال الصليب. إنه ابن الله، أي الحيّ القائم من الأموات، والحاضر وسط كنيسته ليهبها قيامته عاملة فيها. هو ابن الله القادر وحده بذبيحته الفريدة أن يرفعنا إلى حضن أبيه لنُحسب فيه أبناء الله.
    والعجيب أن السفر يبدأ بإعلان بنوة السيد المسيح للآب في افتتاحيته، ويختتم بدعوة السيد المسيح لتلاميذه أن يكرزوا للأمم ويعمدهم، وفيما هو يحدثهم يرتفع إلى السماوات، كما إلى حضن أبيه. بمعنى آخر يفتتح السفر ببنوة السيد للآب، ويختتمه بدعوتنا للبنوة للآب خلال الإيمان به ومياه المعمودية لنرتفع معه إلى حضن أبيه وننعم بسماواته. هذا هو غاية الإنجيل كله، وهذا هو موضوع بشارته المفرحة: أن نحسب بالحق أولاد الله باتحادنا مع الآب في ابنه الوحيد الجنس. وقد أوضح القديس هيلاري أسقف بواتيه التمييز بين بنوة السيد وبنوتنا نحن، إذ يقول [يشهد "الإنجيلي" أن المسيح هو ابن الله حسب الطبيعة اللائقة به، وليس بمجرد الاسم. نحن أبناء الله، لكنه هو ليس ابنا مثلنا، إذ هو الابن ذاته بالطبيعة لا بالتبني، هو الابن بالحق لا بالاسم، بالميلاد لا بالخلقة.]
    2. خدمة يوحنا المعمدان

    اعتادت الشعوب قديمًا أن يرسل الملك أو الإمبراطور من يهيئ له الطريق، أما ربنا يسوع المسيح فقد سبق فأعلن بأنبيائه عن السابق له "يوحنا المعمدان" بكونه ملاك الرب والصوت الصارخ في البرية. يقول الإنجيلي: كما هو مكتوب في الأنبياء: "ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي، الذي يهيئ طريقك قدامك. صوت صارخ في البرية، أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة" [2-3].
    جاء في بعض النسخ "كما هو مكتوب في إشعياء النبي..." وقد اقتبس القديس مرقس نبوتين عن "السابق للسيد" إحداهما من ملاخي النبي (3: 1)، والأخرى من إشعياء (40: 3). والنبوتان تكشفان عن شخص "السابق للرب" الذي يهيئ له الطريق:
    أولاً: دعاه ملاخي "ملاك الرب". وقد اعتادت الكنيسة أن تصور القديس يوحنا المعمدان بجناحين كملاك الرب. وهنا يليق بنا ألا نقبل الفكر الأوريجاني بأنه ملاك حقيقي حمل طبيعة بشرية لخدمتنا، إنما دُعي ملاكًا من أجل حياته الملائكية وكرامته السامية كما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا (765-840 م). ولعله دعي هكذا من أجل سمو رسالته، فإن كلمة "ملاك" في اليونانية كما في اللاتينية معناها "رسول"، أوفد مرسلاً قدام الرب لتهيئة الطريق له بالتوبة، أو لعله دعي هكذا لأنه في أول لقاء تم بينه وبين السيد لم يره حسب الجسد بل رآه بالإيمان وهو في أحشاء أمه أليصابات، حين ركض مبتهجًا عندما دخلت القديسة مريم إليها تحمل السيد في أحشائها (لو 1: 44). يقول العلامة ترتليان: [لم يُدع يوحنا ملاكًا للمسيح فحسب، وإنما دعى أيضًا سراجًا يضيء أمامه، إذ تنبأ داود: "رتبت سراجًا لمسيحي" (مز 132: 35)، بكونه ليس فقط أعد سبله في البرية، وإنما أشار أيضًا إلى حمل الله منيرًا أذهان البشر بكرازته عنه، ليدركوا أنه هو الحمل الذي اعتاد موسى أن يتحدث عنه بأنه يجب أن يتألم.]
    ثانيًا: دعاه إشعياء النبي "الصوت الصارخ في البرية"، فان كان قد جاء كملاك رحمة يكشف لنا عن المخلص وينير أذهاننا لمعرفة حمل الله، فهو أيضًا الأسد الذي يزأر بصوته المرعب في برية قلوبنا القاحلة حتى لا نعتذر بعدم سماعنا كرازته. كملاك يهيئ قلوبنا لحلول حمل الله المصلوب فينا، وكصوت صارخ يهز أعماقنا القاحلة لتترقب باشتياق عمل الله الخلاصي.
    يميز القديس كيرلس الكبير بين السيد المسيح الكلمة وبين سابقه يوحنا الصوت، فيرى الأول كالشمس الساطعة التي يسبقها كوكب الصبح المنير، إذ يقول: [كان إشعياء على علم بعمل يوحنا التبشيري، فبينما يسمي إشعياء المسيح إلهًا وربًا (إش 9: 6)، يشير إلى يوحنا بأنه رسول خادم ومصباح يضيء قبل ظهور النور الحقيقي. هو كوكب الصبح الذي يعلن بزوغ الشمس من وراء الأفق، فتبدد أشعتها الساطعة سجف الظلام الحالكة. كان يوحنا صوتًا لا كلمة، يتقدم المسيح، كما يتقدم الصوت الكلمة.]
    هذا الصوت يدوي في البرية لأنها قاحلة لا تحمل في داخلها شجرة الحياة كما في الفردوس الأول في عدن، غايته أن يُعلن عن السيد المسيح شجرة الحياة التي تغرس في برية طبيعتنا، ليقيم منها فردوسًا فائقًا بحلوله فيها. بهذا المعنى يقول القديس أمبروسيوس في تعليقه على العبارة الإلهية: "كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية" (لو 3: 2)، [قبل أن يقيم ابن الله أعضاء الكنيسة بدأ عمله في خادمه يوحنا، لهذا أظهر القديس لوقا كلمة الله حالاً على يوحنا بن زكريا في البرية... تحقق هذا في البرية الموحشة، لأن بني المستوحشة أكثر من التي لها أولاد (إش 54: 1)، وقد قيل لها: "افرحي أيتها العاقر التي لم تلد" (إش 54: 1)... إذ لم تكن بعد قد زرعت وسط الشعوب الغريبة... ولم يكن بعد قد جاء ذاك الذي قال:"أما أنا فمثلزيتونة مخصبة في بيت الله" (مز 52: ، ولم يكن قد وهب الكرام السماوي للأغصان ثمرًا (يو 15: 1). إذن فقد رنّ الصوت لكي تنتج البرية ثمارًا.]
    بماذا كان ينادي هذا الصوت الصارخ؟ "أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة" [3]. يرى الأب ثيوفلاكتيوس أن طريق الرب هو إنجيله أو العهد الجديد، أما سبله فهي النبوات التي تقودنا إليه، فكأن غاية يوحنا المعمدان أن نتقبل إنجيل الرب خلال الإدراك المستقيم لنبوات العهد القديم ورموزه.
    كان هذا الصوت الذي يقودنا إلى السيد المسيح والتمتع بإنجيله هو صوت التوبة المعلن لا بكلمات يوحنا المعمدان فحسب وإنما حتى بلباسه وطعامه، فكانت حياته كلها صوتًا صارخًا يقود النفوس نحو المسيح. لذلك يقول الإنجيلي: "كان يوحنا يعمد في البرية، ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا. وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم، وأعتمد جميعهم منه في نهر الأردن، معترفين بخطاياهم. وكان يكرز قائلاً: يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذائه. أنا أعمدكم بالماء وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس" [4-8].

    ويلاحظ في هذا النص الآتي:
    أ. كان موضوع كرازته هو "معمودية التوبة" للتمتع بغفران الخطايا. وقد حملت معموديته قوتها لا في ذاتها، وإنما في رمزها لمعمودية السيد المسيح، كما حملت الحية النحاسية في أيام موسى قوة الشفاء من أجل رمزها للصليب. هكذا كان القديس يوحنا المعمدان يعدّهم بمعموديته للتمتع بمعمودية السيد المسيح ويدفعهم إليها حتى ينعموا لا بغفران الخطية فحسب، وإنما بشركة الدفن مع السيد والقيامة، لتكون لهم الحياة الجديدة المقامة (رو 6: 4-5). وكما يقول القديس جيروم: [كما كان هو سابقًا للمسيح، كانت معموديته تمهيدًا لمعمودية الرب.]
    ويرى القديس أمبروسيوس أن يوحنا المعمدان يمثل نهاية الناموس في دفعه الإنسان إلى التمتع بالمسيح وقيادة الكل إليه، وذلك كما تقود التوبة إلى نعمة السيد لنوال المغفرة، إذ يقول: [كانت الكلمة على يوحنا لينادي بالتوبة، من هنا كان يوحنا في نظر الكثيرين صورة للناموس الذي يكشف الخطية، لكنه يعجز عن غفرانها. من كان سائرًا في طريق الأمم يرده الناموس عن ضلاله، ويرجعه عن آثامه، ويدفعه إلى التوبة لنوال الغفران، إذ "كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا" (لو 16: 16). هكذا هيأ يوحنا طريق المسيح يسوع مبشرًا بالناموس، وذلك كما تعلن الكنيسة عن النعمة بالتوبة.]
    ب. يرى القديس جيروم في القديس يوحنا المعمدان صورة حية للحياة النسكية، فقد كانت أمه تقية، وأبوه كاهنًا ومع هذا لم تجتذبه عاطفة أمه ولا مركز أبيه، بل انطلق إلى البرية يطلب المسيح بعيني الإيمان رافضًا كل شيء سواه. وبقدر ما ترك القديس يوحنا العالم استطاع أن يسحب القلوب معه إلى البرية من العالم، سحب جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم خلال رائحة المسيح الفائقة التي فاحت فيه.
    ترك القديس يوحنا ملذات المدينة ومباهجها، وانطلق إلى البرية يأكل العسل البري والجراد. وكأنه جذب للسيد المسيح شعوب الأمم الجافة روحيًا كعسل بري يحمل عذوبة في فم السيد، ويحول من اليهود الذين صاروا كالجراد الساقط بسبب عدم طاعتهم للوصية إلى طعام شهي! بمعنى آخر، إذ نرفض مع يوحنا طعام العالم المبهج نكسب حتى نفوس الآخرين طعامًا شهيًا للرب!
    يرى القديس أمبروسيوس في ملبس يوحنا المعمدان ومأكله كرازة نبوية عن عمل السيد المسيح، إذ يقول: [تنبأ بملبسه عن مجيء المسيح الذي حمل نجاسات أعمالنا النتنة (كمنطقة من جلد الحيوانات الميتة) وخطايا الأمم الحقيرة (كوبر الإبل)، طارحًا هذا اللباس الذي لأجسادنا على الصليب. وتشير المنطقة الجلدية إلى الجلد الذي كان ثقلاً على النفس لكنه تغير بمجيء المسيح... إذ شملنا قوة تلهبنا روحيًا فتمنطقنا بوصايا الله بروح ساهرة قوية وجسد مستعد متحرر. أما طعام يوحنا فحمل علامة على عمله وحوى سرًا... فصيد الجراد عمل باطل بلا نفع لا يصلح للطعام، والجراد ينتقل من موضع إلى آخر بصوت مزعج. هكذا كانت شعوب الأمم كالجراد، ليس لها عمل نافع، ولا نشاط مثمر، تتمتم أصواتًا بلا معنى ولا اتزان، وتجهل الحياة، صارت طعامًا للنبي، إذ تجمعت ونمت وازدادت في أفواه الأنبياء (خلال دخولهم إلى كنيسة العهد الجديد)... أما العسل البري فيصور لنا عذوبة الكنيسة التي جاءت من البرية، إذ لم تحصد أعمالها في حدود خلايا ناموس اليهود وإنما امتدت إلى الحقول ومواضع الغابة التي سبق فامتلأت بالظلال، كما هو مكتوب: "سمعنا به في أفراثه، ووجدناه في موضع الغابة" (مز 132: 6). كان يوحنا يأكل عسلاً بريًا إشارة إلى الشعوب التي تشبع من عسل الصخرة، كما هو مكتوب: "ومن الصخرة كنت أشبعك عسلاً" (مز 81: 16).] هكذا شبعت الأمم من السيد المسيح الصخرة بعسل كلماته العذبة التي سجلها بالحب على الصليب، وبالقوة خلال قيامته المبهجة.
    ج. في صراحة ووضوح أعلن القديس يوحنا المعمدان أنه ليس المسيح، معموديته غير معمودية السيد، وشخصه أقل من أن يقارن بشخص السيد. فمن جهة المعمودية يقول: "أنا أعمدكم بماء، وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس". كانت معمودية يوحنا ظلاً أو رمزًا تمس غسلات الجسد، أما معمودية السيد المسيح فبحق تقدس الجسد والروح معًا، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [الماء والروح لا يفترقان، إذ اختلفت معمودية التوبة عن معمودية النعمة التي تشمل العنصرين معًا، أما الأولى فتخص عنصرًا واحدًا. إن كان الجسد والنفس يشتركان معًا في الخطية، فالتطهير واجب للاثنين.]
    أما من جهة شخص السيد فيقول: "يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذائه". يقول القديس أمبروسيوس: [لم يقصد يوحنا بهذه المقارنة إثبات أن المسيح أعظم منه، فلا وجه للمقارنة بين ابن الله وإنسان. إذ يوجد أقوياء كثيرون، فإبليس قوي: "لا يستطيع أحد أن يدخل بيت القويوينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً". (مر 3: 27)، لكن لا يوجد من هو أقوى من المسيح، دليل ذلك أن يوحنا لم يشأ أن يقارن نفسه بالمسيح بقوله: "لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه".]
    د. يعلن القديس يوحنا أنه غير مستحق أن يمد يده ليحل سيور حذائه، وكما سبق فرأينا أن في هذا إشارة إلى إعلانه عن عجزه لإدراك سرّ تجسده، كيف صار كلمة الله إنساناً.على أي الأحوال لقد أحنى السيد المسيح رأسه تحت هذه اليد المتواضعة ليكمل كل برّ، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [اليدّ التي أكد أنها غير مستحقة أن تمس حذائه سحبها المسيح على رأسه!]
    3. معمودية السيد المسيح

    قدم لنا معلمنا متى البشير (مت 3: 13-17) معمودية السيد المسيح بكونها تدشين أو تتويج للملك الحقيقي ليبدأ أعماله الملوكية مجتذبًا كل نفس من مملكة الظلمة إلى مملكة النور خلال التمتع بالبنوة لله، أما معلمنا مرقس البشير فإذ يقدم لنا السيد المسيح العامل والخادم للبشرية لينتشلنا بحبه العملي إلى التمتع بخلاصه، فانه يقدم لنا معمودية السيد قبل بدء خدمته الجهورية ليعلن غاية خدمته لنا وأعماله الخلاصية... وقد أبرز الإنجيلي خمسة أمور واضحة هي:
    أولاً: الصعود من الماء: "وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل، واعتمد من يوحنا في الأردن. وللوقت وهو صاعد من الماء، رأى السماوات قد انشقت" [9-10]. كان الصعود من الماء يؤكد أن السيد المسيح أسس المعمودية على التغطيس في المياه، لتأكيد شركتنا معه خلال الدفن معه في القبر لنقوم أيضًا معه، كقول الرسول: "فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الأب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة" (رو 6: 4). إنها صعود مع السيد من القبر لممارسة الحياة العملية بروح القيامة وقوتها.
    المعمودية هي "صعود من المياه"، وكأنها "خروج من البحر الأحمر"، أو قل هي "حياة فصحية"، خلالها لا ننطلق تحت قيادة موسى من بحر سوف متجهين في البرية إلى أورشليم، إنما بالحق هي خروج من القبر مختفين في المسيح الرأس، بكونه وحده غالب الموت ومحطم لأبواب الجحيم. وبهذا يتحقق لنا ما اشتاق إليه إشعياء النبي القائل: "ذكر الأيام القديمة موسى وشعبه، أين الذين أصعدهم من البحر مع راعي غنمه؟ أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه، الذي سيرّ ليمين موسى ذراع مجده، الذي شق المياه قدامهم ليصنع لنفسه اسمًا أبديًا"؟(إش 63: 11-12). قال أحد الدارسين أن المعمودية في الفهم السماوي هي يسوع الحامل شعب الله الجديد مولودًا خلال خروج جديد.
    إن كان السيد قد ظهر صاعدًا من المياه، إنما ليعلن أنه منطلق بشعبه الجديد المتحد فيه ليهبه "البنوة للآب السماوي"‍! هذه هي أرض الموعد التي يحملنا إليها يشوع الجديد بعبوره بهم نهر الأردن.
    في دراستنا لأسفار العهد القديم ارتبطت المياه بالعصر المسياني كأحد ملامحه الرئيسية. وفي العهد الجديد ارتبطت بحياة السيد المسيح. ففي نهر الأردن تجد الكنيسة لها موضعًا في المسيح يسوع الذي يهبها البنوة، وبعد صعوده ينطلق كصخرة موسى التي كانت تتبع الشعب لتفيض بمياه الروح القدس الحية في عيد العنصرة وسط برية هذا العالم. في أول خدمته الجماهرية استخدم الماء ليحوله خمرًا يفرح قلوب أصحاب العرس والمدعوين (يو 2: 1-11)، وعندما أعلن خطبته للأمم كعروس له خلال السامرية تمّ ذلك عند مياه بئر يعقوب (يو 4). حتى عندما علّم عن عمل المحبة تحدث عن كأس الماء البارد الذي يقدم لطفل فقير (مت 10: 42)، وفي لحظات موته فاض من جنبه دم وماء، وعندما أشار إلى موضع الفصح أعطى جرة الماء علامة لمعرفة الموضع (مر 14: 13). وأخيرًا عندما أوصى تلاميذه قبيل صعوده سألهم أن يعمدوا جميع الأمم. وكما يقول العلامة ترتليان: [يا لقدرة نعمة المياه في نظر الله ومسيحه لتثبيت المعمودية! لن تجد المسيح بدون المياه!]
    ما نود تأكيده هنا أن ما عمله السيد هنا لم يكن عن عوزٍ، ولا لنفع خاص به، إنما اعتمد باسم الكنيسة كلها لأجلنا، كي يصعد بنا من خطايانا، ويخرجنا إلى مجد ميراثه بكونه الابن الوحيد الجنس. مارس صعوده من المياه لحسابنا، وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [هل كان المسيح في حاجة إلى العماد المقدس؟ وأية فائدة تعود عليه من ممارسة هذه الفريضة؟ فالمسيح كلمة الله، قدوس كما يصفه إشعياء في مختلف التسابيح (إش 3: 6)، وكما يصفه الناموس في كل موضع. ويتفق جمهور الأنبياء مع موسى في هذا الصدد! وما الذي نستفيده نحن من العماد المقدس؟ لاشك محو خطايانا. ولكن لم يكن شيء من هذا في المسيح، فقد ورد: "الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر" (1 بط 2: 22)، "قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السماوات" (عب 7: 26)... فما عُمد المسيح إلا لتعليمنا بأن الإنسان الذي من ذرية داود وهو المتحد بالله الابن عمد وقبل الروح القدس... مع أنه لم ينفصل قط عن روحه (القدوس) قبل العماد... بل إذ هو المسيح الكلمة ابن الله الوحيد الذي يشترك مع الآب في العظمة والسلطان لأنه بطبيعته الابن الحقيقي يرسل الروح القدس إلى الخليقة ويهبه لكل من كان جديرًا به، إذ قال حقًا: "كل ما للآب هو لي" (يو 16: 15).]
    ويقول القديس أمبروسيوس في تفسيره لإنجيل لوقا: [اعتمد الرب ذاته... لم يعمد ليطهر، وإنما ليطهر الماء، فإذ نزل إليها المسيح الذي لم يعرف خطية صار لها سلطان على التطهير، بهذا كل من يدفن في جرن المسيح يترك فيه خطاياه.]
    ثانيًا: السماوات المفتوحة: إن كان إشعياء النبي وهو يتطلع بروح النبوة قد اشتهى خروج الشعب الجديد لينعم بالحياة المقامة (إش 63: 11-12)، فقد أدرك أن الأمر لا يحتاج إلى موسى عابر البحر الأحمر ولا يشوع مجتاز الأردن، بل إلى ذاك الذي يشق السماوات وينزل إلينا، يزلزل جبالنا الجامدة ليرفعنا معه إلى حيث هو، إذ يقول: "ليتك تشق السماوات وتنزل، من حضرتك تتزلزل الجبال" (إش 64: 1).
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:08 am

    هكذا إذ انشقت السماوات عند عماد السيد المسيح، إنما تحقق ذلك لأجلنا، فصارت أبوابها مفتوحة أمامنا، مفتاحها في يدّي عريسنا ورأسنا، بل صارت حياتنا الداخلية ذاتها سماوات مفرحة يسكنها رب السماء! لقد تأكدنا أنه بمياه المعمودية صارت لنا مملكة السماوات مفتوحة تستقبلنا خلال الرأس السماوي! وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [انفتحت السماوات فاقترب الإنسان من الملائكة المقدسين.]
    ثالثًا: نزول الروح عليه: رأى إشعياء النبي في الخروج الرمزي على يديّ موسى أن روح الرب الخفي هو الذي قاد الموكب، إذ يقول: "روح الرب أراحهم، هكذا قدت شعبك لتصنع لنفسك اسم مجد" (إش 63: 14)، وكانت تأكيدات الله لموسى على الدوام هي "أنا أكون مع فمك" (خر 4: 12). أما في الخروج الجديد فلا حاجة إلى تأكيدات، فإن القائد هو ابن الله الحيّ الواحد مع أبيه وروحه القدوس. نزول الروح عليه يعلن دور الروح القدس الذي سبق فكان يرف على وجه المياه ليجعل من الأرض الخالية الخاوية التي بلا شكل عالمًا جميلاً... ها هو يرف على مياه الأردن ليقيم منا نحن الأموات جسدًا حيًا مقدسًا للرأس القدوس النازل في مياه الأردن. إنه الروح الإلهي الذي يشكل الشعب الجديد خلال الخروج الجديد!
    لقد أكد القديس كيرلس الكبير في تفسيره لإنجيل لوقا أن السيد المسيح في لحظات العماد هو بعينه كلمة الله المتجسد ولم يكن قط منفصلاً عن روحه القدوس، بل هو مُرسل الروح القدس على كنيسته. فما حدث في عماده كان لحسابنا إذ يقول: [حلّ أولاً على المسيح الذي قبل الروح القدس لا من أجل نفسه بل من أجلنا نحن البشر لأننا به وفيه ننال نعمة فوق نعمة... والآن أخذنا المسيح مثلنا الأعلى، فلنقترب إلى نعمة العماد الأقدس... فيفتح لنا الله الأب كوى السماوات ويرسل لنا الروح القدس، الذي يقبلنا كأبناء له، فان الله الأب خاطب المسيح في وقت عماده المقدس كأنه به وفيه قد قبل الإنسان الساكن الأرض، معلنًا بنوة الجنس البشري بالصوت الحلو القائل: "أنت ابني الحبيب بك سررت" (لو 3: 22).]
    رابعًا: ظهور الروح مثل حمامة: إن كانت الحمامة تشير لإسرائيل أو كنيسة الله في العهد القديم والعهد الجديد (مر 11: 11؛ مز 68: 13؛ 74: 19؛ نش 1: 15؛ 2: 14؛ 4: 1؛ 5: 2، 12) فظهور الروح القدس مثل حمامة إنما يؤكد الكنيسة المختفية في المسيح ربنا، إنها كنيسة روحية تحمل سماتها خلال الروح القدس الساكن فيها يهبها عمله الإلهي فيها بلا توقف. كأن الروح القدس بظهوره هكذا أشبه بإصبع الله الذي يشير لنا أننا نجد خلاصنا في ذاك الحال في مياه الأردن.
    خامسًا: سماع صوت من السماء: في العهد القديم سمعنا الصوت الإلهي خلال النبوة: "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سُرت به نفسي، وضعت روحي عليه، فيخرج الحق للأمم" (إش 42: 1). والآن جاء الصوت عينه من السماء يؤكد أنه كلمة الله، الابن الوحيد الذي صار عبدًا لتحقيق رسالة الخلاص وقيام الكنيسة في مياه المعمودية.
    جاء هذا الصوت من أجلنا نحن حتى ندرك أننا فيه ننعم بسرور الآب السماوي ونُحسب أبناء له خلال مياه المعمودية وعمل روحه القدوس. في هذا يقول القديس كيرلس الكبير: [المسيح كما سبق وقلت هو حقًا ابن الله الوحيد، وإذ صار شبهنا أعلنت بنوته لا من أجل نفسه، لأنه كان ولا يزال وسيبقى الابن، لكن هذه البنوة أُعلنت من أجلنا نحن البشر الذين صرنا أبناء الله، لأن المسيح بكرنا وسندنا. هو آدم الثاني، إذ ورد: "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 5: 17). لقد طرحنا عتق آدم الأول، واستبدلنا بها جدّة آدم الثاني الذي به ومعه لله الآب المجد والسلطان مع الروح القدس من الآن وإلى أبد الآبدين.]
    هكذا في معمودية السيد المسيح ظهر الثالوث القدوس متمايزًا لكنه غير منفصل، الابن المتجسد صاعدًا من المياه لكي يهبنا الخروج من خطايانا لندخل به وفيه إلى شركة أمجاده، والروح القدس نازلاً على شكل حمامة ليقيم كنيسة المسيح الحمامة الروحية الحاملة سمات سيدها، وصوت الآب صادرًا من السماء يعلن بنوتنا له في ابنه، ويقيم منا حجارة روحية ترتفع خلال السماوات المفتوحة لبناء الكنيسة الأبدية. هكذا ظهر الثالوث القدوس لبنياننا بالله، لذا دعي عيد عماد السيد بعيد الظهور الإلهي، لكن يجب تأكيد ما قاله القديس أغسطينوس: [هذا ما نتمسك به بحق وبغيرة شديدة، وهو أن الآب والابن والروح القدس ثالوث غير قابل للانفصال، إله واحد لا ثلاثة.]

    4. تجربته

    احتلت التجربة دورًا رئيسيًا في خلاصنا، فقد دخل الملك في معركة علانية مع العدو الشرير بعد تتويجه لحساب شعبه. وقد أوردها مار مرقس الإنجيلي في اختصار شديد إن قورنت بما ورد في مت 4: 1-11؛ لو 4: 1-13، وقد سبق لنا عرض الكثير من أقوال الآباء عنها.
    صوّر القديس مرقس التجربة بطريقة حية، قائلاً: "وللوقت أخرجه الروح إلى البرية. وكان هناك في البرية أربعين يومًا يجرب من الشيطان، وكان مع الوحوش، وصارت الملائكة تخدمه" [12-13]. لقد رأى كثير من الدارسين أن إنجيل مرقس بكامله هو "سفر الألم"، يمثل عرضًا بتجربة السيد المسيح المستمرة وصراعه ضد إبليس والأرواح الشريرة، إما مباشرة، أو خلال خدامه الساقطين تحت سلطانه يعملون لحسابه. فما حدث خلال الأربعين يومًا في البرية لم يكن إلا بداية معركة ذروتها عند الصليب حيث اشتهى العدو الخلاص منه، وإذ صُلب السيد وجد العدو نفسه مصلوبًا ومجردًا من كل سلطان. وكما يقول الرسول: "إذ جردالرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه (في الصليب)"(كو 2: 15).
    ركزا لإنجيلي مرقس على النقاط التالية:
    أولاً: أخرجه الروح إلى البرية، فان كان الروح القدس الذي هو واحد مع المسيح قد أخرجه للمعركة، إنما ليعُلن أننا منطلقون معه بالروح القدس إلى ذات المعركة، نحمل في جعبتنا إمكانيات إلهية للجهاد والصراع. فهي معركة رابحة دون شك لمن يقوده روح الرب! هي معركة الله، لسنا نحن طرفًا فيها، إنما أداة في يدّ الله، لهذا يقول القديس يوحنا سابا: [المؤمن الذي له دالة عند الله، لو قامت عليه كل الخليقة تحاربه بأصوات وسحب لا تستطيع أن تهزمه، لأن جميع ما يتكلم به ذلك الإنسان فمثل الله يتكلم، وكل البرايا تطيعه، أي تطيع الله الساكن فيه.]
    إننا نغلب إن أخرجنا الروح القدس نفسه إلى المعركة الروحية مختفين في الرأس المسيح، لا إن خرجنا بأنفسنا، لذلك يقول القديس كيرلس الكبير: [الآن صرنا بالمسيح ممجدين بنصرته، بينما كنا قديمًا منهزمين بآدم الأول. تعالوا نسبح للرب ونرتل أناشيد الفرح لله مخلصنا، ولندُس الشيطان تحت أقدامنا، ونهلل جذلين بسقوطه في المذلة والمهانة، ولنخاطبه بعبارة إرميا النبي: "كيف قطعت وتحطمت بطرقه كل الأرض... قد وجدت وأمسكت لأنك قد خاصمت الرب" (إر 50: 23، 34). منذ قديم الزمان وقبل مجيء المسيح مخلص العالم أجمع والشيطان عدونا الكبير يفكر إثمًا، وينضح شرًا، ويشمخ بأنفه على ضعف الجبلة البشرية، صارخًا: "أصابت يدي ثروة الشعوب كعش، وكما يُجمع بيض مهجور جمعت أنا كل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفصف" (إش 10: 4). والحق يُقال لم يجرؤ أحد على مقاومة إبليس إلا الابن الذي كافحه كفاحًا شديدًا وهو على صورتنا، ولذلك انتصرت الطبيعة في يسوع المسيح، ونالت إكليل الظفر والغلبة. منذ القديم يخاطب الابن - على لسان أنبيائه - عدونا اللدود إبليس بالقول المشهور: "هأنذاعليك أيها الجبل المهلك، المهلك كل الأرض" (إر 51: 25).]
    يقول القديس أمبروسيوس: [لو لم يجربه إبليس لما انتصر الرب لأجلي بطريقة سرية ليحرر آدم من السبي.]
    ثانيًا: صراعه في البرية مع الشيطان أربعين يومًا ربما يشير إلى الشعب القديم الذي بقي في البرية أربعين سنة مصارعًا في تجارب كثيرة لكنه فشل في دخوله أرض الموعد بالرغم من خروجه من أرض العبودية. أما نحن فصار لنا القائد الجديد يخفينا فيه، يحارب عنا ويهبنا النصرة والغلبة ليدخل بنا لا إلى أرض تفيض لبنًا وعسلاً بل إلى الحضن الإلهي الأبدي.
    ثالثًا: أراد بهذا النص الإنجيلي تأكيد أن العدو الوحيد للسيد المسيح هو الشيطان الذي دخل معه في معركة، أما الخليقة أيا كانت هذه فهي موضع حبه. إن كان البشر قد صاروا بالخطية كالوحوش فقد جاء ليحل في وسطهم، إذ يقول: "وكان مع الوحوش"، حتى بحلوله يحول الوحوش الشرسة إلى سمائيين.
    ولعل قوله "وكان مع الوحوش، وصارت الملائكة تخدمه" يشير إلى العصر المسياني الذي تنبأ عنه كثير من الأنبياء، فيه ينزع الطبع الوحشي "فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل والشبل والمسمن معًا وصبى صغير يسوقها، والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معًا، الأسد كالبقر يأكل تبنًا" (إش 11: 6-7؛ 65: 25؛ هو 2: 18). هكذا تلتقي الوحوش مع الملائكة، فتتحول الوحوش إلى ملائكة، وتبتهج الملائكة بعمله في الوحوش.
    لعله أيضًا يقصد بالوحوش الشر (مز 22: 13-22؛ إش 13: 21-22؛ حز 34: 5، 8، 25)، فقد جاء السيد إلى البرية ليحارب الشر في عقر داره.
    رابعًا: لم يكن السيد محتاجًا أن تخدمه الملائكة، لكنه كما من أجلنا أخرجه روحه القدوس إلى البرية ليعيش وسط الوحوش في سلام، هكذا من أجلنا صارت الملائكة تخدمه. وكأن فيه تسندنا كل الخليقة، تسكن معنا الوحوش كما في فلك نوح لا تسيء إلينا، وتخدمنا الملائكة بحراستها لنا وصلواتها عنا ومعنا!

    5. كرازته بالملكوت الجديد

    "وبعدما أسلم يوحنا جاء المسيح إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله.
    ويقول قد كمل الزمان،
    وأقترب ملكوت الله،
    فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" [14-15].
    أ. إن كان يوحنا يمثل الناموس الشاهد لإنجيل المسيح المفرح، فإنه ما كان يمكن للكرازة بالإنجيل أن تنطلق في النفس بالبهجة ما لم يُسلم أولاً حرف الناموس القاتل، فينطلق الروح الذي يبني. لقد جاء الناموس يقودنا إلى السيد المسيح، لكن إذ تمسك الإنسان بالحرف الناموسي كان يجب أن يُسلم الحرف حتى ينفتح لنا باب الروح، كما قال القديسان أمبروسيوس وهيلاري أسقف بواتييه.
    ب. انسحاب السيد إلى الجليل عند القبض على يوحنا يكشف عن رغبته في عدم مقاومة الشر، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [لكي يظهر لنا أنه يجب أن ننسحب في الاضطهادات ولا ننتظرها، لكن إن سقطنا تحتها نثبت فيها.] انسحب السيد ليس خوفًا من الألم أو الضيق، إنما ليتمم رسالته من أشفية وتعاليم حتى ينطلق إلى الموت في الوقت المعين من أجل مضايقيه أنفسهم ومضطهديه.
    ج. كان موضوع كرازة السيد هو كمال الزمان واقتراب ملكوت الله بمجيئه لكي ينعم المؤمنون به وبإنجيله خلال التوبة. يقدم السيد المسيح نفسه موضوعًا للكرازة، به كمل الزمان وحلّ ملكوت الله فينا لننعم بخلاصه. ولعله يقصد بكمال الزمان بلوغ الناموس نهايته بمجيئه ليحقق ما قادهم إليه الناموس، وأيضًا تحقيق النبوات فيه.
    يحدثنا القديس يوحَنا سابا عن هذا الملكوت، قائلاً: [اعطنا يا ب أن ندخل بك إلى هيكل أنفسنا، وفيه ننظرك يا ذخيرة الحياة المختفية... طوبى للذي يشخص إليك دائمًا في داخله فإن قلبه يضيء لنظر الخطايا.]
    د. من جانب الله كملت النبوات وحلّ ملكوته واقترب جدًا من كل نفس، بقى من جانب الإنسان التوبة وقبول كلمة الإنجيل: "فتوبوا وآمنوا بالإنجيل". يحدثنا القديس يوحنا سابا عن فاعلية التوبة فيقول: [من ذا الذي لا يحبك أيتها التوبة، يا حاملة جميع التطويبات إلا الشيطان، لأنك غنمت غناه وأضعت قناياه.]
    ه. يفهم من التعبير "أُسلم يوحنا" أن القبض على يوحنا كان بناء على خيانة من اليهود، لكن وإن كان قد أسلم وسجن فإن القيود والسجن لم تعق الكرازة بل صارت علة اتساع لها.

    6. دعوة للتلاميذ

    لم يأتِ السيد المسيح كخادم للبشرية يعمل بلا توقف فحسب، وإنما أقام له تلاميذ يحملون ذات روحه، يعمل بهم ويخدم بواسطتهم. يروي لنا القديس مرقس دعوة أربعة من هؤلاء التلاميذ اختارهم السيد من بين صيادي السمك الأميين للعمل، هم سمعان واندراوس، ويعقوب ويوحنا ابني زبدي. وقد اختارهم أميين كما يقول العلامة أوريجينوس والقديس جيروم لكي لا يُنسب نجاحهم في العمل للفصاحة والفلسفة، وإنما لعمله الإلهي فيهم.
    اختارهم السيد على دفعتين من عند بحر الجليل، وهو بحيرة عذبة يبلغ طولها 13 ميلاً يحدها الجليل غربًا ويصب فيها نهر الأردن من الشمال، ويسمى بحيرة جنيسارت وبحيرة طبرية نسبة للمناطق التي تحيط به.
    يرى الأب ثيؤفلاكتيوس أن سمعان وأندراوس كانا تلميذين ليوحنا المعمدان (يو 1: 35-40). إذ سمعا معلمهما يشهد للسيد المسيح تبعاه، لكنهما كانا يعودان للصيد مع أبيهما الشيخ، لهذا ما ورد هنا في إنجيل مرقس لم يكن اللقاء الأول بين السيد وبينهما، لكن دعوة السيد لهما سحبتهما من العمل الزمني للتكريس الكامل للتلمذة والكرازة.
    في نص منسوب للقديس جيروم يقول: أن هؤلاء التلاميذ الأربعة هم أشبه بالفرس الحاملة للمركبة المنطلقة بإيليا إلى السماء، أو قل هم أربعة حجارة حية أقامها السيد لبناء الكنيسة الحيّة.
    ولعل هؤلاء الأربعة بأسمائهم يشيرون إلى الفضائل الأربعة اللازمة في الحياة المسيحية أو التلمذة للسيد، فالأول سمعان يعني الاستماع أو الطاعة للرب ولوصيته، فقد لُقب ببطرس أي الصخرة، لأن كل طاعة للرب إنما تقوم على صخرة الإيمان. وأندراوس يعني الرجولة أو الجدية، إذ كثيرون يقبلون الإيمان بالفكر لكن بغير جدية حياة أو عمل. ويعقوب يعني التعقب والجهاد أو المصارعة الروحية حتى النهاية، وأخيرًا يوحنا يعني الله حنان أو منعم، إذ لا قبول لدعوة الله وتمتع بالتلمذة ما لم ينعم الرب بها عليه ويتحنن.
    ويرى الأب ثيؤفلاكتيوس أن هؤلاء الأربعة بدأوا ببطرس المعروف بانهماكه في العمل وانتهوا بيوحنا المعروف بحياته التأملية، الأول في رأيه يشير للحياة العاملة، والثاني للحياة التأملية. فلا بلوغ للتمتع بالتأمل في الإلهيات ما لم تكن لها الحياة العاملة المجاهدة أولاً! وإن كان بالحقيقة يصعب عزلهما أو فصلهما إذ هما حياة واحدة.
    وأخيرًا دعاهم من بحر الجليل، كما من بحر هذا العالم، لكي يرفعهم فوق أمواجه، وينتشلوا كل نفس سحبتها دوامته!

    7. أعمال محبته الفائقة

    بسرعة فائقة استعرض القديس مرقس حديثه عن يوحنا المعمدان السابق للرب وعماد السيد وتجربته وكرازته ودعوته لأربعة من تلاميذه لكي يقدم جوهر إنجيله: "المسيح خادم البشرية" يجول يخدم بتواضعٍ وحب لكن بسلطان وقوة. وقد قدم لنا في هذا الأصحاح عينات لأعماله دون الالتزام بالترتيب التاريخي، وإنما اهتم بتقديم فكر إنجيلي يمس لقاءنا مع السيد العامل لأجلنا وفينا.

    أ. إخراج روح نجس

    قدم لنا الإنجيلي أول عمل للسيد في يوم سبت داخل مجمع يهودي في كفرناحوم حيث كان يعلم بسلطان وليس كالكتبة [22]، ليخرج روحًا شريرًا بعد أن ينتهره رافضًا شهادته له، لذلك "تحيروا كلهم حتى سأل بعضهم بعضًا قائلين: ما هذا؟‍ما هو هذا التعليم الجديد؟‍‍لأنه بسلطان يأمر حتى الأرواح النجسة فتطيعه" [27].
    لماذا بدأ القديس مرقس بعرض هذه المعجزة في حديثه عن أعمال السيد؟
    أولاً: لقد أراد القديس مرقس أن يعلن أن المسيح معلم فريد في نوعه، شهد له السامعون أنفسهم الذين بهتوا من تعليمه، وقالوا: "ما هذا التعليم الجديد"؟ لقد كان الكتبة يشرحون الناموس في المجمع كل سبت، لكنهم يقدمون كلمات بشرية من عندهم وحتى نطقوا الكلمات الإلهية يتفوهون بها من قلب جاف ونفس فارغة، أما السيد المسيح فهو كلمة الله عينه الجاذبة للنفس، يتحدث فيخترق النفس إلى أعماقها (عب 4: 12). يقول القديس كيرلس الكبير: [رأوا أمامهم معلمًا لا يخاطبهم كنبي فحسب، بل كإله عظيم تجثو له الروح قبل الجسد، رب الناموس.]
    ثانيًا: من جهة المكان فقد دعي كفرناحوم أي كفر النياح أو الراحة، ومن جهة الزمن فكان يوم السبت أو الراحة، ومن جهة العمل أخرج الرب الروح الشرير محطم الإنسان روحًا وجسدًا. وكأنه حيثما حلّ السيد يجعل منا موضعًا للراحة الحقيقية، ويحّول زماننا إلى سبت لا ينقطع، طاردًا عنا كل روح خبيث محطم لحياتنا. غاية السيد المسيح هو راحتنا الحقيقية فيه! وكما يقول القديس يوحنا سابا: [أيها المتعب والثقيل الأحمال ضع رأسك على ركبتي ربك واسترح. اتكئ على صدره، واستنشق رائحة الحياة بجبلتك. اتكئ عليه إذ هو مائدتك، ومنه تتغذى. نق مرآتك، وبدون شك سيظهر لك نور الثالوث. اجعل هذا في قلبك، فتشعر أن الله حيّ فيك، لأنك أنت صورة الله يا إنسان.]
    ثالثًا: تعرف الشيطان أو الروح النجس على السيد المسيح بكونه قدوس الله الذي تجسد بتواضع... وقد أدرك أن تواضع السيد يغلب كبريائه، وقد حسب أن الوقت قد حان لإدانته لذلك "صرخ قائلاً: آه! ما لنا ولك يا يسوع الناصري، أتيت لتهلكنا. أنا أعرفك، من أنت؟ قدوس الله" [24]. لقد رفض الرب شهادته منتهرًا إياه، قائلاً: "اخرس واخرج منه" [25]. وفيما يلي تعليقات بعض الآباء على هذا الموقف:
    v حتى الشياطين تنطق باسم الله، ومع ذلك فهم شياطين... كان ينتهرهم ويخرجهم. لهذا أسألكم أن تتنقوا من هذا الخطأ (النطق باسم الله باطلاً).
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v ما قاله بطرس (مت 8: 29) نطقت به أيضًا الشياطين، الكلمات واحدة ولكن الذهن مختلف... فان إيمان المسيحي يقوم على الحب، أما إيمان الشيطان فبلا حب... بطرس نطق بهذا لكي يحتضن المسيح، أما الشياطين فنطقت بهذا لكي يتركها المسيح.
    v "الشياطين يؤمنون ويقشعرون" (يع 2: 19). الإيمان له قدرته، لكنه بدون المحبة لا ينفع شيئًا، فقد اعترفت الشياطين بالمسيح، وكان اعترافهم نابعًا عن إيمان بلا حب... لا تفتخر بالإيمان إن كان على مستوى الشياطين.
    v يا لعظم قوة تواضع الله التي ظهرت في أخذه شكل العبد، فقد غلبت كبرياء الشياطين، وقد عرفت الشياطين ذلك حسنًا، معبرين عن ذلك للرب الملتحف بضعف الجسد. لقد قالوا: "ما لنا ولك (ماذا نفعل بك) يا يسوع الناصري"؟... يظهر في هذه الكلمات أنهم أصحاب معرفة لكن بلا محبة، والسبب في هذا أنهم كانوا يرتعبون من عقوبتهم بواسطته ولا يحبون برّه.
    القديس أغسطينوس
    v حسب الشيطان خروجه من الإنسان هلاكًا له، فان الشياطين لا ترحم، تحسب نفسها أنها تعاني شرًا إذا لم تتعب البشر!
    الأب ثيؤفلاكتيوس
    v عرفته الشياطين بالقدر الذي سمح الله لهم أن يعرفوه، لكنهم لم يعرفوه كما يعرفه الملائكة القديسون الذين ينعمون بشركة أبدية بكونه كلمة الله...
    القديس أغسطينوس
    v الحق لا يحتاج إلى شهادة أرواح نجسة... ليتنا لا نصدق الشياطين حتى إن أعلنوا الحق.
    المدعو ذهبي الفم
    v لم يدع المسيح الشياطين أن يعترفوا به لأنه لا يليق أن يغتصبوا حق الوظيفة الرسولية. كذلك لا يجوز أن يتكلموا بألسنة نجسة عن سرّ المسيح الفدائي، نعم يجب ألا تصدق هذه الأرواح الشريرة حتى ولو تكلمت صادقًا، لأن النور لا يُكشف بمساعدة الظلام الدامس، كما أشار إلى ذلك رسول المسيح بالقول: "وأية شركة للنور مع الظلمة، وأي اتفاق للمسيح عن بليعال؟" (2 كو 6: 14-15).
    القديس كيرلس الكبير

    ب. إبراء حماة سمعان

    "ولما خرجوا من المجمع
    جاءوا للوقت إلى بيت سمعان وأندراوس مع يعقوب ويوحنا.
    وكانت حماة سمعان مضطجعة محمومة،
    فللوقت أخبروه عنها.
    فتقدم وأقامها ماسكًا بيدها،
    فتركتها الحمى حالاً وصارت تخدمهم" [29-31].
    سبق لنا الحديث عن إبراء حماة سمعان في دراستنا لإنجيل متى (8: 14-15)، وقد رأينا كلمات القديس أمبروسيوس أن حماة سمعان تمثل جسدنا الذي أصابته حمى الخطايا المختلفة فصار أسير الألم، مطروحًا بلا عمل، يحتاج إلى طبيب قادر أن يحله من رباطات المرض.
    ويلاحظ في هذا العمل الذي صنعه الرب الآتي:
    أولاً: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح كان منطلقًا من المجمع في كفرناحوم إلى بيت سمعان بطرس ليأكل، مدللاً على ذلك بقوله الإنجيلي: "فتركتها الحمى حالاً وصارت تخدمهم" [31]، فقد انفتح هذا البيت لخدمة السيد، فجاء السيد يخدمه. فكلما خدمنا ربنا يسوع المسيح إنما في الحقيقة ننال خدمته وننعم بعمله الفائق فينا.
    يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن سمعان لم يستدعِ السيد ليشفي مريضته بل انتظره حتى يتمم عمله التعليمي في هذا المجمع ويحقق أشفية لكثيرين وعندئذ لما جاء السيد إلى بيته سأله من أجلها. هكذا منذ البداية تدرب أن يفضل ما هو للآخرين عما هو لنفسه.
    ثانيًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يستنكف (يسوع المسيح) من الدخول إلى أكواخ صيادي السمك البسطاء، معلمًا إياك بكل وسيلة أن تطأ الكبرياء البشري تحت قدميك.] كما يعلل تركه المجمع وانطلاقه إلى كوخ بسيط ليشفي مريضة بقوله: [بهذا كان يدربنا على التواضع، وفي نفس الوقت كان يلطف من حسد اليهود له، ويعلمنا ألا نفعل شيئًا بقصد الظهور.]
    هذا أيضًا ما أكده القديس أغسطينوس بقوله: [لقد أرادهم أن يفهموا أعماله أنها ليست بقصد الإعجاب وإنما قدمها عن حب لأجل الشفاء.]
    في إخراجه للشيطان أو الروح النجس نطق السيد بسلطان ليكتم أنفاسه ويخرجه، لئلا يظن أحد في هذا حبًا للظهور عندما التقى بمريضة أمسك بيدها فتركتها الحمى حالاً. إنه صاحب سلطان حقيقي، يعمل بكلمته كما بلمسة يديه المترفقتين بنا!
    وللقديس كيرلس الكبير تعليق جميل على استخدام لمسة يده في الشفاء، إذ يقول: [أرجو أيضًا أن تلاحظوا قوة جسده المقدس إذا ما مسّ أحدًا، فان هذه القوة تقضي على مختلف الأسقام والأمراض، وتهزم الشيطان وأعوانه، وتشفى جماهير الناس في لحظة من الزمن. ومع أن المسيح كان في قدرته أن يجري معجزات بكلمة منه، بمجرد إشارة تصدر عنه، إلا أنه وضع يديه على المرضى ليعلمنا أن الجسد المقدس الذي اتخذه هيكلاً له كان به قوة الكلمة الإلهي. فليربطنا الله الكلمة به، ولنرتبط نحن معه بشركة جسد المسيح السرية، فيمكن للنفس أن تُشفي من أمراضها وتقوى على هجمات الشياطين وعدائها.]
    ثالثًا: يقدم لنا الإنجيلي السيد المسيح كخادم الكل يعمل بلا توقف، يخدم وسط الجماهير في مجمع كفرناحوم بقوة حتى "خرج خَبره للوقت في كل الكورة المحيطة بالجليل" [28]، وفي نفس الوقت ينسحب إلى كوخ صغير ليشفي سيدة محمومة، وإذ يلتف الكثيرون حول الباب يخرج إليهم ليشفي كثيرين ويخرج شياطين كثيرة. إنه يعمل أينما وجد ليجتذب الكل بحبه العملي إلى أحضانه الإلهية.
    رابعًا: لعل مجمع كفرناحوم يشير إلى جماعة اليهود الذين بينهم من به روح نجس خلال عدم الإيمان، فجاء السيد إليهم ينتهر هذا الروح الشرير ليكسبهم إليه كأعضاء جسده. أما انطلاقه إلى بيت سمعان ليلتقي بحماته المحمومة فيشير إلى عمله بين الأمم لينزع عنهم حمى الوثنية والرجاسات الشريرة، ويحول طاقاتهم لخدمته. هكذا جاء السيد إلى العالم كله ليخلص الجميع.
    لقد جاء ليشفي حماة بطرس المحمومة بعد أن انتهر الروح النجس وأخرجه، منقذًا الشعوب بربطه للعدو إبليس وتحطيم سلطانه وطرده من القلوب!
    خامسًا: استخدم القديس مرقس في تعبيره "أقامها" [31] الفعل اليوناني egeiro الذي غالبًا ما يُستخدم في قيامة السيد المسيح نفسه (مر 14: 28؛ 16: 6؛ 1 كو 15: 4؛ أع 3: 15؛ 13: 37) ، وكأنها لم تكن في حاجة إلى من يشفيها من مرض جسدي، بل من يقيمها من الموت. احتاجت إلى واهب القيامة نفسه يقيمها معه!
    سادسًا: يقول الإنجيلي: "وأقامها ماسكًا بيدها، فتركتها الحمى حالاً وصارت تخدمهم" [31]. تلامُسنا مع رب المجد يسوع ينزع حمى المرض أو لهيب الشر الحار، لا لنحيا في برود الروح، بل في لهيب جديد هو لهيب الروح العامل والخادم للكل، إن لم يكن بكرازة الوعظ فبالقدوة والصمت. تتحول حياتنا إلى لهيب مشتعل بالروح القدس يلهب الآخرين ويلتهب معهم بالروح، وكما يقول الشيخ الروحاني: [كما أن النار لا تنقص ولا تضعف قوتها إذا أخذت منها مشاعل كثيرة، هكذا الذي يسكن فيه الروح القدس إذا أعطى نعمة لآخرين لا ينقص.]
    سابعًا: شفاء حماة بطرس جذب المدينة كلها ليتمتع الكثيرون بالشفاء أيضًا، إذ يقول الإنجيلي: "ولما صار المساء إذ غربت الشمس، قدموا إليه جميع السقماء والمجانين. وكانت المدينة كلها مجتمعة على الباب. فشفى كثيرين كانوا مرضى بأمراض مختلفة، وأخرج شياطين كثيرة، ولم يدع الشياطين يتكلمون أنهم عرفوه" [32-34]. لقد جاءوا إليه بجميع السقماء والمجانين بعد الغروب، إذ كان يوم سبت ولم يكن بعد يقدر اليهود أن يدركوا السبت بالمفهوم الروحي كيوم راحة يمكن أن تتمم فيه أشفيه للنفوس المتعبة، فانتظروا في حرفية جامدة حتى ينتهي السبت بالغروب. أما قوله "شفى كثيرين" ولم يقل "شفى الجميع"، فربما لأن عدم إيمان القلة منهم حرمهم من عمله الإلهي. وإذ رأت الشياطين ما فعله السيد أدركت من هو فكان ينتهرها ويرفض شهادتها له، طاردًا الكثيرين منهم!
    يمكننا أن نقول، إذ تجسد كلمة الله وسط اليهود، وحلّ بينهم، حوّل الزمن إلى نهار، وشفى نفوسًا منهم (حماة بطرس) كالتلاميذ والرسل والمريمات... وإذ صعد بالجسد كأن المساء قد حلّ والشمس غربت فجاءت جموع الشعوب والأمم من كل العالم، تجمعت على الباب تطلب المسيّا فيها، فشفى الرب الكثيرين وطرد شياطين كثيرة، إذ تحولت حياة الكثيرين من الوثنية إلى الإيمان المسيحي. بمعنى آخر بصعوده، أي بغروب الشمس انفتح الباب للأمم ليتمتعوا بالإيمان مع التوبة الصادقة لينالوا ملكوت الله داخلهم عوض مملكة إبليس المهلكة‍!

    ج. إخراج شياطين

    "وفي الصباح باكرًا جدًا، قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء، وكان يصلي هناك. فتبعه سمعان والذين معه. ولما وجدوه قالوا له: إن الجميع يطلبونك. فقال لهم: لنذهب إلى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضًا، لأني لهذا خرجت. فكان يكرز في مجامعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين" [35-39].
    إذ قضى السيد المسيح السبت كله يعلم ويشفي ويخرج شياطين، حتى في المساء اجتمعت المدينة كلها يشبع احتياجاتها، فانه في الصباح الباكر انطلق إلى موضع خلاء ليصلي. إنه قابل الصلوات يصلي معلمًا إيانا أن نلجأ إلى الصلاة دائمًا!
    المدينة التي التقت به بالأمس تطلبه، أما هو فأراد أن يذهب إلى القرى المجاورة ليكرز فيها ويعمل لأجلها. لم يرد أن يحصر عمله في مدينة معينة، بل يشرق بأشعة محبته على كل موضع، طاردًا عنهم الشياطين وكل القوات المقاومة.
    يرى البعض مثل الأب ثيوفلاكتيوس أن هذا النص قد حمل أيضًا معنى رمزيًا، ففي الصباح الباكر جدًا قام المسيح وخرج خلال تلاميذه إلى الأمم كما إلى موضع خلاء. حقًا لقد تبعه سمعان والذين معه يمثلون المؤمنين من اليهود الذين قبلوه والذين اشتاقوا نحو خلاص بني أمتهم، لكن الأمر قد صدر "لنذهب إلى القرى المجاورة"، أي لننطلق للعمل وسط الأمم! وقد أكد الرسول "كان يكرز... ويخرج الشياطين"، مقدمًا مملكته، ومحطمًا مملكة الظلمة.

    د. تطهير أبرص

    أشرق السيد بأشعة محبته، فجاءه الكثيرون من بينهم أبرص يستنكف الكل من اللقاء معه، ويخشى الجميع أن يلمسوه لئلا يتنجسوا. جاءه مؤمنًا به أنه فوق الناموس، يقدر أن يُطهر من البرص إن أراد، إذ يقول: "إن أردت تقدر أن تطهرني" [40]. كأنه يقول: الناموس يفضحني، ويكشف ضعفي، ويعلن نجاستي فينفر الكل مني، أما أنت فوحدك إن أردت تقدر أن تطهرني. لم يسأله أن يطلب من الله ليشفيه، إنما يعرف من هو، إنه ذاك الذي يريد فيُطاع!
    يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل "طهرني" بل ترك كل شيء بين يديه، وجعل شفاءه رهن إرادته، شاهدًا له بسلطانه.]
    لقد جثا الأبرص، معلنًا خضوعه بالجسد كما بالروح، ولم يحتمل الرب انسحاقه بل "تحنن... ومد يده ولمسه، وقال له: أريد فأطهر" [41]. أعطاه من حنانه وحبه قبل أن يهبه الشفاء والتطهير.
    كان يمكن أن يقول كلمة فيطهر، لكنه في حنان مدّ يده ليعلن أنه الخالق الذي يتحنن على خليقته، مميزًا بين المرض والمريض، والخطية والخاطي... إنه يبسط بالحب يده ليلمس كل إنسان مهما كانت نجاسته حتى يطهره. هذا وقد أراد أن يعلن أنه واضع الناموس وربه، لا يتنجس بلمسة أبرص، بل يهرب البرص من لمسته.
    ولعله لمس بيده المترفقة ثم قال: أريد فأطهر ليعلن حاجة العالم إلى لمسة الحب العملية ملتحمة بالوصية بل وسابقة لها.
    ولعل مدَّ يده هنا يشير إلى تجسد الكلمة، فإن كان الأبرص يشير إلى آدم الذي أصابه برص الخطية ومحبة العالم كتلميذ إليشع "جيحزي"، فانه يحتاج إلى تجسد الكلمة ليطهره من برصه!
    وقد سبق لنا في دراستنا لإنجيل متى (8: 1-4) الحديث عن إرساله هذا الأبرص للكاهن ليرى نفسه ويقدم عن تطهيره، ولماذا سأله السيد ألا يقول لأحد شيئًا أما هو فصار ينادي كثيرًا ويذيع الخبر.
    1 بدء انجيل يسوع المسيح ابن الله
    2 كما هو مكتوب في الانبياء ها انا ارسل امام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك
    3 صوت صارخ في البرية اعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة
    4 كان يوحنا يعمد في البرية و يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا
    5 و خرج اليه جميع كورة اليهودية و اهل اورشليم و اعتمدوا جميعهم منه في نهر الاردن معترفين بخطاياهم
    6 و كان يوحنا يلبس وبر الابل و منطقة من جلد على حقويه و ياكل جرادا و عسلا بريا
    7 و كان يكرز قائلا ياتي بعدي من هو اقوى مني الذي لست اهلا ان انحني و احل سيور حذائه
    8 انا عمدتكم بالماء و اما هو فسيعمدكم بالروح القدس
    9 و في تلك الايام جاء يسوع من ناصرة الجليل و اعتمد من يوحنا في الاردن
    10 و للوقت و هو صاعد من الماء راى السماوات قد انشقت و الروح مثل حمامة نازلا عليه
    11 و كان صوت من السماوات انت ابني الحبيب الذي به سررت
    12 و للوقت اخرجه الروح الى البرية
    13 و كان هناك في البرية اربعين يوما يجرب من الشيطان و كان مع الوحوش و صارت الملائكة تخدمه
    14 و بعدما اسلم يوحنا جاء يسوع الى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله
    15 و يقول قد كمل الزمان و اقترب ملكوت الله فتوبوا و امنوا بالانجيل
    16 و فيما هو يمشي عند بحر الجليل ابصر سمعان و اندراوس اخاه يلقيان شبكة في البحر فانهما كانا صيادين
    17 فقال لهما يسوع هلم ورائي فاجعلكما تصيران صيادي الناس
    18 فللوقت تركا شباكهما و تبعاه
    19 ثم اجتاز من هناك قليلا فراى يعقوب بن زبدي و يوحنا اخاه و هما في السفينة يصلحان الشباك
    20 فدعاهما للوقت فتركا اباهما زبدي في السفينة مع الاجرى و ذهبا وراءه
    21 ثم دخلوا كفرناحوم و للوقت دخل المجمع في السبت و صار يعلم
    22 فبهتوا من تعليمه لانه كان يعلمهم كمن له سلطان و ليس كالكتبة
    23 و كان في مجمعهم رجل به روح نجس فصرخ
    24 قائلا اه ما لنا و لك يا يسوع الناصري اتيت لتهلكنا انا اعرفك من انت قدوس الله
    25 فانتهره يسوع قائلا اخرس و اخرج منه
    26 فصرعه الروح النجس و صاح بصوت عظيم و خرج منه
    27 فتحيروا كلهم حتى سال بعضهم بعضا قائلين ما هذا ما هو هذا التعليم الجديد لانه بسلطان يامر حتى الارواح النجسة فتطيعه
    28 فخرج خبره للوقت في كل الكورة المحيطة بالجليل
    29 و لما خرجوا من المجمع جاءوا للوقت الى بيت سمعان و اندراوس مع يعقوب و يوحنا
    30 و كانت حماة سمعان مضطجعة محمومة فللوقت اخبروه عنها
    31 فتقدم و اقامها ماسكا بيدها فتركتها الحمى حالا و صارت تخدمهم
    32 و لما صار المساء اذ غربت الشمس قدموا اليه جميع السقماء و المجانين
    33 و كانت المدينة كلها مجتمعة على الباب
    34 فشفى كثيرين كانوا مرضى بامراض مختلفة و اخرج شياطين كثيرة و لم يدع الشياطين يتكلمون لانهم عرفوه
    35 و في الصبح باكرا جدا قام و خرج و مضى الى موضع خلاء و كان يصلي هناك
    36 فتبعه سمعان و الذين معه
    37 و لما وجدوه قالوا له ان الجميع يطلبونك
    38 فقال لهم لنذهب الى القرى المجاورة لاكرز هناك ايضا لاني لهذا خرجت
    39 فكان يكرز في مجامعهم في كل الجليل و يخرج الشياطين
    40 فاتى اليه ابرص يطلب اليه جاثيا و قائلا له ان اردت تقدر ان تطهرني
    41 فتحنن يسوع و مد يده و لمسه و قال له اريد فاطهر
    42 فللوقت و هو يتكلم ذهب عنه البرص و طهر
    43 فانتهره و ارسله للوقت
    44 و قال له انظر لا تقل لاحد شيئا بل اذهب ار نفسك للكاهن و قدم عن تطهيرك ما امر به موسى شهادة لهم
    45 و اما هو فخرج و ابتدا ينادي كثيرا و يذيع الخبر حتى لم يعد يقدر ان يدخل مدينة ظاهرا بل كان خارجا في مواضع خالية و كانوا ياتون اليه من كل ناحية
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:09 am

    الأصحاح الثاني
    الخدمة المقَاومة
    إن كان المسيح قد جاء خادمًا للعالم كله، يبسط يديه للعمل في حبه الإلهي بلا حدود، فقد قُوبلت أعمال محبته بمقاومة من جهة سلطانه ومن جهة سلوكه وطقس عبادته مع اتهامه ككاسرٍ للسبت.
    1. مقاومة سلطانه: شفاء المفلوج 1-12.
    2. مقاومة سلوكه: حبه للخطاة 13-17.
    3. مقاومة طقس عبادته: عدم الصوم 18-22.
    4. اتهامه ككاسر للسبت (الشريعة) 23-28.
    1. مقاومة سلطانه: شفاء المفلوج
    ضم هذا الأصحاح أربعة أسئلة استنكارية يقصد بها التجريح في سلطان السيد وسلوكه وطقس عبادته وعدم حفظه للناموس، هذه الأسئلة هي:
    أ. لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده؟ [7].
    ب. ما باله يأكل ويشرب مع العشارين والخطاة؟ [16].
    ج. لماذا يصوم تلاميذ يوحنا والفريسيين، وأما تلاميذك فلا يصومون؟ [18].
    د. لماذا يفعلون (تلاميذك) في السبت ما لا يحل؟ [24].
    قُدمت هذه الأسئلة، ولم ينتظر مقدموها الإجابة عليها إنما قصدوا الإساءة إلى السيد المسيح، وكأن أعمال محبته الفائقة لم يقابلها الإنسان بالشكر والحب بل بسوء الظن والإهانة، ومع ذلك لم يتوقف السيد عن محبته ولا تراجع عن تقديم حياته مبذولة حتى عن مقاوميه.
    أما بالنسبة للسؤال الأول فقد أثاره قوم من الكتبة عندما قُدم له المفلوج، وقد سبق لنا دراسة شفاء هذا المفلوج (مت 9: 1-Cool من خلال دراستنا لإنجيل متى، وقد روى القديس مرقس قصة هذا الشفاء هكذا:
    "ثم دخل كفرناحوم أيضًا بعد أيام فسُمع أنه في بيت" [1].
    حينما تحدث متى البشير عن شفاء المفلوج ذكر أن ذلك تم في مدينة السيد، أما هنا فيحدد القديس مرقس أنها كفرناحوم التي تعني "كفر التعزية أو النياح". يرى القديس أغسطينوس أن كفرناحوم أشبه بعاصمة الجليل، وقد حسب السيد المسيح الجليل ككل مدينته أو وطنه الخاص. بينما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن بيت لحم هي مدينته التي استقبلته عند ميلاده، والناصرة عند عودته من مصر في طفولته، وكفرناحوم كمواطن فيها.
    على أي الأحوال حينما نلتقي مع السيد المسيح - أينما وجدنا - ندخل معه إلى مدينته الروحية مدينته "كفرناحوم الروحية"، فيكون لنا الموضع للنياح الحقيقي والراحة الداخلية. وجوده يهب نياحًا حتى وإن أُلقينا مع الفتية في أتون النار، أو مع دانيال في جب الأسود، أو مع يونان في وسط المياه. هو واهب الراحة الحقيقية! لقاؤنا مع السيد يجعل من نفوسنا كفرناحوم، وحرماننا منه يجعلنا منها "كفر العذاب". وكما يقول الأب يوحنا سابا: [إن كان ملكوت الله داخلنا كما قال ربنا، فإن جهنم أيضًا داخل الملتصقين بالأوجاع (الشهوات) كل واحد ميراثه فيه، وغذاؤه داخله.]
    "وللوقت اجتمع كثيرون حتى لم يسع ولا ما حول الباب، فكان يخاطبهم بالكلمة. وجاءوا إليه مقدمين مفلوجًا يحمله أربعة. إذ لم يقدروا أن يقتربوا إليه من أجل الجمع، كشفوا السقف حيث كان وبعدما نقبوه دلوا السرير الذي كان المفلوج مضجعًا عليه. فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: يا بني مغفورة لك خطاياك" [2-5].
    إن كان قد سبق لنا دراسة هذا المفلوج أثناء دراستنا لإنجيل معلمنا متى (أصحاح 9)، لكننا نلاحظ الآتي:
    أولاً: يقدم لنا الإنجيلي مرقس السيد المسيح صاحب السلطان الذي متى حلّ في بيت امتلأ من الجماهير وفاض، حتى لم يستطع ما حول الباب الخارجي أن يسع هذه الجماهير القادمة، لا لتتملقه أو تنتظر مكسبًا أدبيًا أو اجتماعيًا أو ماديًا، إنما تترقب الكلمة الخارجة من فيه لتشبع أعماقهم، وتشفي جراحاتهم الداخلية. هذا هو المسيا خادم البشرية بكلمة محبته وخدمته غير المنقطعة!
    لعل هذا البيت أيضًا يشير إلى القلب الذي يدخله السيد ليملك على عرشه الداخلي، ويقيم مملكته فيه كوعده "ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21). متى حلّ السيد في القلب اجتمعت كل طاقات الإنسان وقواه الروحية والنفسية والجسدية وأحاطت به كجماهير بلا حصر، فلا يعيش القلب بعد في فراغ ولا في تشتيت بل يتركز حول مخلصه بكل الإمكانيات. عندئذ يرفع الإنجيليون الأربعة الفكر إلى السماوات كما إلى السطح ليتنقي وينضبط في الرب ويُحصر فيه ويكون أمامه. والعجيب أن الذهن ينزل من السطح بالتواضع إلى حيث السيد المسيح الذي من أجلنا اتضع، فلا يكون نموه الروحي عله الكبرياء أو تشامخ أو تبرير ذاتي بل علة لقاء مع المسيح المتواضع يقول القديس يوحنا سابا: [تسربل يا أخي بالتواضع كل حين فإنه يُلبس نفسك المسيح معطيه.]
    ثانيًا: إن كان الرجال قد قدموا بالإيمان المريض فشفاه السيد بإيمانهم فيرى البعض أن المفلوج نفسه أيضًا كان له إيمانه الذي عبر عنه بقبول حمله وتدليته من السقف وإن كان إيمانًا خافتًا وضعيفًا.
    على أي الأحوال هؤلاء الرجال الأربعة يشيرون إلى الكنيسة كلها كهنة (3 رتب: الأسقفية، القسيسية، الشموسية) وشعبًا، إذ يلتزم أن يعمل الكل معًا بروح واحد في اتزانٍ، لكي يقدموا كل نفس مصابة بالفالج للسيد المسيح.
    يتحدث القديس أمبروسيوس عن هؤلاء الرجال الأربعة، قائلاً: [ينبغي أن يكون لكل مريض شفعاء يطلبون عنه لينال الشفاء، فبشفاعتهم تتقوى عظام حياتنا اللينة ويستقيم اعوجاج أعمالنا بدواء كلمة الحياة. ليوجد إذن مرشدون للنفوس يترفقون بروح الإنسان التي قيدتها ضعفات الجسد. فالكهنة يشكلون الروح، يعرفون كيف ترتفع وكيف تتواضع لتقف أمام يسوع، إذ "نظر إلى تواضع أمته" (لو 1: 48)، ينظر إلى المتواضعين.]
    ويرى الأب ثيؤفلاكتيوس في هؤلاء الرجال الأربعة رمزًا للإنجيليين الأربعة إذ يقول: [متى كان ذهني مرتبكًا أصير خائر القوى عندما أريد ممارسة أي عمل صالح، فأُحسب مريضًا بالفالج. فإن رفعني الإنجيليون الأربعة وقدموني للمسيح أسمع منه أنني ابن الله وتغفر خطاياي.]
    ثالثًا: مدح القديس يوحنا الذهبي الفم هؤلاء الرجال، قائلاً: [وضعوا المريض أمام المسيح ولم ينطقوا بشيء بل تركوا كل شيء له.] بنفس الروح أرسلت مريم ومرثا للسيد قائلتين: "يا سيد هوذا الذي تحبه مريض" (يو 11: 3). ما أجمل أن تكون صلواتنا عرضًا أمام الله باشتياق حقيقي أن يتمم إرادته وإيمان أنه يهتم بنا ويهبنا أكثر مما نسأل وفوق ما نحتاج!
    رابعًا: ما هو السقف المكشوف الذي قدم خلاله الرجال الأربعة المفلوج إلا البصيرة الروحية المفتوحة أو الإدراك الروحي. حينما ينزع السقف الطيني أو المادي ينفتح القلب على الله وينعم بالمحبة معه، لذلك يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [كيف أحمل إلى المسيح مادام السقف لم يُفتح بعد، فإن السقف هو الإدراك، أسمى شيء فينا! هنا يوجد تراب كثير خاص بالملاط الذي للسقف، أقصد به الأمور الزمنية، إن نُزعت تتحرر فينا فضيلة الإدراك من الثقل، عندئذ ننزل أي نتواضع، إذ نزع الثقل عن الإدراك لا يعلمنا الكبرياء بل بالحري التواضع.]
    خامسًا: إذ رآه السيد المسيح قال له: "يا بني". يا للعجب، الكهنة يستنكفون من لمس المفلوج، والخالق يدعوه ابنا له! هذه هي أبوة الله للبشرية، يشتاق أن يرد كل نفس ساقطة بالبنوة إليه بشركة أمجاد أبيها السماوي!
    سادسًا: كان يليق بالكتبة أن يفرحوا إذ رأوا المفلوج ينعم بغفران خطاياه وشفاء نفسه، لكنهم إذ كانوا متقوقعين حول ذواتهم رأوا في كلمات السيد تجديفًا وهروبًا من شفاء الجسد، فقالوا: "لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده"؟ [7]. لم يأخذ السيد موقفًا مضادًا منهم، إنما في محبته اللانهائية أراد أيضًا أن يشفي نفوسهم مع نفس المفلوج فأوضح لهم أمرين، الأول أنه عارف الأفكار، إذ قال لهم: "لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم"؟ [8]. لعلهم يدركون أن الذي يفحص القلوب ويعرف الأفكار (إر 7: 10؛ مز 33: 15) قادر على غفران الخطايا. أما الأمر الثاني فهو تصحيح مفاهيمهم، إذ حسبوا أن شفاء الجسد أصعب من شفاء النفس، لهذا أوضح لهم أنه يشفي الجسد المنظور لكي يتأكدوا من شفائه للنفس وغفرانه للخطايا وهو الأمر الأصعب. على أي الأحوال يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [لقد أربكهم بنفس كلماتهم، فكأنه يقول: لقد اعترفتم أن غفران الخطايا خاص بالله وحده، إذن لم تعد شخصيتي موضع تساؤل.] لقد أكد لهم "ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا، قال للمفلوج: لك أقول قم، واحمل سريرك، واذهب إلى بيتك" [10-11].
    سابعًا: إن كان قد أمره بحمل سريره ليُعلن أن الشفاء حقيقة واقعة ملموسة، وليؤكد أنه الله الذي يغفر خطايانا، إنما لنقوم معه ونحيا بقوة قيامته، نمارس وصيته ونتمم إرادته بالعمل الإيجابي، حاملين سريرنا إلى بيتنا الذي تركناه أي كنيستنا أو فردوسنا المفقود. يرى القديس أغسطينوس في هذا السرير رمزًا لضعفات الجسد. ففي خطايانا كنا محمولين بشهوات الجسد وضعفاته، مربوطة نفوسنا ومقيدة عن الحركة، لكننا إذ نحمل قوة الحياة الجديدة تحمل النفس الجسد بكل أحاسيسه وطاقاته لتقوده هي بالروح لحساب مملكة الله وتدخل به إلى بيتها، أي الحياة المقدسة. هكذا لا يعود الجسد ثقلاً يحطم النفس، بل يكون معينًا يتجاوب معها تحت قيادة الروح القدس. وكما يقول القديس يوحنا سابا يصير كنيسة مقدسة للرب: [من يذبح ذاته كل يوم بأتعاب المشيئة من أجل معرفة المسيح يكون جسده كنيسة محسوسة، والشعب الذي بداخلها هو مجمع الفضائل... العقل الذي استحق نظر الثالوث القدوس يكون كنيسة معقولة، والشعب الذي بداخلها هو جمع الملائكة.]
    يقول القديس أمبروسيوس: [ما هو هذا السرير الذي يأمر الرب بحمله؟ إنه السرير الذي عوّمه داود بدموعه كما يقول الكتاب: "أعوم كل ليلة سريري بدموعي" (مز 6: 7). هو سرير الألم، حيث تنطرح نفوسنا فريسة لمرارة الضمير وعذابه، لكننا حينما نسير حسب وصايا المسيح يصير فراشنا للراحة لا للألم، إذ غيّرت مراحم الله موضع الموت إلى موضع قيامته، حوّل لنا الموت لجاذبية نشتاق للتلذذ به. لم يأمره فقط بحمل السرير، وإنما أمره أن يذهب إلى بيته، أي يرجع إلى الفردوس، الوطن الحقيقي الذي استقبل الإنسان الأول، وقد فقده بخداع إبليس، لهذا يلزم أن يرجع إلى البيت، فقد جاء الرب ليهدم فخاخ المخادع، ويعيد إلينا ما قد فقدناه.]
    ثامنًا: يقول الإنجيلي: فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بُهت الجميع، ومجدوا الله، قائلين: ما رأينا مثل هذا قط" [12]. شفاء المفلوج كان بركة للمريض نفسه الذي تمتع بغفران خطاياه كما بصحة جسده، وفرصة لكي يتحدث الرب مع الكتبة معلنًا لهم أنه المسيّا، وأيضًا للجماهير التي بهتت، قائلة: "ما رأينا مثل هذا قط". يرى الأب ثيؤفلاكتيوس أن هذه الجماهير تشير إلى أفكارنا التي تتمتع برؤية روحية سليمة ونقاوة عند غفران خطايانا، فتقف مبهورة أمام السيد المسيح واهب الشفاء.
    حقًا أن النفس التي أصيبت بالفالج إذ تسمع صوت طبيبها السماوي وتنعم بعمله فيها وتتذوق رؤيته تبهر به ولا تطيق الحرمان منه. وكما يقول القديس يوحنا سابا: [من رآه ثم احتمل ألا يراه؟ من سمع صوته واحتمل أن يعيش بدون سماع صوته؟ من استنشق رائحته ولم يجيء حالاً ليتنعم به؟]
    2. مقاومة سلوكه: حبه للخطاة
    إذ التقت القيادات اليهودية بالسيد المسيح، لا بقصد التمتع به ومعرفة الحق، بل خلال الاهتمام بالأنا والحفاظ على مراكزهم، تحول كل ما هو مشرق في السيد المسيح ظلمة بالنسبة لهم. رأى الكتبة في غفرانه للخطايا تجديفًا، والآن يرى الكتبة والفريسيون في اهتمامه بالخطاة وحبه لهم لاجتذابهم من الخطية عثرة، إذ قالوا لتلاميذه: "ما باله يأكل ويشرب مع العشارين والخطاة؟" [16] لم يستطيعوا أن يمسكوا خطأ في حياته الشخصية وسلوكه اليومي فاصطادوا له حبه للعشارين والخطاة!
    لقد التقى السيد بكثير من العشارين والخطاة في بيت متى البشير الذي كان في الجباية. دعاه السيد ساحبًا قلبه من محبة المال إلى خدمة ملكوت الله، فانفتح قلبه كما بيته لزملائه حتى يلتقوا بمن التقى به.
    يقول الإنجيلي: "ثم خرج أيضًا إلى البحر، وأتى إليه كل الجمع فعلمهم. وفيما هو مجتاز رأى لاوي بن حلفا جالسًا عند مكان الجباية، فقال له: اتبعني، فقام وتبعه. وفيما هو متكئ في بيته كان كثيرون من العشارين والخطاة يتكئون مع يسوع وتلاميذه لأنهم كانوا كثيرين وتبعوه" [13-15].
    يرى الأب ثيؤفلاكتيوس أن السيد المسيح خرج إلى البحر تاركًا المجد، لكنه أينما ذهب التفت الجموع حوله وتمجّد فيهم. يمكننا أن نقول أن السيد المسيح وهو لا يطلب مجدًا من العالم بل يسكب حبه على كل نفس اجتذب الجماهير سواء أن وُجد في مجمع يهودي، أو بيت في المدينة أو انطلق إلى القرى، أو حتى انفرد في موضع خلاء (1: 35)، أو ذهب إلى الساحل. نور محبته السرمدية لا يمكن أن يختفي، واشراقاته لا يمكن أن تُحبس في موضع!
    يقول الأب ثيؤفلاكتيوس معلقًا على انطلاق السيد إلى البحر هربًا من المجد الزمني: [أرادك أن تتعلم أنه كلما هربت من المجد، جرى وراءك المجد بالأكثر، وإن جريت وراءه هرب منك]، وقد اقتبس هذا المفهوم وربما بذات الألفاظ من الأب مار اسحق السرياني القائل: [من هرب من الكرامة جرت وراءه وتعلقت به، ومن جرى وراءها هربت منه.]
    انطلق السيد إلى البحر فألتفت حوله الجموع ليعلمهم. ووسط هذا الانشغال لم ينس السيد إنسانًا يُدعى "لاوي بن حلفي" جالسًا عند مكان الجباية بجسده، وقد تثقل قلبه بمحبة المال وتلطخت نفسه بالظلم، لا يعرف إلا الغنى على حساب إخوته. وكان في حاجة إلى كلمة من فم السيد تفك رباطاته الداخلية وتلهب أعماقه ليترك كل شيء ويتبع المسيح مخلصه، بل يدعو الآخرين لينعموا باللقاء مع هذا المخلص!
    هكذا اختار الرب تلاميذه ورسله من بين الخطاة حتى إذ يذوقوا حلاوة الشركة معه يجتذبوا الخطاة أيضًا، وكما جاء في رسالة برناباس: [اختار رسله الذين يكرزون بإنجيله من بين الذين كانوا خطاة... ليظهر أنه جاء لا ليدعو الأبرار بل الخطاة للتوبة (مت 9: 13؛ مر 2: 17؛ لو 5: 32).]
    يعلق القديس كيرلس الكبير على دعوة لاوي قائلاً: [كان لاوي عشارًا يهيم وراء الكسب المرذول لا حدّ لجشعه الممقوت، يزدري بقانون العدل والإنصاف حبًا في تملك ما ليس له، فهذه الخلق الذميمة اشتهر بها العشارون إلا أن المسيح اختطف أحدهم وهو غارق في بحر الإثم والرزيلة، ودعاه إليه وأنقذه وخلصه إذ قيل: "فقال له: اتبعني، فترك كل شيء وقام وتبعه" (لو 5: 27-28). فما أصدق بولس المغبوط وهو يصف المسيح بأنه "جاء إلى العالم ليخلص الخطاة" (1 تي 1: 15). أفلا ترون كيف أن كلمة الله، الابن الوحيد، قد أخذ لنفسه جسدًا ليرد إلى نفسه عبيد إبليس ومملكته؟]
    ويعلق القديس أمبروسيوس على هذه الدعوة بقوله: [أمره الرب أن يتبعه لا حسب الجسد بل بخلجات الروح. إذ سمع الرجل الكلمة ترك كل ممتلكاته، الذي كان يسرق أموال قريبه ويستغل مركزه في قسوة ترك مكان الجباية وتبع المسيح بقلب ملتهب، ثم صنع له وليمة. فمن يقبل المسيح في قلبه يشبع بالأطايب الكثيرة والسعادة الفائقة، والرب نفسه يدخل ويستريح في محبته كمؤمن.]
    عِوَض أن يتطلع الكتبة والفريسيون إلى متى وأصدقائه العشارين بفرحٍ، إذ يجدون فيهم القلوب الجائعة قد التفت حول "الخبز السماوي"، ربنا يسوع، لكي تشبع بعد جوعٍ هذا زمانه، وعوض أن يفرحوا بالقلوب التي كانت جامدة وقاسية وقد صارت لها الأعماق الملتهبة نحو الأبدية، إذا بهم يهاجمون السيد لأنه يأكل ويشرب مع العشارين والخطاة. "فلما سمع يسوع قال لهم: لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، لم آتِ لأدعو أبرار بل خطاة إلى التوبة" [17].
    لقد ثار الكتبة والفريسيون على سلوكه هذا إذ حسبوه كسرًا للناموس، فإنه لا يليق بالأيادي الطاهرة أن تمتد لتأكل مع الأيادي النجسة، ولم يدركوا أن يدّي السيد هي واهبة التقديس. يقول القديس كيرلس الكبير: [لماذا يلوم الفريسيون المخلص لتناوله الطعام مع الخطاة؟ لأن الناموس ميّز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر (10: 10). اعتقد الفريسيون أنه لا يصح الجمع بين المقدس والنجس، فقاموا يطالبون المسيح بحفظ شريعة موسى، ولكن لم يكن هجومهم على السيد ناشئًا عن غيرة على الشريعة، بل عن حسد وخبث، فكثيرًا ما ثاروا في وجه المسيح لإيقاعه في شرك منصوب، إلا أن المسيح أفلت منهم وردّ السيئة بالحسنى، إذ أعلمهم أنه ما جاء الآن ديانًا بل طبيبًا للشفاء، لذلك كان لزامًا عليه وهو الطبيب أن يقرب المرضى لشفائهم من أسقامهم.]
    لقد فتحت عبارة السيد المسيح هذه أبواب الرجاء أمام الأمم والخطاة، فقد جاء الطبيب لا لمن يحسبون أنفسهم أبرارًا كاليهود بل بالحري للذين يدركون حاجتهم إلى مخلص ينقذهم من خطاياهم. أنه طبيب المرضى ومخلص الخطاة!
    ويرى القديس يوستين في حديث السيد المسيح بابًا مفتوحًا للجسد الذي هاجمته بعض الهرطقات بكونه مخطئ لا يستحق القيامة مع النفس، إذ قال: [إن كان الجسد هو المخطئ، فقد جاء المخلص من أجل الخطاة، إذ يقول: "لم آت لأدعوَ أبرارًا بل خطاة إلى التوبة". بهذا يظهر للجسد قيمته في عينيّ الله، وأنه ممجد... ومعدل يلزم أن يخلصه.]
    3. مقاومة طقس عبادته: عدم الصوم
    أراد اليهود مقاومة السيد في طقس العبادة كما عاشها تلاميذه، إذ قالوا له: "لماذا يصوم تلاميذ يوحنا والفريسيون، وأما تلاميذك فلا يصومون؟" [18]
    لعل بعض تلاميذ يوحنا قد تسلل إلى قلبهم شيء من الغيرة فقد نظروا معلمهم ناسكًا جدًا في كلماته كما في أكله وشربه وملبسه ومع هذا ينحني أمام السيد المسيح ويدفع بتلاميذه إليه، ولم يكن السيد المسيح ناسكًا في أعينهم، ولا ألزم تلاميذه بأصوام يمارسونها مثلهم! أما تلاميذ الفريسيين فرأوا في معلميهم أنهم ينهارون أمام السيد، فقد كانت الجماهير تتركهم بالرغم مما بلغ إليه الفريسيون من مرتبة دينية وما يمارسونه من عبادات خاصة الصوم.
    لم ينتقد السيد تلاميذ يوحنا ولا تلاميذ الفريسيين، وإنما كعادته حوّل النقاش إلى كشف عن مفاهيم لاهوتية روحية جديدة تمس حياة الإنسان كله، أهمها:
    أولاً: لم يقلل السيد من شأن الصوم، ولا أعلن امتناع تلاميذه عنه مطلقًا، وإنما سحب قلوبهم من الرؤيا الخارجية للأعمال النسكية الظاهرة إلى جوهر العبادة، وغاية النسك ذاته، هو التمتع بالعريس السماوي نفسه، إذ يقول: "هل يستطيع بنو العرس أن يصوموا والعريس معهم؟" [19]... أنه يأتي وقت فيه يمارس التلاميذ والرسل الصوم بحزمٍ، لكنه أراد في فترة وجوده بالجسد في وسطهم أن يسحب أنظارهم وأفكارهم وقلوبهم للفرح بالعريس نفسه، يتعلقون به، مشتهين أن يوجدوا حيث هو كائن. بعد ذلك إذ يرتفع عنهم جسديًا ويرسلهم للكرازة يلتزمون بالصوم بثبات لأجل تمتع كل نفس بعريسهم.
    ثانيًا: يرى القديس كيرلس الكبير أن الفريسيين إذ لم يستطيعوا مقاومة السيد مباشرة هاجموه في شخص تلاميذه لعدم صومهم، ولم يدرك هؤلاء الفريسيون أنهم يصومون ظاهريًا أما قلوبهم فمملوءة شرًا، بينما كان التلاميذ يمارسون صوم القلب الداخلي ليصوموا أيضًا بالجسد في الوقت المناسب. يقول القديس كيرلس: [أتدرك أيها اليهودي حقًا معنى الصوم؟ يقول إشعياء: "ها إنكم في يوم صومكم توجدون مسرة وبكل أشغالكم تسخرون، ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون ولتضربوا بلكمة الشر... أمثل هذا يكون صوم أختاره... يقول الرب" (إش 58: 3-5). فعليكم إذن وزن أنفسكم أيها اليهود، فإنكم تجهلون ما هية الصوم ومع ذلك تلومون التلاميذ لأنهم لا يصومون على شاكلتكم. ولننظر نحن إلى الصوم من ناحية أخرى، فأولئك الذين استناروا بحكمة المسيح يصومون صومًا ذهنيًا، وذلك بتواضعهم أمام الحضرة الإلهية، وتأديب أنفسهم طوعًا لا كرهًا بالعمل والتقشف، فإن هذا لمدعاة إلى غفران ذنوبهم أو نيل نعمة روحية جديدة أو قتل ناموس الخطية التي يسود أعضاء الجسد اللحمية. ومثلك يهمل أيها الفريسي هذا الصنف من الصوم، لأنك رفضت قبول العريس السماوي غارس الفضائل ومعلمها يسوع المسيح المخلص والفادي... أرجو مرة أخرى أن تلاحظوا الطريقة التي اتبعها المسيح في لفت نظر الفريسيين إلى الحقيقة المرة، وهي أنه لا نصيب لهم في الوليمة وأنهم غرباء (ليسوا بني العرس كالتلاميذ) لا يحسون بالسرور ولا يشتركون في الموكب العام، فقد ظهر مخلصنا للعالم، وكان ظهوره إعلانًا للبهجة والسرور لأنه اتحد بطبيعة الإنسان فأصبحت كأنها عروس له تثمر بعد العقم وتتبارك بذرية كثيرة العدد، فالذين دعاهم المسيح عن طريق الرسالة الإنجيلية هم أبناء العريس، أما الكتبة والفريسيون الذين مالوا بكليتهم إلى ظل الناموس فليس لهم نصيب مع المسيح.]
    ثالثًا: يفسر البعض كلمات السيد المسيح بأن الإنسان إذ يسلك بالروح بقلبٍ مقدسٍ في الرب يكون كمن في وليمة العرس، متهللاً بمسيحه، لكنه إذ يخطئ يشعر كأن العريس قد رُفع عنه، فيمارس أعمال التوبة بأنات مستمرة حتى يرد له الرب فرحه وبهجته بتجلية في قلبه. كأن الصوم هنا لا يعني مجرد الامتناع عن بعض الأطعمة، وإنما ممارسة التوبة بكل أعمالها في القلب داخليًا من ندامة ومطانيات وصرخات!
    رابعًا: حوّل السيد أنظارهم من ممارسة الصوم إلى التغير الكامل الذي يليق بتلاميذه أن ينعموا به، إذ قال: "ليس أحد يخيط رقعة جديدة على ثوب عتيق، وإلا فالملء الجديد يأخذ من العتيق، فيصير الخرق أردأ. وليس أحد يجعل خمرًا جديدة في زقاق عتيقة، لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق، فالخمر تنصب والزقاق تتلف، بل يجعلون خمرًا جديدة في زقاق جديدة" [21-22].
    إن كان قد أعلن أن تلاميذه يصومون حين يرتفع العريس عنهم، لكنهم أيضًا يصومون بفهمٍ جديدٍ يليق بالعهد الجديد. فبعد صعوده حلّ الروح القدس عليهم، فصاروا أشبه بثوبٍ جديدٍ أو زقاقٍ جديدٍ، يحملون الطبيعة الجديدة التي على صورة خالقهم، يمارسون العبادة بفكر جديد. بعد أن كان الصوم في العهد القديم حرمانًا للجسد وتركًا، صار في العهد الجديد تحريرًا للنفس وإنعاشًا للقلب في الداخل.
    بمعنى آخر لم يرد الرب أن يمارس تلاميذه الصوم بالمفهوم الجديد وهم لا يزالون كثوب قديم أو زقاق قديم، إنما إذ تجددت حياتهم بانطلاقه وإرسال روحه القدوس عليهم مارسوا الصوم بفكرٍ مسيحيٍ جديدٍ ولائقٍ.
    ما هي الرقعة من القطعة الجديدة إلا الصوم بكونه جزءً من تعاليم السيد، فإنها لا تحيط على ثوب عتيق، وإنما ليتغير الثوب كله بالتجديد الكامل بالروح القدس، وعندئذ نتقبل القطعة الجديدة، أي الصوم بالمفهوم الجديد كجزء لا يتجزأ من العبادة كلها. هكذا لا نتقبل الصوم في مفهومه الجديد - كخمر جديدة - في زقاق قديم، إنما ليتجدد زقاق حياتنا الداخلية فيتقبل الخمر الجديد.
    يقول القديس كيرلس الكبير: [كانت قلوب اليهود زقاقًا قديمة لا تسع خمرًا جديدة، أما القلب المسيحي فقد وهبه المسيح بركات روحية فائقة، فتح الباب على مصراعيه للتحلي بمختلف الفضائل السلمية والسجايا العالية .]
    يقول القديس أمبروسيوس: [ينبغي ألا نخلط بين أعمال الإنسان العتيق وأعمال الإنسان الجديد، فالأول جسدي يفعل أعمال الجسد، أما الإنسان الداخلي الذي يتجدد، فيليق به أن يميز بين الأعمال العتيقة والجديدة، إذ حمل صبغة المسيح، ولاق به أن يتدرب على الإقتداء بذاك الذي وُلد منه من جديد في المعمودية... لنحتفظ بالثوب (الجديد) الذي ألبسه إيانا الرب في المعمودية، فما أسهل تمزيقه إن كانت أعمالنا لا تتفق مع نقاوته.]
    4. اتهامه ككاسر للسبت (الشريعة)
    إذ جاء السيد المسيح يقدم أعماقًا جديدة للناموس، منطلقًا بفكرنا إلى ما وراء الحرف القائل لننعم بالروح المحيي البنّاء، اتهمه اليهود كناقض للناموس، خاصة تقديس يوم السبت.
    رأى الفريسيون تلاميذ السيد يقطفون السنابل من الحقول ويأكلونها، فقالوا له: "انظر. لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل؟" [24] لقد أباحت الشريعة للإنسان أن يأكل من أي حقل، لكن لا يأخذ معه شيئًا، لكن الفريسيين حسبوا قطف السنابل في السبت وفركه بأيديهم ليأكلوا ممارسة لأعمال الحصاد والدرس والتذرية. إنها حرفية قاتلة! لو كانت لهم العين البسيطة، لرأوا فيهم أناسًا جادين في حياتهم وفي تلْمَذتهم للرب، فلا يريدون أن يخسروا وقتهم في إعداد الطعام، إنما يكتفون بسنابل بسيطة يأكلونها من أجل ضرورة الطبيعة لا اللذة.
    قدم لهم السيد المسيح مثالاً من العهد القديم، فإنه إذ هرب داود ورجاله من وجه شاول ذهبوا إلى رئيس الكهنة، وأكلوا من خبز التقدمة الذي لا يجوز أكله إلا بواسطة الكهنة، كما أخذ سيف جليات الذي قدم للرب (1 صم 21).
    ذكر القديس مرقس اسم رئيس الكهنة الذي التقى به داود "أبياثار" [26]، بينما جاء في سفر صموئيل "أبيمالك". ويرى بعض الدارسين أن أبياثار هو ابن أبيمالك وكانا معًا حين التقى بهما داود النبي، وأن الأب قتله شاول فهرب أبياثار إلى داود وصار رفيقًا له في فترة هروبه، ولما استقر الأمر صار رئيس كهنة ونال شهرة أكثر مما لأبيه.
    في إجابته أيضًا لم يدافع عن نفسه وعن تلاميذه أنهم ليسوا بكاسري السبت، وإنما أعلن سلطانه بقوة: "السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. إذًا ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا" [27-28]. لقد أكد لهم أنه رب السبت وواضع الناموس، وضعه لا ليتحكم الناموس في الإنسان بحرفية قاتلة، وإنما لخدمة الإنسان. إن كان وهو ابن الله قد صار "ابن الإنسان" لأجل الإنسان، أفلا يُقدم السبت أيضًا لخدمة الإنسان؟ إنه رب السبت وواضع الناموس العامل لحسابنا لأجل راحتنا، وليس لتنفيذ حرفيات ناموسية!
    يمكننا الآن أن نقول أن رب السبت، ربنا يسوع، واضع الشريعة، أرسل تلاميذه إلى حقول الكتاب المقدس في يوم السبت أي عندما استراحوا فيه من كل رذيلة وتمتعوا به كسبتٍ حقيقيٍ لنفوسهم، فقطفوا سنابل النبوات وفركوها بأيديهم كمن ينزع الحرف الخارجي ليقدموا طعامًا روحيًا تشبع به نفوسنا!
    ليتنا عِوَض النقد اللاذع ننطلق في بساطة قلب إلى تلاميذ ربنا يسوع ونتقبل من أيديهم التي تقدست بدمه تعاليمه النقية حنطة مقدسة تسندنا في هذا العالم حتى نلتقي به وجهًا لوجه في يوم الرب العظيم.
    يقدم لنا القديس أمبروسيوس تفسيرًا رمزيًا لقطف السنابل، بقوله: [يقودهم الرب يسوع في يوم السبت بين الزرع ليدربهم على الأعمال المثمرة. فما معنى السبت والحصاد والسنابل؟ الحقل هو العالم الحاضر كله الذي زرعه البشر، والحصاد هو حصاد الروح القدس الوفير، وسنابل الحقل هي ثمار الكنيسة التي بدأتها خدمة الرسل... لقد قبلت الأرض كلمة الله وزُرعت بالحب السماوي، وجاء الحقل بحصاد وفير. لقد جاع التلاميذ لخلاص البشر، فأرادوا أن يحصدوا ثمر الروح، هذه التي نبعت عن الإيمان الذي قدمه التلاميذ مسنودًا بالمعجزات الفائقة، لكن اليهود ظنوا أن هذا لا يصح عمله في السبت... بمعنى آخر أظهر الرب عجز الناموس وعمل النعمة.]
    1 ثم دخل كفرناحوم ايضا بعد ايام فسمع انه في بيت
    2 و للوقت اجتمع كثيرون حتى لم يعد يسع و لا ما حول الباب فكان يخاطبهم بالكلمة
    3 و جاءوا اليه مقدمين مفلوجا يحمله اربعة
    4 و اذ لم يقدروا ان يقتربوا اليه من اجل الجمع كشفوا السقف حيث كان و بعدما نقبوه دلوا السرير الذي كان المفلوج مضطجعا عليه
    5 فلما راى يسوع ايمانهم قال للمفلوج يا بني مغفورة لك خطاياك
    6 و كان قوم من الكتبة هناك جالسين يفكرون في قلوبهم
    7 لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف من يقدر ان يغفر خطايا الا الله وحده
    8 فللوقت شعر يسوع بروحه انهم يفكرون هكذا في انفسهم فقال لهم لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم
    9 ايما ايسر ان يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك ام ان يقال قم و احمل سريرك و امش
    10 و لكن لكي تعلموا ان لابن الانسان سلطانا على الارض ان يغفر الخطايا قال للمفلوج
    11 لك اقول قم و احمل سريرك و اذهب الى بيتك
    12 فقام للوقت و حمل السرير و خرج قدام الكل حتى بهت الجميع و مجدوا الله قائلين ما راينا مثل هذا قط
    13 ثم خرج ايضا الى البحر و اتى اليه كل الجمع فعلمهم
    14 و فيما هو مجتاز راى لاوي بن حلفى جالسا عند مكان الجباية فقال له اتبعني فقام و تبعه
    15 و فيما هو متكئ في بيته كان كثيرون من العشارين و الخطاة يتكئون مع يسوع و تلاميذه لانهم كانوا كثيرين و تبعوه
    16 و اما الكتبة و الفريسيون فلما راوه ياكل مع العشارين و الخطاة قالوا لتلاميذه ما باله ياكل و يشرب مع العشارين و الخطاة
    17 فلما سمع يسوع قال لهم لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى لم ات لادعو ابرارا بل خطاة الى التوبة
    18 و كان تلاميذ يوحنا و الفريسيين يصومون فجاءوا و قالوا له لماذا يصوم تلاميذ يوحنا و الفريسيين و اما تلاميذك فلا يصومون
    19 فقال لهم يسوع هل يستطيع بنو العرس ان يصوموا و العريس معهم ما دام العريس معهم لا يستطيعون ان يصوموا
    20 و لكن ستاتي ايام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون في تلك الايام
    21 ليس احد يخيط رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق و الا فالملء الجديد ياخذ من العتيق فيصير الخرق اردا
    22 و ليس احد يجعل خمرا جديدة في زقاق عتيقة لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق فالخمر تنصب و الزقاق تتلف بل يجعلون خمرا جديدة في زقاق جديدة
    23 و اجتاز في السبت بين الزروع فابتدا تلاميذه يقطفون السنابل و هم سائرون
    24 فقال له الفريسيون انظر لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل
    25 فقال لهم اما قراتم قط ما فعله داود حين احتاج و جاع هو و الذين معه
    26 كيف دخل بيت الله في ايام ابياثار رئيس الكهنة و اكل خبز التقدمة الذي لا يحل اكله الا للكهنة و اعطى الذين كانوا معه ايضا
    27 ثم قال لهم السبت انما جعل لاجل الانسان لا الانسان لاجل السبت
    28 اذا ابن الانسان هو رب السبت ايضا
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:09 am

    الأصحاح الثالث
    العمل غير المنقطع
    في الأصحاح السابق رأينا خدمة السيد المسيح المملوءة حبًا تُواجه بمقاومة من كل جانب، والآن في هذا الأصحاح يؤكد لنا الإنجيلي اتساع قلب السيد بالحب غير المحدود، العامل بلا انقطاع بالرغم من المقاومة غير المتوقفة أيضًا.
    1. شفاء ذي اليد اليابسة 1-6.
    2. خدمته خلال سفينة صغيرة 7-11.
    3. إقامة التلاميذ للعمل 12-19.
    4. اتهامه بواسطة أقربائه والكتبة 20-30.
    5. إخوته وأمه يطلبونه 31-35.
    1. شفاء ذي اليد اليابسة
    دخل السيد المسيح إلى المجمع اليهودي في يوم السبت، وكان هناك رجل يده يابسة، وقد حدد معلمنا لوقا أنها يده اليمنى، فصاروا يراقبونه هل يشفيه في السبت لكي يشتكوا عليه. يشير هذا العمل إلى دخول السيد إلى خاصته "مجمع اليهود" فيجدهم ذوي أيدي يابسة، لا يقدرون أن يعملوا عمل الرب في السبت. لقد أُصيبوا باليبوسة في أياديهم اليمنى، أي في العمل الروحي.
    إن كان السيد قد أفحم اليهود الذين لاموا تلاميذه لأنهم قطفوا سنابل في السبت (2: 23-28)، مقدمًا لهم داود النبي مثالاً، فإنه إذ دخل إلى المجمع جاء بهم إلى الحق، مقدمًا الشفاء لذي اليد اليابسة ليعُلن أنه وإن كان التلاميذ قد قطفوا السنابل في السبت لأجل حاجة الجسد الضرورية، فإنه يشفي هذا الرجل لكي لا يقضي سبت الرب في خمول، بل في العمل لحساب مملكة الله.
    تُشير اليد اليابسة إلى يد الإنسان الأول التي امتدت بالعصيان لتأكل من الشجرة، فيبست من كل عمل صالح. لذا احتاجت إلى مجيء المسيا نفسه "آدم الثاني" ليهبها الحياة، ببسط يديه وتسميرها على شجرة الصليب عوض اليد اليابسة. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [اليدّ التي مدّها آدم ليأخذ من الشجرة المحرمة غمرها الرب بعصارة الخلاص المليئة بالأعمال الصالحة، فإن كانت قد يبست بالخطية تنال الشفاء للأعمال الصالحة.]
    يروي لنا الإنجيلي مرقس قصة شفاء اليدّ اليابسة هكذا:
    "فقال للرجل الذي له اليد اليابسة:
    قم في الوسط.
    ثم قال لهم: هل يحل في السبت فعل الخير أو فعل الشر؟
    تخليص نفس أو قتل؟ فسكتوا" [3-4].
    يقول القديس كيرلس الكبير: [لماذا أمر المسيح الرجل بذلك؟ ربما ليحرك من نحوه الفريسيين ويلطف فيهم قلبًا غليظًا، فإن مرض هذا الإنسان ليسترد الدمع ويطفئ جذوة الحقد والخبث.] لقد أراد أن يسحبهم من المناقشات الغبية إلى الحب العملي!
    قدم السيد لهم سؤالاً أفحمهم به، فإنهم لا يستطيعون القول بأنه يجوز فعل الشر في السبت، بل فعل الخير، فبالأولى يليق بالمسيح الإله أن يظهر رحمته في السبت، ويخلص نفسًا لتتذوق نعمة الحياة. وكما يقول القديس كيرلس الكبير: [أمر الله الناس أن يكفوا عن العمل في السبت، بل أوصى الناس بألا يُسخِّروا حيوانًا في ذلك اليوم، إذ قال: "وأما اليوم السابع فسبت للرب إلهك لا تعمل فيه عملاً ما، أنت وابنك وابنتك وعبيدك وأمتك وثورك وحمارك وكل بهائمك" (مت 5: 14). فإن كان الله يشفق على الثور والبهيمة أفلا يشفق في يوم السبت على رجل أهلكه المرض فحط من قوته وعزيمته؟]
    لعل السيد بحديثه معهم أراد أن يشفيهم من يبوسة فكرهم الحرفي من جهة الناموس قبل أن يشفي يبوسة يدّ الرجل. إذ كانوا أكثر منه مرضًا وأشد حاجة إلى عمل السيد المسيح فيهم، لكنه يفتح لهم باب الشفاء دون أن يلزمهم بنواله قهرًا!
    إن كانت أيدينا اليابسة خلال سقطة آدم الأول قد شفيت تمامًا بعمل آدم الثاني، فنلنا في مياه المعمودية الإنسان الجديد الذي يحمل جدّة الحياة (رو 6: 4) القادر على العمل الروحي، يلزمنا أن نسلك بالروح، عاملين بلا انقطاع حتى لا ترجع اليبوسة إلى أيدينا مرة أخرى. يقول الرسول بولس: "إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 5: 17). ويقول القديس أمبروسيوس: [سمعتم كلمات الرب: "مد يدك" (مر 3: 5)، هذا هو الدواء! يا من تظن أن يدك سليمة احذر أن تلوثها بالطمع، وبالخطية بل مدّ كثيرًا... مدّها نحو هذا الفقير الذي يتوسل إليك، مدها في معونة قريبك ومساندة الأرملة، مدها في إنقاذ المظلوم من الظالم. ابسطها نحو الله لتطلب عن خطاياك، مدّ يدك لتنال الشفاء. هكذا يبست يدّ يربعام عندما أراد التبخير للأوثان وبسطها عندما صلى (1 مل 13: 4-6).]
    يقول الإنجيلي: "فخرج الفريسيون للوقت مع الهيرودسيين، وتشاوروا عليه لكي يهلكوه" [6]. لقد اعتبر الفريسيون كلمة المسيح الواهبة الشفاء في السبت جريمة كبرى تستوجب قتله، أما الهيرودسيون، فلم يكن يشغلهم السبت، إنما كانوا يخافون سلطان سيدهم الروماني، فحسبوا أن ما يعلنه السيد المسيح من سلطان روحي هو انهيار لعائلة هيرودس الكبير مع أن السيد أكد بطرق كثيرة أن مملكته ليست من هذا العالم.
    لقد اختلف الباحثون القدامى والمحدثون في تعريف الهيرودسيين، لكن الرأي الراجح أنهم ليسوا جماعة دينية ولا سياسية، ولا هم من موظفي الدولة الرسميين، لكنهم أصدقاء هيرودس الكبير من اليهود، يعملون لحساب عائلته ولحساب روما بجذب اليهود للموالاة للرومان والخضوع لهم، بل وظن البعض أنهم كانوا ينادون بهيرودس أنه المسيح. على أي الأحوال كان الهيرودسيون مع الحاكم الروماني في جانب واليهود كلهم في جانب آخر. ومع هذا فإن المصلحة المشتركة جمعت بين الفريسيين والهيرودسيين بالرغم من العداء الشديد الذي كان قائمًا بينهم.
    كلمة "هيرودس" في أصلها مشتقة من "هيرو Hero" التي تعني "بطل"، غير أن الأب ثيؤفلاكتيوس يرى أن معناها "جلد"، لهذا فإن كان الفريسيون يشيرون إلى الرياء فإن الهيرودسيين يشيرون إلى شهوات الجسد (الجلد)، وكلاهما يعملان معًا في مقاومة عمل الروح.
    2. خدمته خلال سفينة صغيرة
    إن كان السيد قد دخل إلى مجمع اليهود لكي يشفيهم من يبوسة اليد اليمنى، فيكونوا قادرين على العمل الروحي لحساب مملكة الله، وبهذا يحتفلون بالسبت الحقيقي، تشاور غالبيتهم عليه ليهلكوه، أما هو فكعادته لا يقاوم الشر بالشر، بل في وداعة انصرف تاركًا لهم الموضع ليكرز بين الغرباء، وسط بحر الشعوب والأمم، إذ يقول الإنجيلي: "فانصرف يسوع مع تلاميذه إلى البحر، وتبعه جمع كثير من الجليل ومن اليهودية. ومن أورشليم ومن أدومية ومن عبر الأردن، والذين حول صور وصيدا جمع كثير، إذ سمعوا كم صنع أتوا إليه. فقال لتلاميذه أن تلازمه سفينة صغيرة بسبب الجمع لكي لا يزحموه" [7-9].
    أولاً: يقول الإنجيلي: "فانصرف يسوع"، فإنهم إذ أرادوا الخلاص منه تركهم، لا عن خوفٍ، وإنما ليتمم عمله مع غيرهم. لقد هرب من الشر ولم يقاومه، مقدمًا نفسه مثلاً للكنيسة التي لا تهاب الموت، لكنها لا تقاوم الشر بالشر بل تهرب منه.
    لم يترك الشر ليتوقف عن رسالته إنما انصرف إلى البحر إلى الشعوب الوثنية الثائرة كالبحر لينزع عنهم تيارات الفساد الجارفة، ويهبهم سلامه الفائق!
    ثانيًا: جاء السيد إلى خاصته، وخاصته لم تقبله، فانصرف إلى الأمم كارزًا لهم خلال تلاميذه ورسله، إذ يقول الإنجيلي: "إذ سمعوا كم صنع". فاليهود تمتعوا بالسيد المسيح الذي تجسد من نسل داود لكنهم رفضوه، أما الأمم فتمتعت خلال السماع بكلمة الكرازة. وكأن ما فعله السيد هنا لم يكن إلا إشارة لتلاميذه للعمل بين الأمم بعد صعوده. هو فتح الطريق ومهده، لكي يسلكه تلاميذه ويعمل فيهم.
    ربما يتساءل البعض: لماذا اكتفى السيد بالكرازة بين الأمم على مستوى العربون وترك التلاميذ ينطلقون فيها؟ لأنه لو كرز بين الأمم وصنع الأشفية علانية وعلى نطاق متسع لحُسب صلب السيد المسيح له ما يبرره عند اليهود. لكنه أجّل هذا العمل الكرازي إلى ما بعد الصليب حتى لا يجد اليهود ما يبررون به أنفسهم بصلبهم إياه، ويحسبون بلا عذر.
    ثالثًا: سأل السيد المسيح تلاميذه أن تلازمه سفينة صغيرة (قارب)، تمثل كنيسته الحال فيها، والتي دعاها بالقطيع الصغير، قائلاً: "لا تخف أيها القطيع الصغير، لأن أباكم قد سرّ أن يعطيكم الملكوت" (لو 12: 32). كنيسته قطيع صغير، أو سفينة صغيرة وسط العالم، لكنها تحمل من لا تسعه السماوات والأرض.
    إذ تجلى السيد وسط كنيسته الصغيرة اجتذب كثيرين، فجاءوا إليه يلمسونه بالإيمان العامل بالمحبة لينالوا شفاءً روحيًا، وتُطرد عنهم الأرواح الشريرة، كقول الإنجيلي: "لأنه كان قد شفى كثيرين حتى وقع عليه ليلمسه كل من فيه داء. والأرواح النجسة حينما نظرته خرت له وصرخت، قائلة: "انك ابن الله". أوصاهم كثيرًا أن لا يظهروه" [10-11].
    نطقت الأرواح الشريرة بذات الكلمات التي نطق بها معلمنا بطرس الرسول (مت 16: 16)، لكن كما يقول القديس أغسطينوس: [أسمع اعترافًا مشابهًا، غير أنني لا أجد حبًا مشابهًا، فهم يحملون خوفًا بلا حب. فمن لهم المحبوب هم أبناء أما الذين يقشعرون فليسوا أبناء، من لهم المحبوب يجعلهم آلهة، أما المرتعدون فيؤكدون أنهم ليسوا آلهة.]
    3. إقامته التلاميذ للعمل
    إن كان السيد لا يكف عن أن يعمل لأجل خلاص كل نفس، ففي محبته للإنسان اختار تلاميذه ورسله يعملون بروحه، واهبًا إياهم سلطانًا "على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين" [15].وهبهم إمكانياته ليعملوا لا باسمهم بل باسمه، ولحساب مملكته بكونه العامل فيهم.
    وقد جاء اختياره للتلاميذ بعد أمرين:
    أولاً: منعه الأرواح النجسة من الشهادة له [11-12]، فقد أبكم هؤلاء الأشرار عن الشهادة له حتى وإن نطقوا بالحق إلى حين، حتى لا يثق الناس فيهم ويسقطوا تحت ضلالهم. أبكم الأرواح الشريرة ليهب كلمته في أفواه تلاميذه القديسين ليكرزوا بإنجيله.
    ثانيًا: يذكر معلمنا لوقا البشير أن السيد "خرج إلى الجبل ليصلي، "وقضى الليل كله في الصلاة لله" (لو 6: 12)، وذلك قبل دعوته للتلاميذ. كممثل لنا يود أن يُعلن أن خدامه العاملين بالحق لا يُختارون حسب الفكر البشري إنما حسب الإرادة الإلهية. إن كان السيد المسيح نفسه هو الحجر غير المقطوع بيد الذي صار جبلاً عظيمًا وملأ الأرض كلها (دا 2: 35، 45) يليق بنا أن نرتفع به على الدوام لنطلب مشورته الإلهية لاختيار خدام حسب قلبه الإلهي. هذا ما أكده لنا بقوله: "الحصاد كثير، والفعلة قليلون، فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعله إلى حصاده" (لو 10: 2). وأيضًا يقول الرسول بولس: "ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله" (عب 5: 4).
    اختار السيد المسيح سمعان تلميذًا له ودعاه بطرس أي "صخرة"، ويعقوب ويوحنا ابني زبدي "بوانرجس" أي "ابنيّ الرعد". أما علة تغييره أسماء بعض تلاميذه فكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [ليظهر أنه هو الذي أعطى العهد القديم مغيرًا الأسماء، فدعى أبرام إبراهيم، وساراي سارة، ويعقوب إسرائيل كما حدد أسماء كثيرين منذ ميلادهم كإسحق وشمشون والمذكورين في إشعياء (8: 3) هوشع (1: 4، 6، 9) الخ.]
    دعي سمعان "صفا" أو "بطرس" التي تعني "صخرة"، لأنه تمتع بإعلان الآب له عن شخص الابن فآمن أنه ابن الله الحيّ (مت 16: 17). ودُعي يعقوب ويوحنا ابني الرعد لأنهما صارا كمن في السماوات يحملان طبيعة الرعد السماوي كقول القديس أمبروسيوس، أو كما يقول القديس غريغوريوس النزينزي بسبب فصاحتهما.
    "أندراوس" في اليونانية تعني "قوة" أو "بسالة"، إشارة إلى التصاقه بالرب بنضوج شجاعته. و"فيلبس" تعني "فم مصباح"، إشارة إلى إشراقه بالنور خلال كلمات الرب الصادرة من فمه. "برثلماوس" تعني "ابن من يتعلق بالماء"، ربما إشارة إلى التمتع بالبنوة لله خلال مياه المعمودية. "متى" تعني "هبة" أو "عطية" قدمها الرب له لا بمغفرة خطاياه فحسب، وإنما باختياره رسولاً. "توما" تعني أعماقًا"، فإن من له معرفة بسلطان إلهي يدخل إلى الأعماق. "يعقوب بن حلفى" تعني "المتعقب أو المجاهد المتعلم". "تداوس" تعني "من يحرس القلب" أو الساهر بقلبه، وهو بعينه يهوذا أخ يعقوب المدعو أخ الرب. "سمعان القانوي ويهوذا الإسخريوطي"، الأول يشير إلى الاستماع أو الطاعة منسوبًا لقرية قانا الجليل، ويهوذا منسوبًا إلى قريته "سوخار".
    يحدثنا القديس أمبروسيوس عن اختيار السيد السميح لهؤلاء التلاميذ، قائلاً: [اختارهم ليرسلهم فيزرعون الإيمان خلال الكرازة بمعونة الله لأجل خلاص البشر في كل المسكونة. تأمل حكمة الله فإنه لم يختار الحكماء ولا الأغنياء ولا النبلاء، بل اختارهم من العشارين والخطاة حتى لا يظنوا أنهم بقوتهم جذبوا القلوب وتمتعوا بالخلاص، وأيضًا كي لا يجتذبهم سحر السلطة والمال بل نصرة الحق.] ويقول القديس كيرلس الكبير: [هم قوم درجوا على البساطة لكنهم كانوا أغنياء بعملهم (الروحي) وفضلهم، فانطفأت جذوة الأدب الإغريقي الغزير بسحر بيانه وارتفعت موجة الرسالة الإنجيلية، فغطت العالم طرا. وحسبك ما أشار به حبقوق وهو يندد بأعداء الرسل: "ويل للمكثر ما ليس له، وللمثقل نفسه رهونًا، ألا يقوم بغتة مقارضوك، ويستيقظ مزعزعوك، فتكون غنيمة لهم" (حب 2: 6). فقد جمع الشيطان في حظيرته كل سكان الأرض وهم ليسوا له، وجعلهم يسجدون له ويعبدونه فتثقل وتعظم، ولكن استيقظ البعض ليسلبوه غنائمه، فقد ألقى الرسل بشبكة تعليمهم على المأسورين والخطاة فرجعوا به إلى الله مملوءة بأهل العالم قاطبة.]
    4. اتهامه بواسطة أقربائه والكتبة
    "ثم أتوا إلى بيت. فاجتمع أيضًا جمع حتى لم يقدروا ولا على أكل الخبز. ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه، لأنهم قالوا أنه مختل. وأما الكتبة الذين نزلوا من أورشليم، فقالوا أن معه بعلزبول، وأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين" [19-22].
    إذ أقام السيد تلاميذه الإثني عشر جاء بهم "إلى بيت"، أي إلى الكنيسة ليصيروا أهل بيته ويدخلون معه كما في قرابة تفوق اللحم والدم. لم يدخلوا وحدهم، وإنما امتلأ البيت من الجمع، حتى لا يقدروا ولا على أكل الخبز. هكذا يفتح الرب أبواب بيته السماوي، مشتاقًا أن يضم الكل إليه كأحباء وإخوة وأبناء. أما أقرباؤه حسب الجسد فخرجوا ليمسكوه قائلين انه مختل العقل. يدخل الله بنا إلى أحشائه بالحب، والإنسان في غباوته يخرج من دائرة الحب، متهمًا حتى الله أنه مختل. هو يضم الإنسان إليه، والإنسان يظن أنه يجب أن يتحرر من حبه!
    لم يقف الأمر عند أقربائه حسب الجسد لكن حتى جماعة من المتعلمين، أي الكتبة، نزلوا من أورشليم ليتهموه أن معه بعلزبول، وأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين. لقد نزلوا من أورشليم العليا وتركوا الحياة السماوية، ففسد فكرهم واسودت بصيرتهم بالجهالة واتهموه هكذا!
    في محبة كشف لهم غباوة تفكيرهم، بقوله: "كيف يقدر شيطان أن يخرج شيطانًا. وإن انقسمت مملكة على ذاتها، لا تقدر تلك المملكة أن تثبت. وإن انقسم بيت على ذاته لا يقدر ذلك البيت أن يثبت. وإن قام شيطان على ذاته وانقسم، لا يقدر أن يثبت، بل يكون له انقضاء. لا يستطيع أحد أن يدخل بيت قوي وينهب أمتعته، إن لم يربط القوي أولاً، وحينئذ ينهب بيته. الحق أقول لكم أن جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها. ولكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستوجب دينونة" [23-29].
    لقد سبق لنا تفسير هذه العبارات في دراستنا لإنجيل معلمنا متى البشير (12: 25-32). غير أنني أبرز هنا النقاط التالية:
    أ. من الواقع العملي اليومي لا يمكن قبول أن شيطانًا يخرج شيطانًا، وإلا انهارت مملكته، ففي الحروب العادية، كما في الحياة الأسرية، إن حدث شقاق يتبعه خراب لا محالة.
    ب. لقد احتل الشيطان الإنسان وحسبه بيته، ونهب كل طاقاته وإمكانياته ومواهبه لتعمل لحساب مملكة الشر. هذا العدو القوي لن يخرج، ولا تًسحب منه أمتعته التي اغتصبها ما لم يُربط أولاً، فقد جاء السيد ليعلن عمليًا سلطانه كمحطم لهذا القوي، حتى يسحب منه ما قد سبق فسلبه. يقول القديس كيرلس الكبير: [يقصد بالقوي الشيطان، وما هو بيته إلا مملكته على الأرض، وأما أمتعته فهي أولئك الناس الذين يتشبهون بإبليس أبيهم في شئونهم وأعمالهم. وكما أننا ندعو القديسين أوانٍ مقدسة وأمتعة مكرسة، كذلك يمكن تسمية الأشرار أمتعة إبليس وآنيته، لأنهم يشتركون معه في الخبث والشر. دخل المسيح الكلمة وحده بيت إبليس، هذا العالم الأرضي، وربط الشيطان، في "سلاسل الظلام وطرحه" (2 بط 2: 4). خلص لاوي فلم يعد بعد أسيرًا في مملكة الشيطان، وأصبح بتوبته جديرًا بالبركات الإلهية، فنتعلم أن التوبة هي السبيل السوي للخلاص والفداء، فقد قيل: "التفتوا إليّ وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض" (إش 45: 22).]
    ج. ابن الإنسان مستعد أن يغفر حتى هذه الاتهامات بالرغم من مرارتها، إن رجع هؤلاء عن شرهم، أما إن بقوا مصرين على عدم التوبة، فيُحسبون مجدفين على الروح القدس، أي رافضين عمله الذي هو التوبة، فيحرمون من المغفرة ويسقطون تحت الدينونة. يقول القديس أغسطينوس: [حقًا إن كل خطية وتجديف يغفر للبشر ليس فقط ما يقال ضد ابن الإنسان. فمادامت لا توجد خطية عدم التوبة هذه التي توجه ضد الروح القدس الذي به تغفر الكنيسة جميع الخطايا، فإن جميع الخطايا تغفر.]
    5. إخوته وأمه يطلبونه
    إذ جذب السيد تلاميذه إلى بيتٍ والتف حوله جموع بلا حصر، أراد أن يعلن علاقته بهذه الجماهير، أنه دخل معهم كما في قرابة على مستوى يفوق القرابات الجسدية. إنه لم يحطم القرابات حسب الجسد ولا قاومها، لكنه أعلن الالتزام بقرابة أسمى وأعلى. لذلك عندما جاء إخوته وأمه ووقفوا خارجًا وأرسلوا إليه يدعونه، أجاب قائلاً: من أمي وإخوتي؟" ثم نظر حوله إلى الجالسين، وقال: "ها أمي وإخوتي. لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي" [34-35].
    v يظهر الرب أنه يلزمنا أن نكرم من هم أقرباء لنا حسب الإيمان أكثر من القرابات حسب الدم. حقًا الإنسان يصير كأم ليسوع بالكرازة به، إذ يكون كمن يلد الرب في قلوب سامعيه.
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v لم يقل هذا كمن يجحد أمه، إنما ليُعلن كرامتها التي لا تقوم فقط على حملها للمسيح، وإنما على تمتعها بكل فضيلة.
    الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا
    v إنه لم يقل: "أنتِ لست أمي"، بل قال: "من هي أمي"، وكأنه يقدم مفهومًا جديدًا للارتباط به ليس خلال علاقة جسدية خلال الدم واللحم والنسب، وإنما خلال الطاعة لإرادة أبيه. ألا ترى أنه في كل مناسبة لم ينكر القرابة حسب الطبيعة لكنه أضاف إليها ما هو بواسطة الفضيلة؟
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v احرص أن تتمم مشيئة الآب لكي تكون أمًا للمسيح (مر 3: 35).
    القديس أمبروسيوس
    v الكنيسة في حالة تمخض إلى أن يتشكل المسيح ويولد داخلنا، فكل قديس يتمتع بشركة مع المسيح كأنما يولد المسيح فيه من جديد.
    الأب ميثودوسيوس
    v من يبشر بالحق يحسب فوق كل شيء أمًا للسيد المسيح، إذ يلد ربنا الذي يحضره إلى قلوب سامعيه. يصير أمًا للمسيح إذ يوحي بحب ربنا في روح قريبه خلال كلماته له.
    البابا غريغوريوس (الكبير)
    1 ثم دخل ايضا الى المجمع و كان هناك رجل يده يابسة
    2 فصاروا يراقبونه هل يشفيه في السبت لكي يشتكوا عليه
    3 فقال للرجل الذي له اليد اليابسة قم في الوسط
    4 ثم قال لهم هل يحل في السبت فعل الخير او فعل الشر تخليص نفس او قتل فسكتوا
    5 فنظر حوله اليهم بغضب حزينا على غلاظة قلوبهم و قال للرجل مد يدك فمدها فعادت يده صحيحة كالاخرى
    6 فخرج الفريسيون للوقت مع الهيرودسيين و تشاوروا عليه لكي يهلكوه
    7 فانصرف يسوع مع تلاميذه الى البحر و تبعه جمع كثير من الجليل و من اليهودية
    8 و من اورشليم و من ادومية و من عبر الاردن و الذين حول صور و صيدا جمع كثير اذ سمعوا كم صنع اتوا اليه
    9 فقال لتلاميذه ان تلازمه سفينة صغيرة لسبب الجمع كي لا يزحموه
    10 لانه كان قد شفى كثيرين حتى وقع عليه ليلمسه كل من فيه داء
    11 و الارواح النجسة حينما نظرته خرت له و صرخت قائلة انك انت ابن الله
    12 و اوصاهم كثيرا ان لا يظهروه
    13 ثم صعد الى الجبل و دعا الذين ارادهم فذهبوا اليه
    14 و اقام اثني عشر ليكونوا معه و ليرسلهم ليكرزوا
    15 و يكون لهم سلطان على شفاء الامراض و اخراج الشياطين
    16 و جعل لسمعان اسم بطرس
    17 و يعقوب بن زبدي و يوحنا اخا يعقوب و جعل لهما اسم بوانرجس اي ابني الرعد
    18 و اندراوس و فيلبس و برثولماوس و متى و توما و يعقوب بن حلفى و تداوس و سمعان القانوي
    19 و يهوذا الاسخريوطي الذي اسلمه ثم اتوا الى بيت
    20 فاجتمع ايضا جمع حتى لم يقدروا و لا على اكل خبز
    21 و لما سمع اقرباؤه خرجوا ليمسكوه لانهم قالوا انه مختل
    22 و اما الكتبة الذين نزلوا من اورشليم فقالوا ان معه بعلزبول و انه برئيس الشياطين يخرج الشياطين
    23 فدعاهم و قال لهم بامثال كيف يقدر شيطان ان يخرج شيطانا
    24 و ان انقسمت مملكة على ذاتها لا تقدر تلك المملكة ان تثبت
    25 و ان انقسم بيت على ذاته لا يقدر ذلك البيت ان يثبت
    26 و ان قام الشيطان على ذاته و انقسم لا يقدر ان يثبت بل يكون له انقضاء
    27 لا يستطيع احد ان يدخل بيت قوي و ينهب امتعته ان لم يربط القوي اولا و حينئذ ينهب بيته
    28 الحق اقول لكم ان جميع الخطايا تغفر لبني البشر و التجاديف التي يجدفونها
    29 و لكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة الى الابد بل هو مستوجب دينونة ابدية
    30 لانهم قالوا ان معه روحا نجسا
    31 فجاءت حينئذ اخوته و امه و وقفوا خارجا و ارسلوا اليه يدعونه
    32 و كان الجمع جالسا حوله فقالوا له هوذا امك و اخوتك خارجا يطلبونك
    33 فاجابهم قائلا من امي و اخوتي
    34 ثم نظر حوله الى الجالسين و قال ها امي و اخوتي
    35 لان من يصنع مشيئة الله هو اخي و اختي و امي
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:10 am

    الأصحاح الرابع
    البذور والزرع
    إن كان القديس مرقس قد اهتم بإبراز السيد المسيح كمعلم فإن ما ورد في هذا الأصحاح من الأجزاء القليلة جدًا لتعاليم السيد أوضح أنه جاء ليعمل بلا انقطاع. يلقي ببذور محبته العملية، حيث توجد أراض جيدة، تتقبل عمله، وينتظر منها ثمرًا، بالرغم من وجود أراضٍ أخرى لا تتجاوب مع عمله، ولا تأتي بالثمر. إنه الزارع الذي لا يتوقف عن العمل، يزرع كلمته مشتاقًا أن يكون الكل مثمرًا. يزرع بذورًا إلهية فعّاله لكنها غير ملزمة لنا بالتجاوب معها بغير إرادتنا.
    1. التقاؤه مع الشعب عند البحر 1.
    2. عمله الإلهي كبذورٍ حية 2-20.
    3. عمله الإلهي لا يختفي 21-25.
    4. العمل الإلهي المستمر 26-29.
    5. العمل الإلهي وحبة الخردل 30-34.
    6. العمل الإلهي والرياح المضادة 35-41.
    1. التقاؤه مع الشعب عند البحر
    "وابتدأ أيضًا يعلم عند البحر،
    فاجتمع إليه جمع كثير حتى أنه دخل السفينة،
    وجلس على البحر،
    والجمع كله كان عند البحر على الأرض" [1].
    إن كان البحر بأمواجه يشير إلى الشعوب والأمم التي عاشت وسط التيارات الوثنية، فإن السيد المسيح قد جاء إليهم ودخل سفينة كنيسته جالسًا على البحر كعرش له.
    يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد لم يفعل ذلك بلا هدف، وإنما جلس على السفينة ووجهه متجهًا إلى الجمع الجالس على الشاطئ حتى يكون الكل مقابل وجهه، ليس أحد من ورائه. إنه نزل إلينا لكي يعلن رعايته لنا، يريد أن يلتقي بنا وجهًا بوجه، وأن ننعم برؤيته هنا خلال الإيمان وسماع كلمة كرازته لنراه هناك بالعيان خلال شركة أمجاده.
    2. عمله الإلهي كبذور حية
    قدم السيد المسيح للشعب تعاليمه خلال الأميال، وقد ضرب مثال الزارع الذي خرج ليزرع فسقط البعض على الطريق، وآخر على مكان محجر، وثالث في وسط الشوك، والجزء الأخير على الأرض الجيدة التي أثمرت ثلاثين وستين ومائة. وقد ذكر الإنجيلي متى هذا المثل (13: 1-23) الذي سبق لنا شرحه، وأيضًا ذكره الإنجيلي لوقا (8: 5-15). ويلاحظ في هذا المثل الآتي:
    أولاً: إن كان الإنجيلي مرقس يعرض عمل السيد المسيح المستمر كخادم للبشرية، والذي يواجه بمقاومة مستمرة. فإنه مع المقاومة يوجد أيضًا ثمر متزايد. حقًا توجد نفوس هي أقرب إلى الطريق المفتوح الذي تلتقط الطيور بذوره، ونفوس أقرب إلى المكان المحجر الذي وإن نبتت البذور فيه سريعًا لكنها تجف، ونفوس يخنقها شوك العالم، لكنه توجد أيضًا نفوس هي أشبه بالأرض الجيدة، تستقبل البذور وتأتي بثمار مفرحة لقلب الله.
    ثانيًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح إذ يقول: "خرج الزارع ليزرع"، فإن قوله "خرج" يقصد به تجسده الإلهي، فكلمة الله الزارع الحقيقي حاضر في كل مكان وماليء الكل لا يخرج إلى مكان معين، لكنه خلال التدبير الإلهي التحف جسدًا كمن قد خرج إلينا نحن المطرودين ليصالحنا مع أبيه ويدخل بنا من جديد إلى الحضرة الإلهية. نحن خرجنا من الفردوس، فخرج إلينا ذاك الذي لا ينفصل عن أبيه ليردنا نحن الخطاة إلى حضن الآب بغفران خطايانا وإتحادنا فيه.
    ولعل تعبير "خرج" يعني مبادرة الله بالحب. فهو دائمًا كمن يخرج إلى الإنسان بالحب، إذ وقف الإنسان في ضعفه عاجزًا عن الالتقاء مع إلهه والدخول إليه.
    إذ يحدث السيد المسيح خاصته اليهود الذين جاء إليهم، فإنه ربما يقصد بقوله "خرج" الإعلان عن خروجه أيضًا إلى الأمم بعد أن رفضته خاصته.
    ثالثًا: قدم السيد المسيح نفسه تفسيرًا لهذا المثل لتلاميذه، وقد سبق لنا عرض بعض أقوال الآباء في هذا التفسير الإلهي، لذا أكتفي هنا بتقديم مقتطفات لكلمات القديس كيرلس الكبير بخصوصه:
    [يقول المخلص أن الزارع خرج ليزرع، فمن هو هذا الزارع يا تُرى؟ بلا شك هو المسيح، لأنه هو الذي يزرع الطيبات... به ولأجله تحصد الثمار الروحية على حدّ قوله: "أنا الكرمة، وأنتم الأغصان، الذي يثبت فيّ، وأنا فيه، هذا يأتي بثمرٍ كثيرٍ" (يو 15: 5). أرجو أن تلاحظوا كيف يجول الزارع في الحقل يلقي البذور في شتى المواضع، فيسقط بعضها على الطريق، والبعض الآخر على الوعر من الصخور، وينتشر جزء على الأماكن التي بها شوك، والآخر على تربة خصبة. أما الذي سقط على الطريق فديس، وما كان على الصخر فقد نبت ثم جف، وما انتشر على الشوك فقد نبت ثم خُنق، بينما الذي صادف أرضًا جيدة فقد أتى بثمر وفير قدر بمائة ضعف...
    لمَ أُختطفت البذور التي سقطت على الطريق؟ لصلابة الأرض، فهي أرض صلدة لا تصلح للزراعة، تعرضت لدوس الأقدام من حركة رائح وغادٍ، فانتشرت البذور على سطحها مما سهّل للطير التقاطها وابتلاعها. هكذا يوجد قوم عقولهم صلبة تتسم بالصلف والعناد، إذ ما سقطت عليها البذور الإلهية لا تجد لها سبيلاً تسلكه، فلا تثمر الكلمة خوف الرب الذي يرعرع ثمار الفضائل السماوية. هؤلاء الناس جعلوا من أنفسهم موضعًا مألوفًا تطأه الأرواح النجسة، بل الشيطان نفسه. فلا يكون فيهم مجال لإعلان الثمار المقدسة. ليته يتيقظ هؤلاء الناس الذين أجدبت قلوبهم وأقفرت، ويفتحوا عقولهم لبذرة الحق المقدسة، فتثمر فيهم ثمار الحياة الطاهرة! كونوا رقباء على أذهانكم، وأحكموا إغلاق المنافذ فلا يدخلها سارق ولص.
    اطردوا من قلوبكم أسراب الطير حتى تبقى البذور في مكانها، فينبت زهرًا يانعًا ونحصل منه على بذور وفيرة وثمار كثيرة.
    لنتأمل الآن في البذور التي سقطت بين الوعر من الصخور أو بالأحرى في الناس الذين يتقبلون الكلمة بفرحٍ. وفي وقت التجربة يرجعون متقاعسين. هؤلاء الناس لن يدخلوا في بوتقة التجارب، فجلّ همهم الاعتماد على الكلمات الجوفاء والتهرب من الإمعان في أسرار السماوات، فتكون تقواهم هراء في هراء، لأن ليس لهم جذور متعمقة في تربة خصبة. أولئك يملأون الكنائس، ويظهرون اغتباطهم بما يسمعونه من المرشد الذي وظيفته النصح والتعليم، ويكيلون له المدح في غير ما تمييز أو إدراك بل عن إرادة غير طاهرة وقلب غير سليم. لأنهم إذ ما تركوا عتبة الكنيسة ينسون التعاليم المقدسة، وينهجون منهج الأعوج، إذ لا يحتفظون بشيء ينبت ويثمر. فإذا كانت الكنيسة آمنة سالمة، ولم يحدث ما يكدرها بتجربة أو اضطهاد أظهروا إيمانهم إلى حد ما، ولكن في صورة المتزعزع المضطرب. فإذا اشتدت الأمور واكفهرت عن جو يعصف بالإضطهادات المريعة، وهجمات أعداء الإيمان المرة، تقهقر هؤلاء الناس عن الدخول في حومة الوغى، وألقت عقولهم الدروع والخوذات. لأنهم قد خلوا من الحماس الروحي والمحبة الإِلهية، وجُبلوا على الجبن والنذالة.
    أيها الجبناء الضعفاء، لماذا تهربون من ميدان فيه فخركم ومجدكم، وتفرون من المعارك، وقد تدربتم عليها؟ هنا ميدان الغنيمة لمن شاء نصرًا ومجدًا. ألا تكافحوا بجلد وثبات، وتعقدوا الخناجر (الروحية) على الظفر في الحروب المرة، وتكروا حتى تنالوا قصب السبق، فإن وراء الثبات مغنمًا، وفي الصبر شرفًا ومجدًا... فإذا تألمنا في دفاعنا عن الإيمان بالمسيح توجت هاماتنا بإكليل الظفر والمجد، ولنعلم أن الموت مع الشرف خير من الحياة مع العار على حدّ قول المخلص لتلاميذه المقدسين: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد وبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر بل أريكم ممن تخافون، خافوا من الذي بعدما يقتل له سلطان أن يلقي في جهنم" (لو 12: 4). وهل طلب إلينا السيد تحمل الآلام، ولم يشأ هو أن يتحملها؟ كلا، فقد وضع نفسه لأجلنا واشترى بدمه العالم طرا، فلا نملك نحن أنفسنا بل يملكنا الفادي الذي خلصنا، كما قال بولس الرسول: "لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش لكي يسود على الأحياء والأموات" (رو 14). فلنكن ثابتين جريئين حتى إذا هبت علينا عواصف التجارب ذللنا الصعوبات بنعمة الصبر والثبات، ولنفرح بمقابلة النوازل والكوارث ففيها فرصة لإظهار الصلاح بالمسيح ربنا.
    والآن فلنبحث حقيقة المثل بخصوص الأشواك التي تخنق البذور الإلهية. يقول المخلص: "والذي سقط بين الشوك هم الذين يسمعون ثم يذهبون، فيختنقون من هموم الحياة وغناها ولذاتها ولا ينضجون ثمرًا". يوزع الفادي البذور فتصادف قلوبًا تظهر قوية مثمرة، ولكن بعد قليل تخنقها متاعب الحياة وهمومها، فتجف البذور وتبلى، أو كما يقول هوشع النبي: "إنهم يزرعون الريح ويحصدون الزوبعة، زرع ليس له غلة لا يصنع دقيقًا، وإن صنع فالغرباء تبتلعه" (هو 8: 7)... لنعلم أنه لا يمكن أن تزهر البذور الإلهية إلا إذا نزعنا عن عقولنا الهموم العالمية، وجردنا أنفسنا عن زهو الغنى الباطل: "لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء" (1 تي 6: 7)، لأنه ما الفائدة من امتلاكنا الأشياء الزائلة الفانية، "الرب لا يجيع نفس الصديق، ولكنه يدفع هوى الأشرار" (أم 10: 2).
    ألم تلاحظ أنه في حالة الشر تخنقنا الشرور الفاسدة من نهمٍ وطمعٍ وشرهٍ وجشعٍ وسكرٍ وعبثٍ وكبرياءٍ، أو كما يقول رسول المخلص: "كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم، والعالم يمضي وشهوته، أما من يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد" (1 يو 2: 16).
    الأرض الجيدة هي التي تثمر مئة ضعف، فقد اعتاد الناس أن يمتدحوا الأرض التي يستغلونها، فتعطي لهم غلة وفيرة ومحصولاً كبيرًا. جاء وصف هذه التربة الخصبة واردًا على لسان أحد الأنبياء القديسين، إذ قال: "ويطّوبكم الأمم، لأنكم تكونون أرض مسرة، قال رب الجنود" (مل 3: 12). إن كلمة الله إذا ما سمعها عقل طاهر ماهر نقي من الحسك والشوك أينعت وأثمرت وأعطت محصولاً وفيرًا.
    يقول متى في صدد هذا الأصحاح أن الأرض الجيدة كانت على ثلاث درجات حيث يقول: "فيصنع بعض مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين" (مت 13: 23). لاحظوا أنه كما أن المسيح وصف ثلاث درجات للخسارة، كذلك وصف ثلاث درجات للربح والفائدة. فإن البذور التي سقطت على الطريق اختطفت، والتي صارت صخرًا وعرًا جفت، والتي قابلت شوكًا وحسكًا خنقت، كذلك في حالة سقوط البذور على أرض جيدة فإنها تعطي غلات وفيرة مئة ضعف وستين وثلاثين، أو كما يقول بولس الحكيم: "كل واحد له موهبته الخاصة من الله، الواحد هكذا والآخر هكذا" (1 كو 7: 7). لا ينجح جميع القديسين نجاحًا واحدًا وبدرجة واحدة، وقد أُمرنا أن نسعى وراء العمل الصالح بجدٍ وثباتٍ متخيرين الأفضل والأكمل، حتى نحظى برضا المسيح السامي، فنفرح ونسعد، للمسيح ولله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس من الآن وإلى أبد الأبد أمين.]
    إن كان الباذر واحدًا، وبذوره هي بعينها التي يقدمها لكل أرضٍ، ليتنا لا نكن بعد طريقًا مفتوحًا ومُداسًا من الأرواح الشريرة حتى لا تلتقط الطيور البذور وتحرمنا من الثمر الإلهي، ولا نكون بقلبٍ متحجرٍ ليس فيه محبة لله والناس، حتى يمكن للزرع أن يكون له جذوره العميقة فينا، ولا يكون فينا شوك هموم الحياة وارتباكاتها حتى لا تخنق الكلمة... لكن في يديه نسلم له حياتنا، فيجعلها تربة صالحة، تتقبل كلمته وتأتي بالثمر المتكاثر.
    رابعًا: ربما يتساءل البعض: لماذا ألقي السيد بالبذور على الطريق وفي الأرض المحجرة وحيث الأشواك ولم يكتف بإلقائها في الأرض الجيدة؟
    أ. يرى أحد الدارسين أنه لا نستطيع أن نفهم هذا المثل إلا إذا عرفنا أمرين: الأول أنه في أرض فلسطين كان يلقون بالبذور أولاً وبعد ذلك يقومون بحرث الأرض بمحراث خشبي، فكأن الطريق يتقبل البذور وكان يمكن أن يأتي بالثمار لو أن الأرض قد حرثت بعد ذلك، فيتحول الطريق إلى أرض زراعية. ونحن يمكننا أن نضيف بأن البذور تقدم للجميع، إذ كلمة الله مقدمة مجانًا للكل، لكن من يقبل المحراث الخشبي في حياته، أي الصليب العملي يتمتع بثمر الكلمة فيه، أما من يُصرّ على الحياة المدللة تخطف الطيور البذور، وقد دُعيت طيور السماء، لأن الأرواح الشريرة في أصلها روحية سماوية، وقد فسدت بسقوطها في الكبرياء. أما الثاني فهو يقصد بالأراضي المحجرة الحجر الجيري الذي يغطيه طبقة من التربة تخفيه، وهذا كثيرًا ما يوجد في الجليل. فالباذر يقدم البذور، لأن أمامه تربة في ظاهرها صالحة لكنها تخفي قلبًا حجريًا.
    ب. من أجل تقدير الله للحرية الإنسانية يقدم كلمته للجميع. فإن كانت توجد ثلاثة أنواع من الأراضي لا تأتي بثمار، فإن النوع الرابع يأتي بثمرٍ كثيرٍ فائقٍ للطبيعة: مئة ضعف وستين وثلاثين يعوض بكثير الأراضي، ويشير للمجد الفائق الذي يتمتع به المؤمنون في الميراث.
    هذا الثمر الوفير الذي يفرح قلب الله عنه الأنبياء، فيقول إشعياء: "في المستقبل يتأمل يعقوب، يزهر ويفرح إسرائيل، ويملأون وجه المسكونة ثمرًا" (إش 27: 6، 11)... بهذا المنظر لا نضطرب من جهة البذور التي ألقيت في كل أنواع الأراضي.
    خامسًا: بدأ المثل بقوله: "اسمعوا"، بالعبرية "شمعShema "، ويختمه بقوله "من له أذنان للسمع فليسمع" [9]... وكأن السيد إذ يتحدث عن ملكوت الله، إنما يتحدث عن سرّ عمل الله في النفوس، يحتاج إلى آذان روحية قادرة أن تسمع صوته وتتجاوب معه. في القديم إذ قدم الله شريعته بدأ حديثه "اسمع يا إسرائيل" ، (تث 4: 1، 6: 4)، لكن إذ لم يكن لإسرائيل الأذان المختونة لم يستطع أن يسمع للوصية في أعماق قلبه، ولا أن يدرك أسرارها ويتجاوب معها. إنه كعالي الكاهن الذي يمثل إسرائيل لم يسمع الصوت الإلهي الذي سمعه الطفل صموئيل ممثل الأمم (1 صم 3). لذلك جاء السيد المسيح، لا ليقدم الوصية فحسب، وإنما ليغير طبيعة الأذنين ويختنهما بصليبه لحساب مملكته.
    يقول السيد: "من له أذنان"، ولم يقل: "من له أذن"... فإن رقم 2 يشير إلى المحبة كما يقول القديس أغسطينوس، فإن صاحب الأذن الواحدة هو ذاك الذي لا يسمع إلا ما هو لنفعه الخاص، أما صاحب الأذنين فهو ذاك الذي يسمع بفرح ما يمجد الله ويبني الناس، إنه محب لله والبشرية!
    سادسًا: في لقاء الاثنى عشر مع السيد، إذ سألوه عن المثل أجاب: "قد أُعطى لكم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله، وأما الذين هم من خارج فبالأمثال يكون لهم كل شيء. لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا، ويسمعوا سامعين ولا يفهموا، لئلا يرجعوا، فتغفر لهم خطاياهم" [11-12]. وقد أثارت هذه الإجابة تساؤلات الكثير من الدارسين: كيف يكون هذا؟ ألا يريد السيد من البشرية أن تفهم تعليمه وتتمتع بخلاصه، وتنال غفران الخطايا؟ ألم يقل الإنجيلي نفسه في ذات الأصحاح: "وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كان يستطيعون أن يسمعوا" [33] ؟... وكأنه كان يقدم لهم الأمثال بطريقة يسهل عليهم سماعها!
    ألم يكن يشتاق السيد أن يدرك الكل أسرار ملكوته إذ قال: "أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال. نعم أيها الآب، لأن هكذا صارت المسرة أمامك" ( مت 11: 25- 26)!
    أ. يقول أحد الدارسين إنه يليق بنا فهم كلمات السيد المسيح بالفكر اللاهوتي الذي كان للكنيسة الأولى، فإن كلمات السيد تميز بين مجموعتين: الذين له مع الإثني عشر، والذين هم في الخارج [10-11]. فإن سرّ الملكوت لم يعلن للإثني عشر وحدهم بل للذين التفوا حول السيد في كنيسته، أما الذين في الخارج فهم اليهود رافضو الإيمان به. فمن يتمتع بالحياة الكنسية ويكون تابعًا للسيد ينعم بقلب منفتح يدرك سرّ ملكوت الله، أما الذي يبقى في الخارج فلا يقدر أن يدرك السرّ في أعماقه، بل يحرم نفسه بنفسه من المعرفة الإيمانية الحية، فيبصر بعينيه الجسديتين ويسمع بأذنيه الماديتين، أما أعماقه فلا ترى ولا تسمع. وهكذا لا يرجع إلى المخلص ولا يتمتع بغفران خطاياه.
    ب. قدم السيد تعاليمه علانية للجميع، لكن الأمر يحتاج إلى التمتع بإعلان السرّ، هذا السرّ يعطى لكل نفسٍ تأتي إلى السيد مع الإثني عشر لتنفرد به وتنعم بعمله الخفي فيها. إن كان ملكوت الله يشبه لؤلؤة كثيرة الثمن، فإن الله لا يبخل عن أن يعطيها لكل إنسانٍ يتقدم إليه في جدية يسأله إياها.
    تُقدم كلمة الله مجانًا لكنها لا تعلن إلا لمن يشتاق إليها طالبًا معرفة "سرّ ملكوت الله"، الأمر الذي نلمسه بقوة في حياة معلمنا بولس الرسول، إذ يقول: "نتكلم بحكمة الله في سرّ، الحكمة المكتومة التي سبق فعينها قبل الدهور لمجدنا" (1 كو 2: 7)، ويدعو الإنجيل "سرًا" (أف 6: 19).
    بنفس الفكر نجد السيد المسيح يقدم حياته مبذولة على الصليب علانية، لكنه لا يستطيع أحد أن يتفهم سرّ الصليب إلا الراغب في الالتقاء معه ليتعرف على قوة قيامته. فالصليب تمت أحداثه أمام العالم، أما القيامة فيختبرها الراغبون في التمتع بعملها فيهم، هؤلاء الذين يصعدون مع التلاميذ في علية صهيون يترقبون ظهوره!
    ج. كان اليهود يحسبون الأمم "في الخارج"، إذ لا ينعمون بما تمتع به اليهود من آباء وأنبياء وشريعة مقدسة ومواعيد إلهية. والآن في هذا المثل يكشف لهم السيد أن الذين في الخارج هم اليهود الذين مع ما تمتعوا به من هذه الأمور رفضوا الدخول إلى سرّ الملكوت، فصاروا كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: يبصرون السيد المسيح يخرج الشياطين فيقولون به شيطان، ويبصرون القائمين من الأموات (مثل لعازر) فلا يسجدون له بل يفكرون في قتله.
    3. عمله الإلهي لن يختفي
    إن كان السيد المسيح قد جاء إلى العالم ليخدم العالم بحبه العملي دون أن يطلب مجدًا لذاته، لكن لا يمكن لمجده أن يختفي. لقد وضع لنا خطة العمل، ألا وهي العمل من أجل المجد الداخلي، بعيدًا عن حب الظهور أو طلب الكرامات الزمنية، لكننا فيما نحن نعمل هكذا بروحه يتمجد فينا علانية، إذ يقول: "هل يُؤتى بسراج ليوضع تحت مكيال أو تحت السرير؟أليس ليوضع على المنارة. لأنه ليس شيء خفي لا يظهر، ولا صار مكتومًا إلا ليعلن" [21-22].
    ويلاحظ في هذا القول الإلهي الآتي:
    أولاً: جاء هذا القول تباعًا بعد شرحه مثل الزارع والبذور لتلاميذه. لعل السيد أراد أن يقول لتلاميذه أن كلماته "سراج منير" يسمعها العامة وفي غير إدراك روحي لا ينتفعون بها، إذ يخفونها كما تحت مكيال أو تحت السرير، أما هم فقد أقامهم منارة للعالم، تحمل السراج الإلهي ليضيء في العالم. يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [ يحث الرب تلاميذه أن يكونوا نورًا في حياتهم كما في أحاديثهم، قائلاً لهم بأنه كما أن السراج يعطي ضوءً هكذا الكل يتطلع إلى حياتكم. لذلك يجب أن تكونوا مجتهدين في ممارسة الحياة الصالحة، لا تجلسوا في الزوايا، بل كونوا سراجًا. فإن السراج يعطي ضوءً ليس عندما يُوضع تحت سرير، بل على منارة. هكذا ليوضع هذا النور على المنارة، أي يقوم على الحياة الصالحة السامية. لا يوضع السراج تحت مكيال أي تحت أشياء تدخل الحلق، ولا تحت سرير أي الكسل. فإنه ليس إنسان يطلب ملذات فمه ويحب التراخي يمكن أن يضيء على الآخرين.]
    ثانيًا: إن كانت كلمة الله هي نور يجب أن يشرق على الكل، فإننا إن وضعناه تحت مكيال أو تحت السرير، نحجب عمله عن الآخرين. ما هو المكيال إلا المقاييس البشرية الزمنية التي تُفقد الإنسان إيمانه بالله العامل فوق كل الحدود البشرية، وما هو السرير إلا الجسد الذي يتراخى متهاونًا بالأبدية. بمعنى آخر لنقبل كلمة الله فينا سراجًا يرتفع بنا فوق كل فكرٍ زمنيٍ وفوق كل شهوات الجسد!
    ثالثًا: رأينا في مقدمة هذا السفر أن السيد المسيح كما يخفي سرّه الحقيقي بطرق متنوعة، الآن يظهر أن هذا الإخفاء إنما يكون إلى حين، فإن سرّ المسيح أو سرّ إنجيله في الحقيقة لم يستطع حتى التلاميذ إدراكه إلا بعد قيامته وإرساله روحه القدوس ليذكرهم بكل ما قاله لهم (يو 14: 26) ويعلمهم كل شيء (يو 14: 26) لذلك يقول الرسول عن سرّ الله: "أعلنه الله لنا بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله، لأن مَنْمن الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله" (1 كو 2: 10-11). يقول القديس ديديموس الضرير: [يستحيل أن ينال أحد نعمة الله ما لم يكن له الروح القدس، الذي فيه كل عطايا الله.]
    رابعًا: يقول الرب: "لأنه ليس شيء خفي وصار مكتومًا إلا ليعلن... بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم ويزاد لكم أيها السامعون، لأن من له سيُعطى، وأما من ليس له، فالذي عنده سيؤخذ منه" [22-25]. ما نزرعه هنا إياه نحصد، فإن زرعنا السماويات ننعم بأمجادها مزادًا عليها، وإن جمعنا التراب ننال فسادًا مضاعفًا. فالأبدية ليست إلا امتداداً لحياة اختارها الإنسان لنفسه، وعاشها في أعماق قلبه، وكما يقول الشيخ الروحاني: [كل واحد ميراثه فيه، وغذاؤه داخله.]
    "من له يُعطى فيزداد، وأما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه" [25]، بمعنى آخر من اختار الغنى الروحي يزداد غنى، ومن أهمل في حياته الروحية يزداد فقرًا. اليهود في جحدهم للرب حتى ما لديهم قد سُحب منهم، وأما الذين قبلوا الرب فازدادوا نعمة فوق نعمة.
    في حياتنا الروحية إن رفضنا عمل الله حتى ما نلناه بالطبيعة أو الناموس الطبيعي يُنزع منا، فيسلك الإنسان على مستوى حيواني أو أحيانًا أقل من الحيواني، أما الذي بالإيمان يجاهد فإنه ينال بركات فائقة بجانب ما تمتع به خلال الطبيعة التي وهبه الله إياها.
    4. العمل الإلهي المستمر
    ربما استصعب التلاميذ العمل كيف يقدمون نورًا للعالم، لذلك أكد لهم السيد أن العمل الكرازي هو عمل إلهي ومستمر، له فاعليته في حياة الآخرين حتى في لحظات الضعف التي يعيشها الخادم، إذ يقول: "هكذا ملكوت الله كأن إنسانًا يلقي البذار على الأرض. وينام ويقوم ليلاً ونهارًا، والبذار يطلع وينمو وهو لا يعلم كيف، لأن الأرض من ذاتها تأتي بثمرٍ..." [26-28].
    أولاً: من هو الذي ألقى البذور على الأرض إلا الابن الذي سلم نفسه للموت كقوله: "ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي، لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 10: 18). لقد سلّم جسده كمن نام وقام، وإذ ببذور الكرازة قد طلعت ونمت وصارت نباتًا فسنبلاً ثم قمحًا ملآن في السنابل [28]. بموته وقيامته وهب الكنيسة ثمارًا لا تتوقف. ونحن أيضًا إن كنا نخدم إنما نقدم ذاك الذي بعمله الإلهي يقيم النفوس بلا توقف حتى يكمل المختارون ويتمتعوا بشركة المجد معه.
    أما قوله: "لا يعلم كيف" إنما تشير إلى سرية عمله الخفي في القلوب التي يقيمها معه بطريقة لا يمكن لنا إدراكها، فيحسب كمن لا يعلم كيف، إذ لا يشرحها لنا ولا يعلنها للبشر.
    ثانيًا: يسمى البعض هذا المثل "المزارع الصبور"، فقد ألقى السيد بالبذور وفي غير قلقٍ يدرك أن ملكوته قادم لا محالة. الحصاد يتحقق حتمًا، والأرض لابد أن تحمل ثمرًا. حقًا ليتنا لا نضطرب، بل في يقين الإيمان أن البذور التي وهبنا إياها فعّاله، قادرة أن تخرج من الإنسان الترابي ثمرًا سماويًا، تقيمه مع السيد المسيح ليجلس معه في السماويات (أف 2: 6).
    ثالثًا: يرسل السيد المنجل للحصاد... هكذا يرفع الرب قلوبنا إلى مجيئه الأخير لنرى الحصاد قد نضج تمامًا والملائكة كحصادين قادمين بالمنجل السماوي يحصدون لحساب ملكوت الله ثمارًا مفرحة. هذا ما رآه يوئيل النبي القائل: "أرسلوا المنجل لأن الحصاد قد نضج" (يؤ 3: 13)، وما تمتع برؤيته القديس يوحنا: "وخرج ملاك آخر من الهيكل يصرخ بصوت عظيم إلى الجالس على السحابة: أرسل منجلك واحصد، لأنه قد جاءت الساعة للحصاد، إذ قد يبس حصاد الأرض، فألقى الجالس على السحابة منجله على الأرض فحُصدت الأرض" (رؤ 14: 15-16).
    رابعًا: يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [يلقي الإنسان بالبذرة في الأرض عندما يضع النية الصالحة في قلبه، وينام إذ يستريح فعلاً خلال رجائه في العمل الصالح. لكنه يقوم ليلاً ونهارًا، إذ يتقدم في النمو مع الصراع، وإن كان لا يعرف كيف يتحقق ذلك، إذ لا يستطيع أن يقيس مقدار نموه. ومع ذلك فالفضيلة التي تمتع بها تنمو. إذن عندما يدرك الرغبات الصالحة يكون قد وضعنا البذرة في الأرض، وعندما نبدأ في العمل الصالح تصير البذرة بحق نباتًا. وعندما ننمو إلى كمال الأعمال الصالحة نبلغ إلى السنبلة. وإذ نثبت في الكمال في ذات العمل تكون السنبلة قد امتلأت قمحًا.]
    5. العمل الإلهي وحبة الخردل
    هذا هو المثل الثالث الذي يقدمه لنا السيد المسيح في هذا الأصحاح، الأول مثل الزارع الذي يهبنا رجاء فلا نضطرب من أجل البذور التي سقطت ولم تثمر، إذ توجد أرض جيدة تثمر مئة وستين وثلاثين، والثاني مثل الزارع الذي لا يدرك كيف تنمو البذرة فإن الله هو العامل حتى وإن كانت الكرازة كبذرة في وسط الأرض يحيط بها الظلام، والمثل الثالث هو "حبة الخردل" حتى لا نرتبك إن رأينا الكرازة في بدايتها صغيرة للغاية كحبة الخردل، فإنها تصير كشجرة تملأ المسكونة، تأوي بين أغصانها طيور السماء وتستظل تحتها حيوانات البرية.
    ويلاحظ في هذا المثل:
    أولاً: في القديم أشير للممالك العظيمة بشجرة في وسط الأرض، يستظل تحتها حيوانات البرية ويسكن في أغصانها طيور السماء (دا 4: 10-12؛ حز 31: 6)، بكون المملكة في اتساعها تضم دولاً وبلدانًا تحت ظلها تحميها من كل عدوان خارجي. أما الشجرة التي يتحدث عنها السيد هنا فهي مملكة روحية اجتذبت بالصليب الأمم والشعوب ليجدوا فيها موضع راحة، وقد سبق لنا الحديث عن حبة الخردل وارتباطها بآلام المسيح وإنجيله.
    ثانيًا: استخدم السيد المسيح "حبة الخردل" بالذات كمثال لملكوته السماوي لسببين رئيسين، الأول أن هذه الحبة يظهر نفعها بالأكثر حينما تسحق أو تُعصر كما تصير شجرة متى دفنت في الأرض وكأنها حملت إشارة إلى اجتياز الرب الآلام والدفن، والثاني أنه كان شائعًا في أمثال اليهود أنها أصغر الحبوب (في فلسطين)، فاستخدام نعتهم للكشف عن سرّ ملكوته.
    ثالثًا: سبق لنا عرض آراء الآباء في علاقة حبة الخردل بملكوت السيد المسيح مثل البابا غريغوريوس (الكبير) والقديسين يوحنا الذهبي الفم وأمبروسيوس وجيروم وأغسطينوس وهيلاري أسقف بواتييه، لذلك اكتفى هنا بعرض لكلمات القديس كيرلس الكبير في هذا الشأن:
    [المقارنة ممتازة، إذ من المناسب جدًا أن يقدم أمامهم ما يحدث بخصوص الكرازة المقدسة الإلهية الخاصة بالإنجيل، والتي يدعوها هنا ملكوت السماوات، فمن خلالها ننال حق الشركة في ملكوت المسيح. قُدمت هذه الكرازة في البداية لأشخاص قليلين وفي نطاق ضيق لكنها اتسعت في تأثيرها وامتدت إلى كل الأمم. لقد كُرز بها أولاً في اليهودية وحدها حيث كان التلاميذ الطوباويون أيضًا قليلي العدد جدًا، وإذ عصى إسرائيل جاءت الوصية للرسل القديسين: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم..." (مت 28: 19). كما أن حبة الخردل صغيرة جدًا في حجمها بالنسبة لبذور النباتات الأخرى، لكنها تنمو عالية جدًا أكثر من الأعشاب العادية حتى تصير مأوى لكثير من العصافير، هكذا ملكوت السماوات ونتعرف على ذاك الذي بالطبيعة هو الله حقًا، قد بدأت موجهة إلى أشخاص قليلين كما لو كانت صغيرة ومحدودة، فنمت بسرعة وصارت مأوى للذين هربوا إليها كملجأ لهم هؤلاء الذين حُسبوا كعصافير، لأن الأمور البشرية تُحسب صغيرة إن قيست بالله.
    لقد أُعطى الناموس الموسوي للإسرائيليين، وإذ لم يستطع سكان الأرض أن يخلصوا خلال ظل الناموس وخدمته المادية صارت الضرورة ملحة أن تنطلق الكرازة بالإنجيل واهب الخلاص وأن تنتشر بين كل ما هو تحت السماء.
    هذا ما أعلنه لنا حرف الناموس الموسوي خلال علامة، فقد جاء فيه: "وكلم الرب موسى قائلاً: اصنع لك بوقين من فضة مسحولين تعملهما، فيكونان لك لمناداة الجماعة ولارتحال المحلات" (عد 10: 1). جاء بعد ذلك: "وبنو هرون الكهنة يضربون بالأبواق، فتكون لكم فريضة أبدية في أجيالكم" (عد 10: Cool. من هذا يمكن أن يفهم عمل الناموس التمهيدي (للإنجيل) والكمال الذي نناله في المسيح بالحياة الإنجيلية، فقد أشار النبي إشعياء أيضًا إلى هذا الاسم بقوله: "ويكون في ذلك اليوم أنه يضرب ببوقٍ عظيمٍ" (إش 27: 13). فبالحقيقة قد ضُرب ببوق عظيم خلال صوت الرسل القديسين، غير متجاهلين (البوق) الأول إنما احتووه، إذ كانوا دائمًا يبرهنون على ما يقولونه بخصوص المسيح من الناموس والأنبياء، مستخدمين شهادات العصور القديمة.
    إذن وُجد بوقان من فضة مسحولة، حيث تشير الفضة إلى السمو، لأن كل كلمة الله مجيدة، لا تحمل فيها شيئًا من ظلمة العالم، وطرق المعدن أظهر أن البوق المقدس الإلهي - أي الكرازة القديمة والجديدة - تنمو وتتقدم، لأن ما يًطرق ينسحب إلى قدام ويتسع في الطول والعرض. فبقيامة المسيح من أجل سكان الأرض تقدم الناموس القديم خلال تفسيره الروحي، إذ نكرز به نحن الذين نلنا الاستنارة الروحية في المسيح، وأيضًا تقدمت رسالة الإنجيل وانتشرت حتى احتضنت العالم كله. لقد أعطى الناموس الكهنة أن يستخدموا الأبواق لتعليم الشعب، أما المسيح فقدم خدام الإعلانات الجديدة نقصد بهم الرسل القديسين للكرازة به والتبشير بوصاياه. أعلنوا سره كمن يستخدم بوقين، بهما يكرزون عنه، إذ "كانوا من البدء معاينين وخدامًا للكلمة" (لو 1: 2)، مؤكدين بكلماتهم الشهادات الحقيقية للناموس والأنبياء.
    ليس صعبًا أن ترى رسالة الإنجيل قد كُرز بها في البداية صغيرة في حجمها وقد امتدت متزايدة جدًا كما سبق فأخبرنا الله عنها بصوت إشعياء: "لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر" (إش 11: 9). فإن الكرازة بالخلاص في كل موضع تفيض كالبحر، وعملها لا يُقاوم. هذا ما أعلنه إله الكل في وضوح بصوت النبي: "وليجر الحق كالمياه، والبرّ كنهرٍ دائمٍ" (عا 5: 24). فقد أعطى اسمي الحق والبرّ لرسالة الإنجيل، ومنحنا تأكيدًا أن هذه الرسالة تجري في العالم كالمياه والفيضان، فلا يقف إنسان أمام مجاريها الجارفة بقوة.
    نفس التفسير أيضًا لائق جدًا إذ يقارن ملكوت الله بخميرة. فإن الخميرة صغيرة في كميتها لكنها تمسك العجين كله، وبسرعة تتفاعل معه، وتهبه خواصها. هكذا تعمل فينا كلمة الله بنفس الطريقة، فإنها إذ تُضاف إلينا في داخلنا تجعلنا قديسين وبلا لوم وتتسرب إلى ذهننا وقلبنا، وتجعلنا روحيين، وكما يقول بولس: "لتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح" (ا تس 5: 23).]
    6. العمل الإلهي والرياح المضادة
    إذ شبه السيد المسيح عمله الإلهي لنشر ملكوته السماوي بالبذور الملقاة في الأرض، معلنًا استمرارية عمله غير المدرك، الآن إذ جاء المساء أراد ان يكشف لتلاميذه عمليًا عن هذه الإمكانيات خلال انتهاره للرياح المضادة معلنًا سلطانه حتى على البحر.
    لقد سبق لنا دراسة تهدئة السيد المسيح للأمواج (مت 8: 23-27) من خلال كتابات الآباء حيث تظهر الكنيسة كسفينة وسط أمواج هذا العالم تعاني من التجارب والضيقات لكن عريسها في داخلها فلن تتزعزع. رسالتنا أن نوقظ مسيحنا الذي في داخلنا، فهو وحده يقدر أن يأمر فيُطاع. هذا وباتحادنا معه وثبوتنا فيه نحمل سلطانًا، فنعيش في ملء النصرة الداخلية.
    بجانب ما سبق فقلناه أثناء تفسيرنا لإنجيل متى البشير يمكننا أيضاً أن نقول:
    أولاً: اعتاد السيد كممثلٍ لنا أن يستريح في أحد مواضع ثلاثة: إما في موضع خلاء تمثل لقاءنا مع الآب في خلوة، أو على جبل إشارة إلى ارتفاعنا إلى الحياة العلوية بالمسيح يسوع الجبل الحقيقي الذي تقام عليه صهيون، أو على وسادة داخل سفينة كما نرى هنا. إن كانت السفينة تشير إلى الكنيسة فالسيد المسيح يستريح فيها خلال النفوس المؤمنة كوسادة مريحة، يجد لرأسه موضعًا عليها، وإن كانت السفينة تشير إلى الصليب فراحته الحقيقية هي نومه على الصليب لأجل خلاصنا!
    ثانيًا: سمح الرب بالتجربة القاسية إذ "كانت الأمواج تضرب إلى السفينة، حتى صارت تمتلئ" [37] ليعُلن لهم أن وجوده في السفينة لا ينزع عنهم التجارب إنما يحفظهم منها، إن أيقظوه في داخلهم، أي أعلنوه إيمانهم به وسألوه بالصلاة الدائمة، يقول القديس يوحنا سابا: [أجر الثبات في الحروب (التجارب) أعظم من أجر الأعمال الفاضلة التي تكمل بالراحة.]
    ثالثًا: التجربة دخلت بهم إلى خبرة جديدة كشفت لهم شخص المسيا وسلطانه، إذ "خافوا خوفًا عظيمًا وقالوا بعضهم لبعض: من هو هذا، فإن الريح أيضًا والبحر يطيعانه" [41]. بهذه الخبرة صار لنا أن نحمل المسيا فينا، فنحمل عمله وسلطانه، لا لننتهر البحر والريح، وإنما لنحيا فوق رياح العالم ونغلب جهنم وكل مخاوفها. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر فإنه يمكنك ليس فقط أن تراه، وإنما أن تتمثل أيضًا به، إن كنا مملوءين غيرة! ليتنا لا نتأخر في نوال ذلك، فإنه مستعد أن يستجيب لشفاه الودعاء وطويلي الأناة أكثر من شفاة الأنبياء، إذ يقول: "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، يا رب أليس باسمك تنبأنا؟... فحينئذأصرح لهم أني لم أعرفكم قط" (مت 7: 22-23). أما شفتا موسى الذي كان وديعًا ولطيفًا للغاية (عد 12: 3) فكانتا مقبولتين لديه ومحبوبتين، حتى قيل أنه كان يكلمه وجهًا لوجه وفمًا لفم، كما يكلم الرجل صاحبه (خر 33: 11؛ عد 7: Cool. وأنت إن كنت لا تنتهر الشياطين الآن لكنك ستنتهر نار جهنم، إن حفظت فمك كفم المسيح. تأمر هذه النار وتقول: اسكتي، وبثقة عظيمة تضع قدميك في السماوات، وتتمتع بالملكوت الذي يهبه الله لنا بنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر.]
    رابعًا: يتطلع كثير من الآباء إلى المياه كمسكن للتنين، لهذا ففي العماد، ترى الكنيسة الأولى أن السيد المسيح نزل إلى التنين ليحطمه في عقر داره. فإن كان السيد قد انطلق بتلاميذه في السفينة إلى المياه ليجتز إلى العبر [25] إنما يحمل هذا إشارة إلى السيد المسيح المنطلق خلال كنيسته في هذا العالم لتواجه إبليس التنين العظيم حتى يهبها الغلبة عليه منطلقًا بها إلى الأبدية كعبر حقيقي. يقول القديس جيروم: ["في البحرطريقك" (مز 77: 19)، أي خلال الأمواج، خلال المياه المرة حيث يسكن التنين... أنت في السماء قد نزلت إلى الأرض... جاء ينبوع الحياة ليحوّل البحر المّر والميت إلى مياه حلوة.]
    1 و ابتدا ايضا يعلم عند البحر فاجتمع اليه جمع كثير حتى انه دخل السفينة و جلس على البحر و الجمع كله كان عند البحر على الارض
    2 فكان يعلمهم كثيرا بامثال و قال لهم في تعليمه
    3 اسمعوا هوذا الزارع قد خرج ليزرع
    4 و فيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت طيور السماء و اكلته
    5 و سقط اخر على مكان محجر حيث لم تكن له تربة كثيرة فنبت حالا اذ لم يكن له عمق ارض
    6 و لكن لما اشرقت الشمس احترق و اذ لم يكن له اصل جف
    7 و سقط اخر في الشوك فطلع الشوك و خنقه فلم يعط ثمرا
    8 و سقط اخر في الارض الجيدة فاعطى ثمرا يصعد و ينمو فاتى واحد بثلاثين و اخر بستين و اخر بمئة
    9 ثم قال لهم من له اذنان للسمع فليسمع
    10 و لما كان وحده ساله الذين حوله مع الاثني عشر عن المثل
    11 فقال لهم قد اعطي لكم ان تعرفوا سر ملكوت الله و اما الذين هم من خارج فبالامثال يكون لهم كل شيء
    12 لكي يبصروا مبصرين و لا ينظروا و يسمعوا سامعين و لا يفهموا لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم
    13 ثم قال لهم اما تعلمون هذا المثل فكيف تعرفون جميع الامثال
    14 الزارع يزرع الكلمة
    15 و هؤلاء هم الذين على الطريق حيث تزرع الكلمة و حينما يسمعون ياتي الشيطان للوقت و ينزع الكلمة المزروعة في قلوبهم
    16 و هؤلاء كذلك هم الذين زرعوا على الاماكن المحجرة الذين حينما يسمعون الكلمة يقبلونها للوقت بفرح
    17 و لكن ليس لهم اصل في ذواتهم بل هم الى حين فبعد ذلك اذا حدث ضيق او اضطهاد من اجل الكلمة فللوقت يعثرون
    18 و هؤلاء هم الذين زرعوا بين الشوك هؤلاء هم الذين يسمعون الكلمة
    19 و هموم هذا العالم و غرور الغنى و شهوات سائر الاشياء تدخل و تخنق الكلمة فتصير بلا ثمر
    20 و هؤلاء هم الذين زرعوا على الارض الجيدة الذين يسمعون الكلمة و يقبلونها و يثمرون واحد ثلاثين و اخر ستين و اخر مئة
    21 ثم قال لهم هل يؤتى بسراج ليوضع تحت المكيال او تحت السرير اليس ليوضع على المنارة
    22 لانه ليس شيء خفي لا يظهر و لا صار مكتوما الا ليعلن
    23 ان كان لاحد اذنان للسمع فليسمع
    24 و قال لهم انظروا ما تسمعون بالكيل الذي به تكيلون يكال لكم و يزاد لكم ايها السامعون
    25 لان من له سيعطى و اما من ليس له فالذي عنده سيؤخذ منه
    26 و قال هكذا ملكوت الله كان انسانا يلقي البذار على الارض
    27 و ينام و يقوم ليلا و نهارا و البذار يطلع و ينمو و هو لا يعلم كيف
    28 لان الارض من ذاتها تاتي بثمر اولا نباتا ثم سنبلا ثم قمحا ملان في السنبل
    29 و اما متى ادرك الثمر فللوقت يرسل المنجل لان الحصاد قد حضر
    30 و قال بماذا نشبه ملكوت الله او باي مثل نمثله
    31 مثل حبة خردل متى زرعت في الارض فهي اصغر جميع البزور التي على الارض
    32 و لكن متى زرعت تطلع و تصير اكبر جميع البقول و تصنع اغصانا كبيرة حتى تستطيع طيور السماء ان تتاوى تحت ظلها
    33 و بامثال كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كانوا يستطيعون ان يسمعوا
    34 و بدون مثل لم يكن يكلمهم و اما على انفراد فكان يفسر لتلاميذه كل شيء
    35 و قال لهم في ذلك اليوم لما كان المساء لنجتز الى العبر
    36 فصرفوا الجمع و اخذوه كما كان في السفينة و كانت معه ايضا سفن اخرى صغيرة
    37 فحدث نوء ريح عظيم فكانت الامواج تضرب الى السفينة حتى صارت تمتلئ
    38 و كان هو في المؤخر على وسادة نائما فايقظوه و قالوا له يا معلم اما يهمك اننا نهلك
    39 فقام و انتهر الريح و قال للبحر اسكت ابكم فسكنت الريح و صار هدوء عظيم
    40 و قال لهم ما بالكم خائفين هكذا كيف لا ايمان لكم
    41 فخافوا خوفا عظيما و قالوا بعضهم لبعض من هو هذا فان الريح ايضا و البحر يطيعانه
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:11 am

    الأصحاح الخامس
    سلطانه على الأرواح النجسة والموت
    إذ واجه السيد الرياح الملموسة وأخضعها، أعلن سلطانه أيضًا على الرياح غير المنظورة، أي الأرواح النجسة التي تفسد حياة الإنسان وسلامه الداخلي، وأخيرًا واجه الموت محطمًا شوكته.
    1. المسيح وساكن القبور 1-20.
    2. لقاؤه مع يايرس 21-24.
    3. شفاء نازفة الدم 25-34.
    4. إقامة ابنة ياير س 35-43.
    1. المسيح وساكن القبور
    في الأصحاح السابق واجهت الأجساد رياح مضادة، إذ ظهرت الطبيعة ثائرة على الإنسان، وقد قام السيد يرد للإنسان سلامه الجسدي ويجعل من الطبيعة صديقًا له، أما الآن فتواجه النفوس الأرواح الشريرة أو "لَجِئون" التي تود أن تحطمها تمامًا، وتذلها، حتى تجعل من الإنسان ساكنًا في القبور.
    يرى بعض الدارسين أن القصة تبدأ من عدد 6 أما الأعداد الخمسة الأولى فهي أشبه بمقدمة وضعها الإنجيلي ليعلن غاية القصة ألا وهي أن للسيد سلطان فائق على هذه القوى غير المنظورة التي تسيطر على الإنسان، فتنزع عنه إنسانيته وتعزله عن البشرية ليسكن في القبور فاقد الحرية ومحطمة لنفسه كما لجسده.
    وقد سبق لنا دراسة هذا العمل الإلهي أثناء دراستنا لإنجيل معلمنا متى البشير (مت 8: 28 الخ.)، غير أنه يليق بنا أن نلاحظ هنا الآتي:
    أولاً: يذكر الإنجيلي متى أنهما مجنونان (مت 8: 28 الخ)، أما الإنجيليان مرقس ولوقا (8: 26 الخ) فيذكران شخصًا واحدًا. يعلل القديس أغسطينوس هذا بأن الإنجيليين اكتفيا بذكر الشخص المشهور، والذي كانت المنطقة هناك متألمة لأجله، بينما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنهما ذكرا شخصًا واحدًا يعاني أكثر من الآخر، وأن من يشفي شخصًا يشفي الآخر أيضًا، إذ هدفهما لا سرد القصة كحدثٍ تاريخيٍ، وإنما إعلان إمكانية الشفاء.
    ثانيًا: يرى البعض أن السيد المسيح إذ انطلق إلى منطقة أممية، بحلوله تقدس الموضع، مهيئًا الطريق لتنصير الأمم، طاردًا عنهم عدو الخير الذي سيطر عليهم زمانًا. ما فعله السيد المسيح مع هذا المسكين بقى يعمله خلال تلاميذه ليطهر كل بقعة من سيطرة عدو الخير، واهبًا ملكوته السماوي لكل نفس.
    ثالثًا: تطلع المرتل إلى البشرية، وقد سحبتها الخطية من الفردوس الإلهي كما من بيتها، وانطلقت بها إلى القبور ليعيش الإنسان نفسه مسكنًا للروح النجس، فيصير في عزله داخلية عن الشركة مع الله مصدر حياته، يعاني من الوحدة القاتلة، حتى وإن كان في أحضان والديه أو بين أصدقائه أو أقربائه. صار في حاجة إلى الله نفسه كمخلص له ينقذه من "الروح الشرير" ليرده من جديد إلى البيت الإلهي والفردوس الداخلي، إذ يقول: "الله مسكن المتوحدين في بيت، مخرج الأسري إلى فلاح" (مز 68: 6).
    أقول ما اشتهاه المرتل في الله مخلصه أو ما ترجاه في المسيا القادم إليه قد تحقق في هذا الإنسان الذي سكنه روح نجس حرمه من السكنى في بيته، وعزله عن حياة الشركة حتى مع أقربائه ليعيش في عزلة داخلية كما في عزلة جسدية وسط القبور، وقد جاء السيد المسيح يطرد منه الروح النجس بقوة، ليرده إليه، فيشاركه بيته السماوي ويكون له موضع في السيد المسيح، بهذا يستقر في حضن الآب!
    وصف الإنجيلي هذا المسكين الذي يعاني من العزلة المرة، قائلاً: "كان مسكنه في القبور، ولم يقدر أحد أن يربطه ولا بسلاسل... وكان دائمًا ليلاً ونهارًا في الجبال وفي القبور يصيح ويجرح نفسه بالحجارة" [3-5]. لقد حولته الخطية كما إلى وحش ثائر، ليس من يقدر أن يضبطه، أو كالتنين البحري الذي قيل عنه: "من هو مثل الوحش؟ من يستطيع أن يحاربه؟ وأُعطى فمًا يتكلم بعظائم وتجاديف... وأُعطى سلطانًا على كل قبيلة ولسان وأمة" (رؤ 13: 4-5، 7)... وقد جاء السيد المسيح بسلطان يحطم سلطان هذا الوحش. هذا ما أعلنه ذات المرتل بقول: "المهدي عجيج البحار، عجيج أمواجها، وضجيج الأمم" (مز 65: 7).
    يقول القديس أمبروسيوس: [مثل هذه النفوس تبدو كأنها ساكنة في قبور، فإن أجساد غير المؤمنين ليست إلا نوعًا من القبور يُدفن فيها الأموات (النفوس الميتة) حيث لا تسكن فيها كلمة الرب. لقد اندفع إلى الأماكن الخالية، أي الأماكن القفرة من فضائل الروح التي تجنبت الناموس وانفصلت عن الأنبياء فرفضتهم النعمة.]
    رابعًا: ساد اليهود الاعتقاد بأن الشياطين تفضل ثلاثة مناطق لسكناها: البرية أو الأماكن الخربة، والمياه في أعماقها، والقبور. الأولى تشير إلى اشتياق الشيطان نحو الإنسان أن يفقده كل حيوية، وينزع عنه كل ثمرٍ روحيٍ، ليجعل منه برية قاحلة أو خراب بلا ساكن. والثانية تشير إلى رغبة العدو أن يدخل بالإنسان إلى دوامة الحياة ليلهيه عن أبديته، فيكون كمن في أعماق المياه بلا رجاء. والثالثة أي القبور، فتشير إلى طبيعة الشيطان كمقاتل للإنسان يبغي موته، كما تعلن عن راحة إبليس في نتانة الأعمال الميتة وفسادها. لهذا أعلن السيد سلطانه الإلهي وعمله فينا بانطلاقه إلى البرية يصارع العدو وجهًا لوجه، كما انطلق إلى المياه بالأردن ليحطم سلطان العدو تحت أقدامنا، واهبًا إيّانا البنوة لله الغالبة للشرير والشر، وها هو يلتقي بساكن القبور ليخلصه من الروح النجس ويرده إلى بيته.
    خامسًا: لم يحتمل الروح النجس أن يرى يسوع، فإنه من بعيد ركض، وصرخ بصوت عظيم، وقال "مالي ولك يا يسوع ابن الله العلي، أستحلفك بالله أن لا تعذبني" [8]. إن قارنا بين هذه الكلمات التي نطق بها الروح النجس الساكن إنسانًا أمميًا بالكلمات التي نطق بها روح نجس آخر كان ساكنًا إنسانًا يهوديًا، إذ قال: "آه مالنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا! أنا أعرفك من أنت قدوس الله"! (مر 1: 24) لأدركنا حالة الارتباك التي سادت مملكة إبليس سواء كان الساقط تحت سلطانها أممين أو يهودًا. فقد أدرك العدو أن مملكته تنهار وسلطانه يزول، والعقاب قد اقترب جدًا بمجيء "يسوع الناصري ابن الله". يقول القديس كيرلس الكبير: [تأمل سلطان المسيح غير المنهزم، فقد ارتعب أمامه الشيطان، فإن كلمات المسيح بالنسبة له نار ولهيب، وكما يقول المرتل: "ذابت الجبال قدام الرب" (مز 97: 5)، أي ذابت القوات العظيمة المتعجرفة.] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ظنت الشياطين أن عقوبتهم قد اقتربت جدًا، فارتعبوا كمن سيحل بهم العقاب فورًا.]
    لقد حسبت الشياطين أن طردهم من الإنسان عذابًا لهم، إذ يجدون راحتهم في مملكتهم التي يقيمونها في القلب الفاسد، وانهيار هذه المملكة يتبعه العقاب الأبدي أيضًا. ولعله بمجيء السيد المسيح أدرك عدو الخير أن النهاية قد اقتربت، فقد جاء مشتهى العالم كله في ملء الزمان.
    سادسًا: أراد السيد المسيح أن يظهر قسوة عدو الخير لذلك سأل الروح النجس: "ما اسمك؟ فأجاب قائلاً: اسمي لجئون، لأننا كثيرون" [9]. وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [حقًا سأله الرب لا ليعرف شيئًا، وإنما لكي يدرك من هم حوله أن كثيرين يسكنونه.]
    ما حدث مع هذا المسكين يمثل صورة حية للإنسان حين يخضع لخطيةٍ ما أو لشيطانٍ ما، فالخطية تسلمه إلى أخرى، والشيطان إلى آخر ليكون مستعبدًا للجئون، وكما يقول القديس يوحنا سابا: [الآلام (الخطايا) متشابكة بعضها ببعض، إن خضعت لألم ما فبالضرورة تصير عبدًا لبقية رفقائه.]
    يرى البعض أن كلمة "لجئون" في الأصل معناها "جندي"، وكأنه يقول أننا فرقة عسكرية لا تكف عن الحرب. وقد قيل أنه اسم فرقة رومانية قوامها ستة آلاف جندي. هذا ويلاحظ أن هذا العدد كان يتحدث قبلاً بصيغة المفرد، إذ لم يكن يرد أن يكشف عن نفسه، لكن إذ اعترف بأنه لجئون صار يتحدث بصيغة الجمع.
    سابعًا: سألته الشياطين أن يسمح لها بالذهاب إلى قطيع الخنازير، فمن جانب أدركت الشياطين أن السيد المسيح لن يسمح لهم بدخول إنسانٍ آخر، إذ رأته جاء يكرم البشرية بتجسده، ولا طلبت منه الدخول في حيوانات طاهرة، يمكن أن تستخدم كتقدمة في هيكل الرب، فاستأذنت أن تدخل الخنازير النجسة، وقد سمح لها السيد ليعلن للحاضرين قيمة النفس البشرية، فهي أثمن من ألفين من الخنازير! وأيضًا ليكشف لهم بطريقة ملموسة شر الشياطين وطبيعتهم المحبة للهلاك حتى بالنسبة للحيوانات غير العاقلة، ويكشف أنها لا تستطيع أن تدخل كائنًا ما بدون إذنه!
    يعلق أيضًا القديس أمبروسيوس على طلب الشياطين هذا بقوله: [يدأت الشياطين تتضرع إليه ليأمرها حتى تدخل في قطيع الخنازير، وهنا يجب ملاحظة مراحم الله، إذ لم يبدأ بدينونة أحد، لكن كل واحد يعمل لدينونته، لم يطرد الشياطين إلى قطيع الخنازير، إنما هم طلبوا ذلك، لأنهم لم يستطيعوا احتمال بهاء شعاع النور الإلهي. وكما أن مرضى العيون لا يستطيعون احتمال التطلع في ضوء الشمس، مفضلين الظلام، هاربين من النور، هكذا تهرب الشياطين من بهاء النور الأبدي مرتعبة قبل حلول الوقت حيث ينتظرها العذاب... ما هو قطيع الخنازير هذا إلا أولئك الذين قيل عنهم: "لا تطرحوا قدسكم للخنازير" (مت 7: 6)؟ هؤلاء الذين يشبهون الحيوانات الحقيرة التي بلا نطق ولا فهم، يدنسون حياتهم بالأعمال النجسة... فيقودهم تصرفهم إلى الهاوية إذ لا يقدرون المكافأة، وباندفاعهم من فوق إلى أسفل الشر يختنقون في المياه بين أمواج هذه الحياة ويهلكون بسبب الاختناق وسدّ قنوات التنفس. هكذا الذين ينقادون بكل ريح لا يمكن أن تكون لهم شركة محيية مع الروح. إذن الإنسان يجلب التعاسة لنفسه بنفسه، فإن لم يعش عيشة الخنازير لا يكون للشيطان سلطان عليه، وحتى إن نال سلطانًا عليه فلا يكون لهلاكه وإنما لتجربته.]
    ثامنًا: من هم هؤلاء الرعاة الذين قيل عنهم: "وأما رعاة الخنازير فهربوا، وأخبروا في المدينة وفي الضياع، فخرجوا ليروا ما جرى. وجاءوا إلى يسوع فنظروا المجنون الذي كان فيه اللجئون جالسًا ولابسًا وعاقلاً، فخافوا... فابتدوا يطلبون إليه أن يمضي من تخومهم" [14-17].
    أ. يمثل هؤلاء الرعاة نظرة الكثيرين، أنه لا يليق أن نهتم بعضو واحد في الجماعة إن كان خلاصه وبنيانه يكلف البعض خسارة مادية. هؤلاء لا يقَّدرون قيمة النفس البشرية، أيا كانت هذه النفس! أما الله فيهتم بكل نفسٍ، فهي ثمينة عنده، يقدم حياة ابنه الحبيب مبذولة لأجلها.
    ب. يمثل هؤلاء الرعاة العاملين والخدام الذين يميلون للحياة الراكدة، حتى وإن كان عملهم رعاية خنازير، فإن تجلى عمل السيد المسيح الواهب التعقل والسلام الداخلي للنفوس خافوا واضطربوا مشتهين أن يمضي من تخومهم! يرى القديس أمبروسيوس أنهم يمثلون معلمي الفلسفة ورؤساء المجمع اليهودي، إذ كانت نفوسهم ضعيفة لا تحتمل كلمة الله ولا ثقل حكمته.
    تاسعًا: لم يقاومهم السيد بل تركهم ودخل السفينة، وإذ طلب إليه ذاك الذي كان مجنونًا أن يكون معه لم يدعه بل سأله أن يذهب إلى بيته وأهله يخبرهم كم صنع الرب به ورحمه، فمضى وابتدأ ينادي في العشر المدن كم صنع به يسوع، فتعجب الجميع [18-20].
    إن كان رعاة الخنازير يرمزون للمجمع الذي قبل الحياة الراكدة التي بلا روح عن الكرازة بالإنجيل، فإن رب المجد يسوع تركهم ودخل سفينة الكنيسة، أي ترك الأمة اليهودية التي فُقدت ليحل وسط كنيسة العهد الجديد. أما هذا الرجل فقد أرسله للكرازة يمهد الطريق للعمل الإنجيلي بين الأمم، وبالفعل انطلق إلى العشر مدن التي ترمز للعالم الأممي والوثني.
    العشر مدن Decapolis: عبارة عن تسع مدن شرق الأردن هي: هيبوس، دمشق وجدارا، جيراسا، فيلادلفيا (ربة عمون أو عمان)، ديون، رافاتا، كاناتا، بيلا، ومدينة غرب الأردن هي سكيتوبوليس (بيسان). وتعتبر هذه المدن إغريقية، سكانها اليونان أثر هجوم الإسكندر الأكبر على الشرق ، كانت مدن مزدهرة تجاريًا لموقعها الجغرافي الطبيعي وسط سوريا ، لكنها كانت مستقلة عن سوريا من الجانبين السياسي والتجاري.
    2. لقاؤه مع يايرس
    إن كان شفاء مجنون كورة الجدريين يكشف عن قبول الأمم لعمل السيد المسيح، وموقف رعاة الخنازير هناك يعلن عن موقف المجمع اليهودي الرافض للمخلص، فإن الإنجيلي لم يسدل الستار عند هذا الحد، بل قدم لنا قصة إقامة الصبية ابنه يايرس رئيس المجمع اليهودي ملتحمة بقصة شفاء نازفة الدم، ليعلن أنه بعد شفاء الأمم (نازفة الدم) يتمتع اليهود بالخلاص في آخر الأزمنة، إذ يقبلون السيد المرفوض منهم قبلاً ويقومون كهذه الصبية. وقد سبق لنا عرض أقوال القديسين هيلاري أسقف بواتييه وأغسطينوس في هذاالشأن. والآن نكتفي بمقتطفات من كلمات القديس أمبروسيوس:
    [سبق أن قلنا أن المسيح ترك المجمع في شخص الجدريين، إذ خاصته لم تقبله (يو 1: 11)، أما نحن فقبلناه، قبلنا ذاك الذي كنا ننتظره، فلم يرفض من كانوا ينتظرونه، لكن إن عاد الآخرون إليه يرفض رجوعهم. لقد كان لرئيس المجمع ابنة وحيدة وكان يطلب شفاء المجمع الذي قد أوشك على الموت، لأن المسيح تركه. تُرى من يكون رئيس المجمع هذا سوى الناموس! من أجله لم يهمل الرب المجمع نهائيًا بل حفظ شفاء الذين لم يؤمنوا منهم. وبينما كان كلمة الله مسرعًا نحو ابنة هذا الرئيس ليخلص بيت إسرائيل، تمتعت الكنيسة المقدسة التي اجتمعت من الأمم بالخلاص المُعد للآخرين. جاء كلمة الله لليهود فجذبه الأمم، أصحاب الناموس لم يؤمنوا به بل آمن به أولاً الآخرون، الذين هم كتلك المرأة التي أنفقت كل معيشتها على الأطباء، إذ خسر شعوب الأمم كل مواهبهم الطبيعية وبددوا ميراثهم من الحياة... اقتربت منه بالإيمان وبالحكمة عرفت أنها نالت الشفاء. هكذا فعلت شعوب الأمم المقدسة التي آمنت بالرب، وخجلت من خطيتها فتركتها وتقدمت بالإيمان... واتزرت بالحكمة فأدركت الشفاء وتشجعت لتعرف أنها اغتصبت ما هو ليس لها.
    لماذا جاءت من ورائه؟ لأنه مكتوب: "وراء الرب إلهكم تسيرون، وإياه تتقون، ووصاياه تحفظون" (تث 13: 4).
    وما معنى أن تكون ابنة الرئيس على وشك الموت في سن الثانية عشر إلا أن يشير هذا الأمر إلى المجمع فإنه إذا (صار فاقد) القوة اقتربت الكنيسة؟ ضعف الواحد هو قوة الآخر، لأن "بزلتهم صار الخلاص للأمم" (رو 11: 11)، ونهاية الواحد هو بداية للآخر، لا بداية بالطبيعة إنما بالخلاص، "لأن المعصية قد حصلت جزئيًا لإسرائيل ليدخل ملء الأمم" (رو 11: 25).]
    هذا وكلمة "يايرس" تعني "المستنير"، فإن كان يايرس يشير إلى الناموس، وابنته تشير إلى الأمة اليهودية التي سقطت تحت المرض حتى أوشكت على الموت، فإنها لا تستطيع أن تنعم بالقيامة من هذا الموت ما لم تتمتع بروح الاستنارة ويقودها الناموس لا إلى الحرف القاتل، وإنما إلى ذاك القادر أن يقيم من الأموات.
    3. شفاء نازفة الدم
    أولاً: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه المرأة لم تجسر أن تقترب من المخلص علانية، ولا أن تأتي إليه من أمامه لأنها حسب الشريعة تُحسب نجسة، فجاءت من ورائه وتجاسرت لتلمس هدب ثوبه. يكمل القديس حديثه فيقول أنها شفيت لا من أجل هدب الثوب في ذاته وإنما من أجل إيمانها.
    يرى القديس أغسطينوس في هدب الثوب رمزًا لمعلمنا بولس الرسول الذي دعا نفسه "آخر الكل"، فبكرازته التقت الشعوب الأممية بالسيد المسيح وتمتعت بالخلاص الإلهي، هذه الشعوب التي لم تشاهد السيد حسب الجسد لكنها جاءت بالإيمان الذي كرز به معلمنا بولس لتتلامس معه من ورائه وتتمتع بالشفاء.
    يعلق القديس أمبروسيوس على هذا التلامس بقوله: [إن كنا ندرك عظمة ابن الله يمكننا أن نفهم أننا لا نستطيع إلا أن نلمس هدب ثوبه، أما على ثوبه فلا نقدر أن نبلغه. إن أردنا أن نبرأ، فلنلمس بالإيمان هدب ثوبه من ورائه، فإن الله لا يحتاج إلى أعين يرى بها إذ ليس له الحواس الجسدية، إنما فيه معرفة كل الأشياء. طوبى لمن يلمس ولو هدب ثوب الكلمة إذ من يقدر أن يحويه؟]
    كان كل عبراني يلتزم بعمل أربعة أهداب لثوبه حسب الوصية (عد 15: 38-40)، ويصنع عليها عصابة من إسمانجوني، إشارة إلى أنه من شعب الله المختار. فإن كان ذيل الثوب الذي يتلامس مع الأرض به عصابة إسمانجونية أي سماوية، فإن هذا يعني أنه يليق بالإنسان في كليته أن يكون سماويًا! هذا بالنسبة للإنسان العبراني بوجه عام أما السيد المسيح فهو ابن الله السماوي إن تلامسنا معه إنما نلتقي برب السماوات نفسه!
    ثانيًا: يرى القديس أغسطينوس أن الأطباء الذين التجأت إليهم هذه المرأة وأنفقت كل معيشتها عليهم هم تعاليم الفلاسفة، إذ يقول: [تعاليم الفلاسفة ألهبت بالأكثر الجوع للحق دون أن تشبعه... أما لمسة هدب ثوبه (مر 5: 27) فهي صرخة القلب المؤمن.]
    ثالثًا: إن كان الرب قد شفى هذه المرأة نازفة الدم، فإن هذا الشفاء كلفه الحب الباذل، إذ يقول الإنجيلي: "التفت يسوع بين الجمع شاعرًا في نفسه بالقوة التي خرجت منه، وقال: من لمس ثيابي؟" [30] لم يكن الأمر مجرد لمسة هدب ثوب لكن "قوة خرجت منه". هذا لا يعني خسارة أو فقدان إنما التهاب حب انطلق نحوها، كما نشعل فتيلة من شعلة نار، فالشعلة لا يصيبها ضرر أو فقدان، إنما تقدم نارًا من عندها للغير. لقد قدم السيد المسيح "قوة" انطلقت خلال صليبه لتشفي النفوس المريضة، إنه يقدم عطاءً داخليًا حقيقيًا، وبذلاً فائقًا سحب قلب الكنيسة تمامًا، فيقول الرسول: "الذي بذل نفسه لأجلنا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير، حسب إرادة الله وأبينا" (غل 1: 4)، ويقول السيد نفسه: "أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يو 10: 11).
    رابعًا: إذ قالت المرأة للسيد "الحق كله" سمعته يقول لها "يا ابنة"، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [دعاها "ابنة" لأنها خلصت بالإيمان، فإن إيماننا بالمسيح يجعلنا أبناء له.] لقد آمنت بالقادر أن يهب خلاصًا وترجمت إيمانها عمليًا بانطلاقها نحو وسط الجماهير لتلتقي به خلال هدب ثوبه... أعلنت إيمانها حيًا فتمتعت بعمل السيد المسيح فيها.
    4. إقامة ابنة يايرس
    إن كان يايرس كرئيس مجمع قد ذهب بنفسه إلى السيد المسيح الذي حسب المجمع كخارج عن ديانته لا يجوز ليهودي مخلص أن يتعامل معه، وجاء ليرتمي عند قدمي معلم متجول طالبًا منه المعونة، فقد تمتع يايرس بدخول السيد إلى بيته ومعه ثلاثة من تلاميذه، وكأن بيته قد صار هيكلاً مقدسًا يحل فيه رب السماء نفسه!
    لم يدخل السيد إلى الصبية ومعه جموع كثيرة، لأنه أراد أن يؤكد أن ليس للجميع أن يتمتعوا بقوة القيامة بل للذين يريدونها ويشتاقون إليها. لم يكن إقامة الصبية استعراضًا لعمل فائق معجزي، إنما كان كشفًا عن السيد المسيح كواهب القيامة يختبره من يلتصق به ويتتلمذ على يديه.
    دخل السيد إلى البيت ليجد مراسيم الجنازة قد بدأت حيث يشق الأقرباء ثيابهم، ويصرخ البعض بمرارة مع ضربات محزنة على الناي، ويجز البعض شعرهم. وسط هذا المنظر الكئيب قال: "لماذا تضجون وتبكون؟ لم تمت الصبية لكنها نائمة" [39]. لقد ماتت في نظر الناس لا يستطيعون أن يردوا لها الحياة، أما بالنسبة له فهي نائمة إن أراد يوقظها في الوقت الذي يشاءه. على أي الأحوال تركهم السيد يضحكون عليه، حتى يصير ضحكهم شهادة حق أنها ماتت وأنه أقامها.
    أمسك السيد المسيح بيد الصبية [41]. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [فليمسكني الكلمة ويدخلني إلى حجاله، ليبعد عني روح الشر ويحوطني بالروح المحي، ليأمر فيُعطى لي فآكل الخبز السماوي الذي هو كلمة الله.]
    ركز كثير من الآباء على العبارة، "وقال أن تعطى لتأكل" [43]، لتأكيد أن إقامتها لم تكن خيالاً بل حقيقة ملموسة. في هذا يقول القديس جيروم: [عندما كان يقيم أحدًا من الأموات يأمر بتقديم طعام له حتى لا يُظن أن القيامة وهم.] ويقول القديس أمبروسيوس [تمت مراسيم الجنازة لتأكيد الموت، وقد عادت الروح سريعًا بكلمة الرب، وقام الجسد منتعشًا أُعطى طعامًا لتصدق شهادة الحياة .]
    أخيرًا فقد سبق فرأينا أن القديس أغسطينوس يرى في حالات الإقامة التي وردت في الأناجيل المقدسة تشير إلى إقامة النفوس من موت الخطية. الصبية ابنة يايرس التي كانت على سريرها تشير إلى النفس الميتة بخطية الفكر الداخلي ولم تمارسها عمليًا بل كامنة في بيتها، والشاب ابن الأرملة (لو 7: 14-15) يمثل النفس التي ماتت بالخطية التي انتقلت من الفكر إلى القول أو العمل وظهرت خلال السلوك خارج بيتها، وأخيرًا إقامة لعازر بعد أربعة أيام (يو 11) تشير إلى إقامة النفس التي ماتت خلال ممارستها للخطية كعادة مستمرة في حياتها.
    1 و جاءوا الى عبر البحر الى كورة الجدريين
    2 و لما خرج من السفينة للوقت استقبله من القبور انسان به روح نجس
    3 كان مسكنه في القبور و لم يقدر احد ان يربطه و لا بسلاسل
    4 لانه قد ربط كثيرا بقيود و سلاسل فقطع السلاسل و كسر القيود فلم يقدر احد ان يذلله
    5 و كان دائما ليلا و نهارا في الجبال و في القبور يصيح و يجرح نفسه بالحجارة
    6 فلما راى يسوع من بعيد ركض و سجد له
    7 و صرخ بصوت عظيم و قال ما لي و لك يا يسوع ابن الله العلي استحلفك بالله ان لا تعذبني
    8 لانه قال له اخرج من الانسان يا ايها الروح النجس
    9 و ساله ما اسمك فاجاب قائلا اسمي لجئون لاننا كثيرون
    10 و طلب اليه كثيرا ان لا يرسلهم الى خارج الكورة
    11 و كان هناك عند الجبال قطيع كبير من الخنازير يرعى
    12 فطلب اليه كل الشياطين قائلين ارسلنا الى الخنازير لندخل فيها
    13 فاذن لهم يسوع للوقت فخرجت الارواح النجسة و دخلت في الخنازير فاندفع القطيع من على الجرف الى البحر و كان نحو الفين فاختنق في البحر
    14 و اما رعاة الخنازير فهربوا و اخبروا في المدينة و في الضياع فخرجوا ليروا ما جرى
    15 و جاءوا الى يسوع فنظروا المجنون الذي كان فيه اللجئون جالسا و لابسا و عاقلا فخافوا
    16 فحدثهم الذين راوا كيف جرى للمجنون و عن الخنازير
    17 فابتداوا يطلبون اليه ان يمضي من تخومهم
    18 و لما دخل السفينة طلب اليه الذي كان مجنونا ان يكون معه
    19 فلم يدعه يسوع بل قال له اذهب الى بيتك و الى اهلك و اخبرهم كم صنع الرب بك و رحمك
    20 فمضى و ابتدا ينادي في العشر المدن كم صنع به يسوع فتعجب الجميع
    21 و لما اجتاز يسوع في السفينة ايضا الى العبر اجتمع اليه جمع كثير و كان عند البحر
    22 و اذا واحد من رؤساء المجمع اسمه يايرس جاء و لما راه خر عند قدميه
    23 و طلب اليه كثيرا قائلا ابنتي الصغيرة على اخر نسمة ليتك تاتي و تضع يدك عليها لتشفى فتحيا
    24 فمضى معه و تبعه جمع كثير و كانوا يزحمونه
    25 و امراة بنزف دم منذ اثنتي عشرة سنة
    26 و قد تالمت كثيرا من اطباء كثيرين و انفقت كل ما عندها و لم تنتفع شيئا بل صارت الى حال اردا
    27 لما سمعت بيسوع جاءت في الجمع من وراء و مست ثوبه
    28 لانها قالت ان مسست و لو ثيابه شفيت
    29 فللوقت جف ينبوع دمها و علمت في جسمها انها قد برئت من الداء
    30 فللوقت التفت يسوع بين الجمع شاعرا في نفسه بالقوة التي خرجت منه و قال من لمس ثيابي
    31 فقال له تلاميذه انت تنظر الجمع يزحمك و تقول من لمسني
    32 و كان ينظر حوله ليرى التي فعلت هذا
    33 و اما المراة فجاءت و هي خائفة و مرتعدة عالمة بما حصل لها فخرت و قالت له الحق كله
    34 فقال لها يا ابنة ايمانك قد شفاك اذهبي بسلام و كوني صحيحة من دائك
    35 و بينما هو يتكلم جاءوا من دار رئيس المجمع قائلين ابنتك ماتت لماذا تتعب المعلم بعد
    36 فسمع يسوع لوقته الكلمة التي قيلت فقال لرئيس المجمع لا تخف امن فقط
    37 و لم يدع احدا يتبعه الا بطرس و يعقوب و يوحنا اخا يعقوب
    38 فجاء الى بيت رئيس المجمع و راى ضجيجا يبكون و يولولون كثيرا
    39 فدخل و قال لهم لماذا تضجون و تبكون لم تمت الصبية لكنها نائمة
    40 فضحكوا عليه اما هو فاخرج الجميع و اخذ ابا الصبية و امها و الذين معه و دخل حيث كانت الصبية مضطجعة
    41 و امسك بيد الصبية و قال لها طليثا قومي الذي تفسيره يا صبية لك اقول قومي
    42 و للوقت قامت الصبية و مشت لانها كانت ابنة اثنتي عشرة سنة فبهتوا بهتا عظيما
    43 فاوصاهم كثيرا ان لا يعلم احد بذلك و قال ان تعطى لتاكل
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:12 am

    الأصحاح السادس
    اتجاهات نحو شخص المسيح
    إن كان السيد المسيح قد أعلن سلطانه لا على الرياح الملموسة فحسب وإنما على الأرواح النجسة غير المنظورة والموت أيضًا لكن بقى الإنسان يجهله، فأقرباؤه تعثروا به، وهيرودس ظنه المعمدان، حتى تلاميذه سألوه أن يصرف الجمع ليجدوا ما يأكلونه... فدخل بهم في ضيقة الأمواج في سكون الليل الرهيب ليعلن ذاته لهم.
    1. أقرباؤه يعثرون به 1-6.
    2. إرساليته للتلاميذ 7-13.
    3. موقف هيرودس منه 14-29.
    4. التلاميذ والجموع الجائعة 30-40.
    5. التلاميذ والأمواج 41-53.
    6. التعرف عليه 54-56.
    1. أقرباؤه يعثرون به
    سبق فرأينا أقرباؤه يأتون إليه ليمسكوه قائلين: إنه مختل العقل (مر 3: 21)، ومع ذلك إذ شفى نازفة الدم وأقام ابنة يايرس من الموت يقول الإنجيلي: "وخرج من هناك وجاء إلى وطنه وتبعه تلاميذه، ولما كان السبت ابتدأ يعلم في المجمع" [1]. لقد جاء إليهم بالرغم من معرفته أنهم يحتقروه ويهاجموه... من جانبه يفتح قلبه بالحب حتى لرافضيه، وإن كان لا يُلزم رافضيه بقبوله قسرًا!
    لقد تعثروا واستخفوا بأمره لسببين هما أصله العائلي وعمله كنجار أو عامل، إذ يقول الإنجيلي: "كثيرون بهتوا قائلين: من أين لهذا هذه؟ وما هذه الحكمة التي أعطيت له حتى تجرى على يديه قوات مثل هذه؟ أليس هذا هو النجار ابن مريم وأخو يعقوب ويوسى ويهوذا وسمعان؟ أو ليست أخوته ههنا عندنا؟ فكانوا يعثرون به. فقال لهم يسوع: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته" [2-4].
    يلاحظ في هذا النص الآتي:
    أولاً: لعل الكنيسة الأولى قد تحيرت كيف أن المسيا اليهودي الذي فيه تتحقق النبوات الصريحة في العهد القديم يرفضه اليهود هكذا بشدة، لكنها قد وجدت في هذا الرفض إحدى علامات المسيا الحقيقي، إذ فيه تتحقق أيضًا النبوات، إذ يقول إشعياء النبي: "ويكون مقدسًا وحجر صدمة وصخرة عثرة لبيتي إسرائيل، وفخًا وشركًا لسكان إسرائيل فيعثر بها كثيرون ويسقطون فينكسرون ويعلقون فيُلقطون" (إش 8: 14-15). لقد آمنت الكنيسة الأولى أن هذا الاتجاه اليهودي كان جزءً من عناية الله الخفية التي سمح بها الرب في صهيون (إش 28: 16) لكي خلال تعثر اليهود في حجر الزاوية يقبل الأمم الخلاص، إذ بذلتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم (رو 11: 11). يقول الرسول: "فإنهم اصطدموا بحجر الصدمة، كما هو مكتوب: "ها أنا أضع في صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة وكل من يؤمن به لا يخزى" (رو 9: 33)، كما يقول آخر: "لهذا يُتضمن أيضًا في الكتاب: هانذا أضع في صهيون حجر زاوية مختارًا كريمًا والذي يؤمن به لن يخزى... فالحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية وحجر صدمة وصخرة عثرة، الذين يعثرون غير طائعين للكلمة، الأمر الذي جُعلوا له" (1 بط 2: 6-Cool.
    يقول بعض الدارسين أن إنجيل مار مرقس في كليته يهتم بإبراز هذه الصدمة أو العثرة في حجر الزاوية، كاشفًا سرها ألا وهو عمى البشرية وارتكابهم الخطية، كما يظهر من تفاسيرهم الشريرة لأعماله المقدسة (مر 3: 21-22)، والمشاورات المستمرة لمقاومته وقتله (مر 2-3). هذه كلها إنما كانت تمثل ظلال الصليب الذي ينطلق إليه ليحمله أو بمعنى آخر من أجله جاء إلى العالم.
    الآن إذ اقتربت نهاية خدمته في الجليل وقف خاصته يجحدونه. حقًا لم يستطع أهل الناصرة أن ينكروا أعماله الفائقة وحكمته العلوية لكنهم وهم مندهشون تعثروا كيف يؤمنون بمن يعرفون أصله وعائلته التي في وسطهم بينما يتوقع الكل مجيء المسيا على السحاب قادمًا من السماء! لقد بهتوا وتساءلوا لكن لا ليتعرفوا على الحق ويؤمنوا به إنما لأجل المقاومة في ذاتها. أما السبب الثاني للعثرة فهو عمله كنجار، وفي الأصل اليوناني تعني كلمة "نجار Tekton" عاملاً في الحجارة أو الخشب أو المعدن، وهي كالكلمة العبرية charasch، إذ كان يصنع النير والمحاريث. فهو في نظرهم يمارس أعمالاً حقيرة، ليس برئيس كهنة ولا فريسي أو كاتب الخ. بمعنى آخر عارفين بأصله وعمله!
    ما تعثر فيه اليهود هو موضع إعجابنا فإننا بالحق ندرك محبة الله الفائقة إذ لم يأت كلمة الله إلينا خلال السحاب وإنما خلال التواضع، حّل بيننا ومارس عملنا ليشاركنا حياتنا، فنشاركه أمجاده الأبدية. نزل إلينا ليرفعنا إليه!
    ثانيًا: لعل كلمات أقربائه هنا [2-4] تؤكد ما قاله القديس يوحنا الذهبي الفم حين علق على العبارة: "هذه بداءة الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه" (يو 2: 11) بأن السيد المسيح إذ جاء متجسدًا لم يصنع آيات خارقة علنية في طفولته وصبوته، إنما بدأ عمله بتحويل الماء خمرًا في قانا الجليل بعد عماده. بمعنى آخر لم يأتِ السيد ليسحب عقول أقربائه في طفولته وصبوته بأعمال خارقة، لكنه جاء ليخدم ويسحب النفوس لحبه الباذل خلال أعماله الإلهية الفائقة الحب!
    لو أن السيد المسيح قدم أعمالاً فائقة في طفولته أمام أقربائه حسب الجسد لذكروها هنا أيضًا حين أعلنوا دهشتهم من جهة حكمته والقوات التي تجرى على يديه.
    ثالثًا: إذ يدعونه "النجار ابن مريم" يستدل من ذلك أن يوسف النجار قد تنيح في ذلك الحين، وإلا كانوا قد ذكروا اسمه. أما عن دعوة يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان إخوته، فقد استخدم تعبير "إخوة" في الكتاب المقدس إما للإخوة حسب الدم، أو بسبب وحدة الجنسية أو بسبب القرابة الشديدة أو الصداقة. فقد جاء التعبير هنا بسبب القرابة الشديدة كما دعا إبراهيم ابن أخيه لوط "أخاه" (تك 13: Cool، وأيضًا استخدم لابان ذات الكلمة عن زوج ابنته (تك 29: 15). وقد اعتاد اليهود أن يلقبوا أبناء العم أو العمة أو الخال أو الخالة إخوة، إذ غالبًا ما يعيشون معًا تحت سقف واحد. وفي اللغة الآرامية تستخدم نفس الكلمة "أخ" لتعبر عن كل هذه القرابات. لذلك يرى القديس جيروم أن إخوة يسوع هم أولاد القديسة مريم زوجة كلوبا، أخت القديسة مريم العذراء (يو 19: 25).
    رابعًا: المأساة التي عاش فيها هؤلاء الأقرباء أنهم بسبب نظرتهم المادية فقدوا ما تمتع به الغرباء، فقدوا تمتعهم بالسيد المسيح ونوال بركة أعماله، إذ قيل:"ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة، غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم. وتعجب من عدم إيمانهم، وصار يطوف القرى المحيطة يعلم" [5-6].
    لقد تعجب السيد في مرارة لأن عدم إيمانهم حرمهم منه ومن أعماله، إذ لا يعطي السيد الشفاء إلا لمن يريد ولمن يؤمن، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأن السيد لم ينظر إلى إظهار نفسه بل إلى ما هو لنفعهم.] ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: [لكي يتم الشفاء كانت الحاجة إلى أمرين: إيمان المريض وقوة واهب الشفاء، فإن لم يوجد أحد الأمرين يصير الأمر مستحيلاً.] ويقول الأب شيريمون: [يريد أن يهب شفاءه ليس حسب قياس محدد لقوة جلاله، إنما حسب مقاييس الإيمان التي يجدها في كل واحد، أو حسبما يعطي هو بنفسه لكل واحد... لقد توقفت عطايا الله التي لا تحد إذ قيل: "ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة... وتعجب من عدم إيمانهم" (مر 6: 5-6). هكذا يظهر أن جود الله فعلاً يتوقف على طاقة الإيمان، حتى قيل "حسب إيمانكم ليكن لكما" (مت 9: 29)، وقيل لآخر: "اذهب وكما آمنت ليكن لك" (مت 8: 13)، ولآخر: "ليكن لك كما تريدين" (مت 15: 28)، وأيضًا: "إيمانك قد شفاك" (لو 18: 42).]
    يعلق الأب ثيؤفلاكتيوس على قول الإنجيلي: "وصار يطوف القرى المحيطة يعلم" [6] بقوله: [لم يكرز الرب في المدن فقط وإنما في القرى أيضًا معلمًا إيانا ألا نحتقر الأمور الصغيرة، ولا نطلب الخدمة في المدن الكبرى على الدوام، وإنما نلقي بذور كلمة الرب في القرى الفقيرة والمحتقرة.]
    2. إرساليته للتلاميذ
    إن كان أهل وطنه قد رفضوه فإن هذا الرفض لم يوقف محبته نحوهم أو نحو البشرية بوجه، بل "دعا الأثني عشر، وابتدأ يرسلهم اثنين اثنين، وأعطاهم سلطانًا على الأرواح النجسة" [7].
    في الأصحاح الثالث اختار السيد تلاميذه (3: 34) وعاينوا أعماله العجيبة (4: 35، 6: 6)، بعد أن عاشوا معه يشاركونه حياته، والآن إذ يرسلهم يهبهم سلطانًا على الأرواح النجسة. فلا يكفي سماع الكلمة ولا مشاهدة أعماله ولا الوجود معه وملازمته إنما الحاجة أيضًا ملحة لتمتعهم بسلطان لهدم مملكة الشر وإقامة مملكة النور.
    يلاحظ في هذه الإرسالية الآتي:
    أولاً: أرسلهم اثنين اثنين، وذلك كقول الكتاب: "اثنان خير من واحد، لأن لهما أجرة لتعبهما صالحة. لأن إن وقع أحدهما يقيمه رفيقه. وويل لمن هو وحده إن وقع إذ ليس ثانٍ ليقيمه" (جا 4: 9-10). ولعل إرسالهما هكذا لكي ينشغل أحدهما بكلمة الوعظ ويكون الآخر مصليًا له، فتلتحم الكلمة بالصلاة فيكون لها ثمرها. هذا ورقم اثنين كما رأينا قبلاً يشير إلى المحبة، إذ هي إرسالية حب مقدمة من الله للبشر. يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [أرسل الرب تلاميذه للكرازة اثنين اثنين، لوجود وصيتين عن الحب: حب الله وحب قريبنا، والمحبة لا يمكن أن تقوم بين أقل من اثنين. بهذا أعلن لنا أن من ليس له محبة نحو قريبه يلزمه ألا يقبل عمل الكرازة بأية وسيلة ما.]
    الكنيسة هي بيت المحبة لن تستطيع أن تكرز في العالم ما لم تحمل روح الحب في خدامها وكل شعبها. خلال هذا الحب يتمجد الله مباركًا كل عمل مهما بدا صغيرًا، وبدون المحبة تفقد الخدمة كل طاقتها وثمارها.
    ثانيًا: "أعطاهم سلطانًا على الأرواح النجسة" [7]. إن كان عدو الخير قد ملك على قلب الإنسان فالحاجة ملحة للسلطان ضد هذا العدو. بمعنى آخر المعركة الحقيقية موقعها القلب وطرفاها الله والشيطان، ليست ثمة عداوة بين التلاميذ وأي إنسان مهما كان شريرًا أو مقاومًا، إنما العداوة ضد عدو الخير نفسه الذي يخدع القلوب ويحوّلها لحسابه.
    ثالثًا: "وأوصاهم أن لا يحملوا شيئًا للطريق غير عصا فقط" [8]. إن كان السيد المسيح وهبهم سلطانًا على الشياطين كمنحة منه للعمل، فمقابل هذه العطية الإلهية سألهم أن يعلنوا ثقتهم فيه بعدم الاهتمام باحتياجات هذا العالم، فتكون كرازتهم لا بالفم وحده، وإنما بتجردهم وثقتهم بالله الذي يعولهم ويهتم بهم. يقول القديس أمبروسيوس: [يُظهر الإنجيل صفات الكارز بملكوت الله... فإنه إذ لا يطلب عونًا من موارد هذا العالم ويسلم نفسه للإيمان، يدرك أنه كلما ترك طلب خيرات الأرض ازدادت بالنسبة له.]
    لم تكن الوصايا حرفية لكنها تحمل مفاهيم روحية عميقة، فعندما أوصى تلاميذه ألا يحملوا عصا (مت 10: 10) يتكئون عليها في الطريق، أو يستخدموها للدفاع عن أنفسهم حتى ضد الكلاب التي تجول في القرى والحقول أراد أن يُعلن أنه عصاهم، يتكئون عليه بقلوبهم، ويختفون فيه ليسندهم على الدوام. لكنه هنا يسمح لهم بالعصا ربما إشارة إلى الصليب، إذ لا تقوم الكرازة ما لم يحمل الكارز عصا الصليب، مشاركًا سيده في آلامه وصلبه .
    يرى البعض أن السيد المسيح منع تلاميذه من حمل أي شيء حتى العصا من أجل الكمال، لكنه سمح بها من أجل الضعف كأن يكون الكارز مريضًا أو شيخًا ضعيف الجسم يحتاج إلى عصا يرتكز عليها.
    رابعًا: "لا يحملوا مزودًا ولا خبزًا ولا نحاسًا في المنطقة" [8]، ليكون الرب نفسه هو طعامهم وشرابهم وغناهم.
    لعل المزود يشير إلى ثقل أتعاب هذه الحياة، والخبز إلى مباهجها، أما النحاس في المنطقة فيشير إلى دفن المواهب، وكأنه لا يليق بالكارز وقد اهتم كطبيب روحي بخلاص إخوته أن يرتبك بثقل هموم هذه الحياة، ولا تجتذبه ملذاتها، كما لا يليق به دفن مواهبه التي تقبلها من يدي خالقه.
    يقول القديس يوحنا سابا: [كما أن النار لا تثبت في الماء هكذا معرفة الله لا تثبت في القلب المشتبك بشهوات العالم]، [ليس من رذل العالم بالكمال إلا ذاك الذي تتقد فيه نارك دائمًا يا رب.]
    هذا ونلاحظ أن الوصية بالنسبة للتلاميذ مشددة، فلا يحملوا حتى المزود الذي فيه الضرورات، ولا الخبز وهو أساسي في الطعام، ولا نحاسًا في المنطقة، إذ أعتاد اليهود أن يحملوا العملات الصغيرة في منطقة. إنه يمنعهم من قليل القليل.
    خامسًا: أوصاهم أن يكونوا مشددين بنعال، ولا يلبسوا ثوبين [9]. فقد اعتاد اليهودي أن يلبس خمسة أشياء هي:
    أ. القميص أو اللباس الداخلي.
    ب. الرداء الخارجي أو عباءة أو شملة، يرتديها في النهار ويتغطى بها ليلاً.
    ج. المنطقة تربط على القميص والرداء معًا.
    د. اللباس للرأس، أي عمامة بيضاء أو زرقاء أو سوداء.
    ه. النعل أو الصندل.
    يطالبهم السيد بأن يشدوا نعالهم، لعل هذه الوصية تشير إلى التحرك المستمر والعمل الكرزاي غير المنقطع، فيكون الكارز سائرًا بنعليه بغير توقف، خاصة وأن طريق الكرازة مملوء بالأشواك. ويرى البعض أن شدّ النعال الداخلية للقلب يشير إلى الاستنارة للتعرف على طريق الرب كقول المرتل: "سراج لرجليكلامك ونور لسبيلي"، فلا تتسخ أعماقنا بتراب هذا العالم ودنسه.
    هكذا يليق بالكارز أن يشد الحذاء الداخلي الحق، بعد أن يخلع نعليه القديمين، متخليًا عن جلد الحيوانات الميتة التي منها تُصنع النعال، فيصير كموسى النبي الذي خلع نعليه في الأرض المقدسة ليرى العليقة النارية ويقبل دعوة الله للعمل القيادي الروحي (خر 3)
    ينهينا السيد المسيح عن ارتداء ثوبين، فإن من لبس المسيح لا يليق به أن يلبس العالم كثوبٍ يرتديه. من اختفى في الرب مقدسًا لا يعود يلبس محبة الزمنيات.
    سادسًا: "وقال لهم: حيثما دخلتم بيتًا فأقيموا فيه، حتى تخرجوا من هناك" [10]. أراد بهذه الوصية ألا تشغلهم المجاملات ومحبة الإخوة العاطفية عن جدية العمل الكرازي، فإن كانت البيوت تفتح بالحب من أجل الساكن فيهم، فيليق بهم ألا ينحرفوا عن غايتهم الروحية، ولا يتكاسلوا عن رسالتهم الأصلية، ألا وهي البلوغ بكل نفس إلى حضن الآب.
    ما هو هذا البيت الذي دخلناه ويلزم أن نقيم فيه حتى نخرج من هناك إلا الحياة الإنجيلية الكنسية؟ فإنها حياة ملائكية، قبلناه كبيت روحي، نعيش فيه لنحيا في السماوات، لا نترك هذه الحياة حتى نخرج من العالم لننعم بالسماوات عينها.
    سابعًا: "وكل من لا يقبلكم ولا يسمع لكم، فأخرجوا من هناك، وانفضوا التراب الذي تحت أرجلكم شهادة عليهم" [11].
    نفض التراب إنما يعني أن الكارز قد احتمل مشاق الطريق الطويل، وقد صار تراب الطريق نفسه شاهدًا على رافضي الكلمة. وربما يعني أنهم لم يتقدموا إليهم بالكرازة لغرض مادي، فإنه حتى التراب الذي لصق بأرجلهم أثناء قدومهم إليهم ينفضونه على عتبة أبوابهم. إنهم يتركون لهم كل شيءٍ شهادة عليهم.
    يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في هذا التصرف "علامة مرعبة"، تجعل التلاميذ لا يفقدون جراءتهم بل يزدادون شجاعة، فإنهم يعلنون أنهم ينفضون كل ما هو مادي، يتركون لهم ترابهم وفكرهم الأرضي، ليعيشوا ملتصقين بما هو سماوي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأن هذا الفكر يقوم على ما اعتاده اليهود قديمًا حينما كانوا ينطلقون خارج فلسطين، ففي عودتهم إليها ثانية ينفضون الغبار قبيل دخولهم الأرض المقدسة، ليعلنوا أنهم عادوا إلى أرض الموعد، لا يحملون دنس العالم الوثني وترابه، بل هم بالحق محبون للقداسة.
    يعلق القديس أمبروسيوس على هذا التصرف في تفسيره إنجيل لوقا بالقول: [يأمرنا الرب أن نترك من كان إيمانه سقيمًا أو كان البيت هرطوقيًا فنهرب منه. يجب أن ننفض غبار أرجلنا حتى لا يعوق جفاف الأرض الملتوية النابع عن إيمان سقيم مجدب كالأرض البور الرملية طريقك الروحي. فإن كان من واجب الكارز بالإنجيل أن يأخذ على عاتقه ضعفات المؤمنين الجسدية، ويحملها بعيدًا، ويسحق تحت قدميه أعمالهم البطالة الشبيهة بالغبار، كما هو مكتوب: "من يضعف وأنا لا أضعف" (2 كو 11: 51)، فإنه يلزم المؤمن أيضًا أن يبتعد عن الكنيسة التي ترفض الإيمان، المبنية على أساس غير الإيمان الرسولي لئلا ينخدع ويضلله الإيمان السقيم، هذا ما يؤكده الرسول بقوله: "الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه" (تي 3: 10).]
    ثامنًا: تمم التلاميذ الإرسالية بنجاح، إذ يقول الإنجيلي: "فخرجوا وصاروا يكرزون أن يتوبوا. وأخرجوا شياطين كثيرة، ودهنوا بزيت مرضى كثيرين فشفوهم" [12-13]. كان محور كرازتهم "ملكوت السماوات"، طريقه التوبة الصادقة النابعة عن الإيمان بالسيد الذي يملك في القلب، أما ثمر هذه الكرازة فهو شفاء النفس والجسد. تُشفى النفس بإخراج الشياطين، ويُشفى الجسد بموهبة الشفاء خلال الدهن بالزيت.
    ويلاحظ في كلمات الإنجيلي أن عملية الدهن بالزيت لم تكن عملية فردية قام بها تلميذ دون آخر، بل هو عمل جماعي، قام به التلاميذ جميعًا أثناء عملهم الكرازي. فلابد أن تكون هناك وصية إلهية ألزمتهم بها عند إرسالهم. هذه الوصية كشفها معلمنا يعقوب في رسالته إذ يقول: "أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة ويدهنوه بزيت..." (يع 5: 14). يقول أحد الدارسين أنه واضح من النص أن الشفاء لم يكن يتم كأثر طبيعي للزيت، إنما كان دهن الزيت يمارس كعمل سري خارق مثله مثل وضع الأيدي. ويقول البعض انه ليس ثمة ما يجعلنا ننكر أن التلاميذ قد مارسوا هذا العمل وربما السيد نفسه، لكننا لم نسمع عن السيد أنه مارس هذا العمل.
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:13 am

    . موقف هيرودس منه
    سمع هيرودس انتيباس عن السيد المسيح وأعماله العجيبة، فظن أن يوحنا المعمدان الذي قتله ثمنًا لرقصة فتاة في يوم ميلاده قد قام. هذا الفكر على ما يظن كان شائعًا عند اليهود، أن بعض القديسين خاصة الذين يستشهدون يقومون مرة أخرى في هذا العالم بعد أن يهبهم الله سلطانًا خاصًا بعمل القوات. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن ظنون هيرودس هذه تكشف عما يجول في أعماقه، فإن كان قد سلم صوت الحق للسيف، وقدم رأس يوحنا لراقصة، لكن بقي يدوي في أعماقه بلا هدوء، يلازمه بلا توقف!
    على أي الأحوال يكشف لنا الإنجيلي مرقس عن ثلاثة اتجاهات في النظرة نحو شخص السيد:
    أ. نظرة الخائفين كهيرودس، فقد ظن أن الذي قتله قد قام، ومع هذا لم يقدم توبة بل كمل طريق شره والتصق بامرأة أخيه فيلبس في حياته. وقد سماه السيد المسيح ثعلبًا (لو 13: 32)، وكان أحد القضاة الذين مثل يسوع أمامهم (لو 32: 7-12).
    ب. نظرة الماديين، فقد جاء السيد المسيح للخلاص، وبالرغم من الأعمال الفائقة التي قدمها تشهد له قالوا أنه إيليا [15]، إذ كان هؤلاء الماديون يتوقعون مجيء إيليا قبل المسيا ليمهد له الطريق، حيث يأتي المسيا على السحاب علانية ويرد المُلك لإسرائيل على مستوى زمني مادي، فيه يخضع العالم كله لليهود.
    ج. نظرة اليائسيين، هؤلاء الذين في يأسهم عاش إسرائيل قرابة 300 عامًا بلا نبي ظنوا في السيد أنه أحد الأنبياء [16].
    هذه النظرات الثلاث لم تبلغ الحق، ولا أدركت شخص المسيا، فالحاجة إلى الله نفسه الذي يهب الإعلان في الداخل، ويكشف عن الحق السماوي.
    إذ استعرض الإنجيلي هذه النظرات قدم لنا قصة استشهاد القديس يوحنا المعمدان بواسطة هيرودس الملك [16-29].
    هيرودس هذا هو هيرودس أنتيباس بن هيرودس الكبير من زوجته مالثاكي السامرية، وقد وقف القديس يوحنا المعمدان يصرخ أمام الدعارة العلنية التي مارستها عائلة هيرودس الكبير الذي تزوج عشرة نساء وكان له أبناء كثيرون، وتحولت الحياة الزوجية عن قدسيتها إلى مؤامرات وفتن لاغتصاب المُلك، نذكر على سبيل المثال:
    أ. تزوج ابنة فيلبس (الذي من مريم البوستين) هيروديا ابنة أخيه أرستوبولس (من مريم المكابية).
    ب. تزوج فيلبس الآخر (الذي من كليوباترة أورشليم) بسالومي ابنة أخيه فيلبس السابق ذكره.
    ج. تزوج هيرودس أنتيباس (الذي من مالثاكي السامرية) من هيروديا زوجة أخيه فيلبس وهو حيّ، هذه التي رقصت ابنتها سالومي في عيد ميلاده وطلبت رأس يوحنا المعمدان لتستريح والدتها من صوته، وللتأكد أن هيرودس لن يؤنبه ضميره فيما بعد بسبب هذا الصوت فيطلقها.
    فيما يلي رسم مبسط لهذه الزيجات:
    هيرودس الكبير
    كليوباترا مالثاكي السامرية مريم البوستين مريم المكابية دورس
    فيلبس أرخيلاوس هيرودس فيلبس ارستوبولس اسكندر أنتيباس
    (تزوج سالومي) (تزوج هيرودا) (تزوج هيروديا) (قتله أبوه) (قتله أبوه) (قتله والده)
    سالومي هيروديا
    قصة استشهاد القديس يوحنا المعمدان على يدّي هيرودس لم تكن مخفية بل عرفها الكثيرون، وسجلها لنا المؤرخ اليهودي يوسيفوس، لكنه لم يسجل أنها ثمن رقصة سالومي ابنة هيروديا، إنما سجل ما أشيع في ذلك الوقت أنه خشى من تحريض القديس يوحنا للشعب اليهودي وإثارته لمشاعر الجماهير ضد الملك، أي قتله بتهمة إثارة الفتنة.
    في عيد ميلاده عوض أن يُخرج يوحنا من السجن إذ اُسلم بخيانة على ما يبدو من اليهود أنفسهم اهتم بإقامة وليمة رقصت فيها سالومي ابنة هيروديا، فلطخت يوم ميلاده بسفك دم بريء، إذ طلبت يوحنا المعمدان على طبق لتسلمه لأمها!
    يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [كان أسيرًا بواسطة شهوته حتى قدم مملكته ثمنًا لرقصة. بينما كان يجب عليه أن يشكر الله، إذ جاء به في مثل هذا اليوم إلى النور (يوم ميلاده) تجاسر بارتكاب هذه الأعمال الشريرة. وبينما كان ينبغي عليه أن يحرر من هم في القيود، إذا به يضيف إلى القيود قتلاً.]
    يحذرنا القديس أمبروسيوس من الولائم الخليعة فيقول: [قُطعت رأس يوحنا سابق المسيح كرغبة راقصة، فصار مثلاً لإغراءات الرقص بكونها أكثر ضررًا من جنون الغضب الذي يدنس المقدسات.]
    ويرى العلامة أوريجينوس في سجن النبي وقتله إشارة إلى ما فعلته الأمة اليهودية إذ أرادت أن تكتم النبوات وتقيد عملها، وظنت أنها قادرة على منع تحقيقها بموت المسيا.
    في وسط ملذات الوليمة وإغراءات الرقصات الماجنة أقسم هيرودس لصبية أن يقدم لها ولو نصف مملكته، فصار قاتلاً للقديس يوحنا المعمدان. لهذا يحذرنا القديس يوحنا الذهبي الفم من القسم، قائلاً: [تأمل ما عانته الأسباط بسبب القسم بخصوص سبط بنيامين (قض 21: 5-10)، وما عاناه شاول بسبب قسمه (ا صم 14: 24)، فقد أضر شاول نفسه، أما هيرودس ففعل ما هو أشر من الأذية، إذ صار قاتلاً. تعلمون أيضًا ما حدث مع يشوع عندما أقسم بخصوص الجبعونيين (يش 9). بالحق أن القسم هو فخ الشيطان. لنفك حباله ولنتحرر منه، لنحل كل شراكه وننطلق من فخ الشيطان هذا.]
    على أي الأحوال دفع هيرودس دم القديس يوحنا المعمدان ثمنًا لاغتصاب امرأة أخيه ولأجل إراحة ضميرها من جهة عرس أثيم، أما السيد المسيح فدفع دمه ثمنًا ليسترد عروسه من عدو الخير.
    يقارن البعض بين القديس يوحنا المعمدان وهيرودس من جوانب متعددة:
    أولاً: كلاهما شخصية عامة، لكن يوحنا يؤدي عمله من واقع أعماقه الداخلية الملتهبة حبًا نحو الآخرين وشوقًا لخلاصهم، وأما الثاني فيمارس عمله كابن هيرودس الكبير ورث نصيبًا من مملكته يحمل في قلبه كبرياء وأنانية، يود أن يتمركز الكل حوله لتمجيده وخدمته.
    ثانيًا: تعرف الاثنان على السيد المسيح، الأول بالإيمان وهو في أحشاء أمه والتقى به، فتهلل وفرح حين زارت القديسة مريم اليصابات (لو 1: 44)، أما الثاني فأرسله إليه بيلاطس عند محاكمته، وكان كل همه أن يرى آية لا أن يتمتع به (لو 23: 7-9).
    ثالثًا: آمن كلاهما بالقيامة من الأموات، الأول من أجل القيامة سلم حياته للموت في شجاعة، والثاني إيمانه بالقيامة جعله يرتعب خشية أن يكون يوحنا قد قام!
    رابعًا: استلم كلاهما رسالة من السيد المسيح، الأول استلمها خلال تلميذيه اللذين أرسلهما إليه ليسألاه "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر"؟ (مت 11: 3)، وقد مدحه السيد بقوله: "نعم أقول لكم وأفضل من نبي، فإن هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان" (مت 11: 9-11)، أما الرسالة التي وجهها السيد لهيرودس فهي: "امضوا وقولوا لهذا الثعلب: ها أنا أخرج شياطين، وأشفي اليوم وغدًا وفي اليوم الثالث أكمل" (لو 13: 32)، إذ تقدم بعض الفريسيين للسيد يطلبون منه أن يخرج من هناك لأن هيرودس يريد أن يقتله.
    خامسًا: مات كلاهما في سجنه، الأول استشهد في سجنه لإعلانه كلمة الحق، والثاني أغرته زوجته على الذهاب إلى روما يطلب من الإمبراطور كاليجولا أن يمنحه لقب الملك، فغضب عليه ونفاه إلى ليون ثم إلى أسبانيا، وفي منفاه أو سجنه مات.
    4. التلاميذ والجموع الجائعة
    بعد أن روى الإنجيلي قصة استشهاد يوحنا المعمدان، ذكر اجتماع الرسل بالسيد المسيح يخبرونه بكل شيء، كل ما فعلوا وكل ما عملوا، "فقال لهم: تعالوا أنتم منفردين إلى موضع خلاء واستريحوا قليلاً، لأن القادمين والذاهبين كانوا كثيرين، ولم تتيسر لهم فرصة للأكل" [31].
    إن كان السيد هو الذي اختارهم له تلاميذه ودعاهم ثم أرسلهم فإنه يليق بهم من حين إلى آخر أن يختلوا به يحدثونه بكل شيء يمس الخدمة ليكون هو القائد الحقيقي لهم في كل تصرفاتهم. لقد أخذهم معه على إنفراد في موضع خلاء ليجدوا فيه راحتهم وطعامهم. هكذا تمتزج حياة الخدمة بالتأمل بغير انقطاع، كل منهما تدفع الأخرى وتسندها.
    والعجيب أنه إذ انطلق بهم إلى موضع خلاء بحثت عنه الجموع وجرت وراءه. وكأنه قد مزج خلوة التلاميذ بالخدمة، لأن راحتهم الحقيقية هي في راحة النفوس المتعبة.
    يعلق الأب ثيؤفلاكتيوس على بحث الجماهير عنه والتفافهم حوله، قائلاً: [هل تنتظر المسيح يدعوك؟ ارجع إليه وامتثل أمامه!]
    إذ لم يتيسر للتلاميذ فرصة للأكل انطلقوا مع السيد في موضع خلاء، وهناك أيضًا لم تتيسر لهم الفرصة، فقد اجتمعت الجماهير حوله، ونسي التلاميذ جوعهم، وسألوا من أجل الجمع، إذ تقدموا للسيد قائلين: "الموضع خلاء والوقت مضى. اصرفهم لكي يمضوا إلى الضياع والقرى حوالينا، ويبتاعوا لهم خبزًا، لأن ليس عندهم ما يأكلونه" [35-36]. يا للعجب حتى التلاميذ لم يعرفوا بعد أن الحاّل في وسطهم هو "خبز الحياة" القادر أن يشبع العالم كله! كان يليق بهم أن يذكروا أعماله معهم، كيف أعطاهم سلطانًا على الأرواح النجسة ليخرجوها، وأن يدهنوا مرضى بزيت فيشفوهم وأنه في وسط كرازتهم لم يعوزهم شيئًا. حسن أن يطلب التلاميذ من أجل الشعب، لكن كان يليق أن يؤمنوا أنه قادر على إشباعهم، وأنه لن يصرفهم جائعين!
    أما عن معجزة إشباع الخمسة آلاف رجل بسمكتين وخمسة أرغفة، فقد سبق لنا الحديث عنها (مت 14: 14-21)، غير أنه يمكننا أن نذكر هنا:
    أولاً: تشير الخمسة أرغفة إلى شخص السيد المسيح، إذ هو الخبز الحيّ النازل من السماء (يو 6: 41)، أما رقم خمسة فتشير إلى السيد من حيث أن كلمة "يسوع" في اليونانية خمسة حروف، وأن كل لوحة من لوحي الشريعة حملت خمس وصايا حسب الطقس اليهودي، والحجاب الذي يغطي قدس الأقداس يقوم على خمسة أعمدة (خر 26: 37)، وأن خمسة كهنة أختيروا في البرية "هرون وناداب وأبيهو وأليعازار وأثامار" (خر 28 الخ.) هكذا يتقدس السيد كخبز حيّ مشبع، وككلمة الله ورئيس الكهنة الحقيقي الخ.
    في نفس الوقت كانت الجموع خمسة آلاف رجل، لأن رقم 1000 يشير إلى الروح أو الحياة الروحية أو السماء أو الفكر السماوي، بينما رقم 5 يشير أيضًا إلى الكنيسة المجتمعة حول المسيح، فقد شبهها السيد بالخمس عذارى الحكيمات (مت 25).
    ثانيًا: يرى بعض الدارسين أن القديس مرقس يعرض معجزة إشباع الجموع بطريقة تقترب من العشاء الأخير أو سرّ الإفخارستيا، وكأن السيد المسيح خلال هذه الوليمة المسيحانية يسحب قلوب تلاميذه لا إلى شبع جسدي، ولكن إلى وليمته الفصحية، لينعموا بجسده ودمه الأقدسين كسرّ حياة أبدية وثبوت فيه، وبالتالي ينعموا بالوليمة السماوية الأبدية كتمتع بشركة المجد الأبدي.
    إشباع الجموع لم يكن مجرد معجزة بين آلاف المعجزات التي صنعها ربنا يسوع، ولم يكن غايتها مجرد الإعلان عن حبه وحنانه نحو الجماهير الجائعة، لكن كان له مدلول خاص بها، وهو أن الحاّل في وسطهم هو المسيا المنتظر الذي أعلن عنه الناموس والأنبياء كواهب الشبع. ففي القديم قيل عن العصر المسياني خلال الرمز والنبوة: "أمطر عليهم منًا، وبرّ السماء أعطاهم، أكل الإنسان خبز الملائكة، أرسل عليهم زادًا للشبع" (مز 78: 24-25). كما قال المرتل عن مسيح الرب: "طعامها أبارك بركة، مساكينها أشبع خبزًا" (مز 132: 15). وكانت مائدة خبز الوجوه الذهبية أساسية في خيمة الاجتماع رمز المسيا مشبع النفوس المقدسة. وفي سفر الملوك الثاني (4: 42-44) إذ جاء رجل من بعل شليشة بخبز باكورة عشرين رغيفًا من شعير وسويقًا في جرابه لرجل الله اليشع النبي، أصدر الله أمره بتقديم هذا الزائد لمئة رجل ليأكلوا ويفيض عنهم. هذه الأمور جميعًا كانت أشبه بالإصبع الذي يشير نحو المسيا المشبع للنفس والجسد معًا. لكن ما يفعله المسيا هنا يفوق الرمز والظل ليؤكد أنه صاحب المائدة المسيانية الفريدة التي اشتهاها الآباء والأنبياء، والتي تشتهي الملائكة أن تطلع عليها. وما يقدمه السيد هنا علانية أمام الجماهير إنما ليسحب خاصته للمائدة الإفخارستية، فينعموا بجسده ودمه المبذولين حياة أبدية لمن يتناول منه.
    ثالثًا: قبل أن يعرض الإنجيلي مرقس عمل السيد المسيح الفائق في إشباعه هذه الجماهير أعلن رعاية السيد للشعب وحنانه بقوله: "فلما خرج يسوع رأى جمعًا كثيرًا، فتحنن عليهم إذ كانوا كخراف لا راعى لها، فابتدأ يعلمهم كثيرًا" [34]. كأن الإنجيلي يعود بنا إلى ما أعلنه حزقيال النبي أن الله نفسه يتسلم رعاية شعبه بعد أن تركه الرعاة بلا رعاية، إذ يقول: "فلذلك أيها الرعاة اسمعوا كلام الرب حيّ، أنا يقول السيد الرب من حيث أن غنمي صار غنيمة وصارت غنمي مأكلاً لكل ووحش الحقل إذ لم يكن راع ولا سأل رعاتي عن غنمي ورعى الرعاة أنفسهم ولم يرعوا غنمي، فلذلك أيها الرعاة اسمعوا كلام الرب... هكذا قال السيد الرب هأنذا اسأل عن غنمي، وأفتقدها كما يفتقد الراعي قطيعه يوم يكون في وسط غنمه المشتتة، هكذا أفتقد غنمي، وأخلصها من جميع الأماكن التي تشتت إليها في يوم الغيم والضباب" (حز 34: 7-12). فبمجيء المسيّا المنتظر انتهى يوم الغيم والضباب، وجاء كلمة الله نفسه يفتقد شعبه المشتت ويرده بالحب إليه.
    رابعًا: في دراستنا لإنجيل متى رأينا أن السمكتين هنا تشيران إلى العهد الجديد والعهد القديم، يقدمهما لنا كلمة الله الحي لإشباع نفوسنا، كما يشيران إلى الحب (رقم 2)، الذي هو "الشركة مع الله الحب الحقيقي". أما العشب الذي اتكأ عليه الجماهير فهو الجسد الذي كان يتكل عليه اليهود مثل النسب الدموي لإبراهيم أبيهم وختان الجسد، فإننا لا نستطيع أن ننعم بالمائدة المسيحانية ما لم نُخضع هذه الأمور تحتنا، فلا نستعبد لها بالحرف القاتل. أما اتكاؤهم رفاقًا، صفوفًا صفوفًا، مئة مئة، وخمسين خمسين [39-40] فيشير إلى الكنيسة الواحدة التي وإن اجتمعت على المستوى المحلي صفوفًا صفوفًا، لكنها تتمتع بمسيحٍ واحٍد وطعامٍ واحدٍ خلال ذات الفكر الرسولي الواحد. أما اتكاؤهم خمسين خمسين، فكما تحدثنا كثيرًا عن هذا الرقم كرمز للحلّ من الخطية بالروح القدس الذي تمتعت به الكنيسة يوم الخمسين. فإن الكنيسة في جوهرها هي جماعة الله المتحررة من خطاياها بروحه القدوس لتحيا ببرّ المسيح يسوع ربنا.
    5. التلاميذ والأمواج
    بالرغم من الأعمال العجيبة التي قدها السيد المسيح لشعبه تعثر أقرباؤه فيه ولم يعرفوه، إذ في استخفاف قالوا: "أليس هذا هو النجار ابن مريم وأخو يعقوب ويوسى ويهوذا وسمعان؟" [3] فخلال الضمير المعذب ظن هيرودس أن يوحنا المعمدان قام من الأموات [14]، وخلال الشوق للمُلك المسيحاني المادي حسبه البعض إيليا [15]، وأخيرًا خلال الحنين لروح النبوة التي حُرم منها إسرائيل حوالي 300 عامًا ظنه البعض أحد الأنبياء [15]. لذلك قدم السيد عملين يكشفان عن حقيقته لمن له البصيرة الروحية الصادقة، العمل الأول إشباع الجموع بطريقة فريدة تكشف أنه واهب الوليمة المسيحانية التي طالما اشتهاها الأنبياء، وأعلن عنها الناموس خلال الرمز، وأما العمل الثاني فهو مشيه على البحر ليلتقي بتلاميذه الخائفين، إذ يقول الإنجيلي: "وبعدما ودّعهم مضى إلى الجبل ليصلي. ولما صار المساء كانت السفينة وسط البحر وهو على البر وحده. ورآهم معذبين في الجذف، لأن الريح كانت ضدهم، ونحو الهزيع الرابع من الليل أتاهم ماشيًا على البحر وأراد أن يتجاوزهم. فلما رأوه ماشيًا على البحر ظنوه خيالاً فصرخوا" [46-49]. ويلاحظ في هذا العمل الآتي:
    أولاً: في معجزة إشباع الجموع كشف لهم عن ذاته أنه الخالق الذي يرعى قطيعه (حز 34) ويهتم به. وفي نفس الوقت هو الخبز الحيّ السماوي المشبع لنفوس أولاده، أما في مشيه على البحر فيعلن تحركه المستمر بالحب من أجل شعبه، لينطلق بهم حتى وسط البحار، حاملاً إياهم فيه فلا يغرقون. في القديم بسلطانه الإلهي أمر موسى أن يضرب البحر بالعصا كما بالصليب ليجد شعبه لنفسه طريقًا وسط المياه، فينجو من قبضة إبليس (فرعون وجنوده)، وأمر يشوع أن ينطلق الكهنة بالتابوت إلى نهر الأردن، ليعبر شعبه إلى أرض الموعد. وكأن الله، في محبته للبشرية، يود على الدوام أن يعبر بشعبه من قبضة عدو الخير وينطلق بهم لا إلى أرض الموعد المادية، وإنما إلى الأحضان الإلهية. إن كانت المياه تعوقنا عن الانفلات من يديّ العدو والتمتع بأرض الموعد السماوية، فإن الله نفسه يحملنا ليعبر بنا، إذ قيل عنه: "الباسط السماوات وحده والماشي على أعالي البحار" (أي 9: Cool، "في البحر طريقك وسبُلك في المياه الكثيرة وآثارك لا تعرف" (مز 77: 19)، "الجاعل في البحر طريقًا وفي المياه القوية مسلكًا" (إش 43: 16)
    ثانيًا: تركهم السيد حتى الهزيع الرابع، أي حوالي الساعة الثالثة فجرًا، إذ كان اليهود يقسمون الليل إلى أربعة أقسام كل قسم يسمى هزيع (6-9، 9-12، 12-3، 3-6). تركهم السيد كل هذه الفترة ليس تجاهلاً منه، وإنما لتثبيت إيمانهم فيه، ليعرفوه أنه هو الماشي على المياه، الذي يجعل في البحر طريقًا. تركهم يتدربون على المثابرة وطول الأناة خاصة في الصلاة. وقد تظاهر أنه يتجاوزهم حتى يصرخوا إليه، فيؤكد لهم رعايته ويعلن لهم ذاته.
    لقد دخل السيد سفينة البشرية في الهزيع الرابع ليرد لها سلامها بحلوله في وسطها. فالهزيع الأول هو من سقوط الإنسان الأول حتى الطوفان، والهزيع الثاني من تجديد الخليقة بالطوفان إلى موسى، والثالث من موسى حتى التجسد، أما الرابع فمن تجسد كلمة الله وحلوله في وسطنا بتأنسه حتى مجيئه الأخير. وكأن ما صنعه السيد مع تلاميذه إنما صنعه مع البشرية كلها بظهوره الحقيقي على مياه هذا العالم بتجسده الإلهي ليحل في وسط كنيسته واهبًا إياها سلامًا وسلطانًا على التيارات العنيفة.
    لا تخف أيها العزيز إن كان الليل يحيط بظلامه الدامس حولك، ففي الهزيع الأخير حينما يبدو كل شيء مستحيلاً أمامك يظهر رب المجد مشرقًا بنوره في داخلك. لذلك يقول القديس يوحنا سابا: [الظلام يسبق النور، هكذا ينبغي أن نصبر على التجارب حتى تشرق في نفوسنا معرفة الحق.] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انه لم ينزع الظلمة ولا أعلن ذاته له في الحال بل كما سبق فقلت أنه كان يدربهم على احتمال هذه المخاوف ويعلمهم أن يكونوا مستعدين للألم.]
    ثالثًا: يقول الإنجيلي: "أتاهم ماشيًا على البحر وأراد أن يتجاوزهم" [48]... إن كان قد سبق فألزمهم أن يدخلوا السفينة [45] لكي يجتازوا الضيقة ويصرخوا إليه، الآن حتى في مجيئه إليهم يريد أن يتجاوزهم حتى يطلبوه فيجدوه، ويصرخوا إليه فيسمعوا صوته الحلو: "أنا هو، لاتخافوا" [50]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يعلن المسيح نفسه قبل أن يصرخوا إليه حتى إذا ما ازداد رعبهم يزداد ترحيبهم بقدومه إليهم.] وكأن غاية الضيقة دخولنا إلى حياة الصلاة بالصراخ إلى الله والشركة معه. يحدثنا القديس يوحنا سابا على فاعلية الصلاة، قائلاً: [بالصلاة يختلط العقل بالله، بها يفتح كنوز الله ويقسم ذخائره. بها يستحق نظر مجد الله، ويكون في غمام نور عظمته داخل بلدة الروحانيين. بها يكون الإنسان مسكنًا لله. بها تتحد النفس بالمسيح، وبها تنظر إشراق مجد عظمته. بها تتقد في النفس نار محبة المسيح ويحترق القلب بالشهوة في الله، تلك الشهوة التي تحرق جميع شهوات الأعضاء. بها تبتهج النفس بالحب وتخرج من رتبتها، وينقلع العالم من قلبها.]
    رابعًا: سمعوا صوته: "أنا هو لا تخافوا" فنزع الخوف عنهم. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ عرفوه بصوته فارقهم خوفهم.] ما أحوجنا أن نتعرف عليه وسط الضيقات المرة بسماعنا صوت وصيته الإلهية فينا، فيتجلى في داخلنا وينزع خوفنا عنا.
    6. التعرف عليه
    إذ خرجوا من السفينة يقول "للوقت عرفوه" [54]... فجاءوا إليه بمرضى كثيرين حملوهم إلى الأسواق ليلتقوا معه ويلمسوا ولو هدب ثوبه، "وكل من لمسه شُفي" [56]. بمعنى آخر، إذ يتجلى رب المجد فينا ينزع عنا الأمواج الداخلية لتحيا أعماقنا ملكوتًا له، يسكنه الرب وتشارك قديسيه وملائكته تسابيحهم السماوية غير المنطوق بها. إنها تتلامس معه وتكون كمن قد برئ من مرضه القديم، لتحيا في كمال الصحة بتمتعها بالحياة الفائقة الجديدة، وتحصينها من كل غريب يفقدها مجدها أو حريتها أو سلامها. لهذا يقول القديس يوحنا سابا: [إن كنت غريبًا عن كل اضطراب خارجي تسمع داخلك الروح ينطق بالممجدات.]، [إن نفسك هي أورشليم المفرحة للمسيح فلماذا لا تزال تتردد في أسواق البابليون (المتبلبلين)؟]
    1 و خرج من هناك و جاء الى وطنه و تبعه تلاميذه
    2 و لما كان السبت ابتدا يعلم في المجمع و كثيرون اذ سمعوا بهتوا قائلين من اين لهذا هذه و ما هذه الحكمة التي اعطيت له حتى تجري على يديه قوات مثل هذه
    3 اليس هذا هو النجار ابن مريم و اخو يعقوب و يوسي و يهوذا و سمعان اوليست اخواته ههنا عندنا فكانوا يعثرون به
    4 فقال لهم يسوع ليس نبي بلا كرامة الا في وطنه و بين اقربائه و في بيته
    5 و لم يقدر ان يصنع هناك و لا قوة واحدة غير انه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم
    6 و تعجب من عدم ايمانهم و صار يطوف القرى المحيطة يعلم
    7 و دعا الاثني عشر و ابتدا يرسلهم اثنين اثنين و اعطاهم سلطانا على الارواح النجسة
    8 و اوصاهم ان لا يحملوا شيئا للطريق غير عصا فقط لا مزودا و لا خبزا و لا نحاسا في المنطقة
    9 بل يكونوا مشدودين بنعال و لا يلبسوا ثوبين
    10 و قال لهم حيثما دخلتم بيتا فاقيموا فيه حتى تخرجوا من هناك
    11 و كل من لا يقبلكم و لا يسمع لكم فاخرجوا من هناك و انفضوا التراب الذي تحت ارجلكم شهادة عليهم الحق اقول لكم ستكون لارض سدوم و عمورة يوم الدين حالة اكثر احتمالا مما لتلك المدينة
    12 فخرجوا و صاروا يكرزون ان يتوبوا
    13 و اخرجوا شياطين كثيرة و دهنوا بزيت مرضى كثيرين فشفوهم
    14 فسمع هيرودس الملك لان اسمه صار مشهورا و قال ان يوحنا المعمدان قام من الاموات و لذلك تعمل به القوات
    15 قال اخرون انه ايليا و قال اخرون انه نبي او كاحد الانبياء
    16 و لكن لما سمع هيرودس قال هذا هو يوحنا الذي قطعت انا راسه انه قام من الاموات
    17 لان هيرودس نفسه كان قد ارسل و امسك يوحنا و اوثقه في السجن من اجل هيروديا امراة فيلبس اخيه اذ كان قد تزوج بها
    18 لان يوحنا كان يقول لهيرودس لا يحل ان تكون لك امراة اخيك
    19 فحنقت هيروديا عليه و ارادت ان تقتله و لم تقدر
    20 لان هيرودس كان يهاب يوحنا عالما انه رجل بار و قديس و كان يحفظه و اذ سمعه فعل كثيرا و سمعه بسرور
    21 و اذ كان يوم موافق لما صنع هيرودس في مولده عشاء لعظمائه و قواد الالوف و وجوه الجليل
    22 دخلت ابنة هيروديا و رقصت فسرت هيرودس و المتكئين معه فقال الملك للصبية مهما اردت اطلبي مني فاعطيك
    23 و اقسم لها ان مهما طلبت مني لاعطينك حتى نصف مملكتي
    24 فخرجت و قالت لامها ماذا اطلب فقالت راس يوحنا المعمدان
    25 فدخلت للوقت بسرعة الى الملك و طلبت قائلة اريد ان تعطيني حالا راس يوحنا المعمدان على طبق
    26 فحزن الملك جدا و لاجل الاقسام و المتكئين لم يرد ان يردها
    27 فللوقت ارسل الملك سيافا و امر ان يؤتى براسه
    28 فمضى و قطع راسه في السجن و اتى براسه على طبق و اعطاه للصبية و الصبية اعطته لامها
    29 و لما سمع تلاميذه جاءوا و رفعوا جثته و وضعوها في قبر
    30 و اجتمع الرسل الى يسوع و اخبروه بكل شيء كل ما فعلوا و كل ما علموا
    31 فقال لهم تعالوا انتم منفردين الى موضع خلاء و استريحوا قليلا لان القادمين و الذاهبين كانوا كثيرين و لم تتيسر لهم فرصة للاكل
    32 فمضوا في السفينة الى موضع خلاء منفردين
    33 فراهم الجموع منطلقين و عرفه كثيرون فتراكضوا الى هناك من جميع المدن مشاة و سبقوهم و اجتمعوا اليه
    34 فلما خرج يسوع راى جمعا كثيرا فتحنن عليهم اذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدا يعلمهم كثيرا
    35 و بعد ساعات كثيرة تقدم اليه تلاميذه قائلين الموضع خلاء و الوقت مضى
    36 اصرفهم لكي يمضوا الى الضياع و القرى حوالينا و يبتاعوا لهم خبزا لان ليس عندهم ما ياكلون
    37 فاجاب و قال لهم اعطوهم انتم لياكلوا فقالوا له انمضي و نبتاع خبزا بمئتي دينار و نعطيهم لياكلوا
    38 فقال لهم كم رغيفا عندكم اذهبوا و انظروا و لما علموا قالوا خمسة و سمكتان
    39 فامرهم ان يجعلوا الجميع يتكئون رفاقا رفاقا على العشب الاخضر
    40 فاتكاوا صفوفا صفوفا مئة مئة و خمسين خمسين
    41 فاخذ الارغفة الخمسة و السمكتين و رفع نظره نحو السماء و بارك ثم كسر الارغفة و اعطى تلاميذه ليقدموا اليهم و قسم السمكتين للجميع
    42 فاكل الجميع و شبعوا
    43 ثم رفعوا من الكسر اثنتي عشرة قفة مملوة و من السمك
    44 و كان الذين اكلوا من الارغفة نحو خمسة الاف رجل
    45 و للوقت الزم تلاميذه ان يدخلوا السفينة و يسبقوا الى العبر الى بيت صيدا حتى يكون قد صرف الجمع
    46 و بعدما ودعهم مضى الى الجبل ليصلي
    47 و لما صار المساء كانت السفينة في وسط البحر و هو على البر وحده
    48 و راهم معذبين في الجذف لان الريح كانت ضدهم و نحو الهزيع الرابع من الليل اتاهم ماشيا على البحر و اراد ان يتجاوزهم
    49 فلما راوه ماشيا على البحر ظنوه خيالا فصرخوا
    50 لان الجميع راوه و اضطربوا فللوقت كلمهم و قال لهم ثقوا انا هو لا تخافوا
    51 فصعد اليهم الى السفينة فسكنت الريح فبهتوا و تعجبوا في انفسهم جدا الى الغاية
    52 لانهم لم يفهموا بالارغفة اذ كانت قلوبهم غليظة
    53 فلما عبروا جاءوا الى ارض جنيسارت و ارسوا
    54 و لما خرجوا من السفينة للوقت عرفوه
    55 فطافوا جميع تلك الكورة المحيطة و ابتداوا يحملون المرضى على اسرة الى حيث سمعوا انه هناك
    56 و حيثما دخل الى قرى او مدن او ضياع وضعوا المرضى في الاسواق و طلبوا اليه ان يلمسوا و لو هدب ثوبه و كل من لمسه شفي
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:13 am

    الأصحاح السابع
    الحياة الداخلية
    جاء السيد المسيح إلى العالم لكي يدخل بنا إلى إنساننا الداخلي، فلا نهتم بالشكليات الخارجية والمظاهر، إنما نطلب تجديد إنساننا العميق، لهذا وبخ المهتمين بالوصايا في شكلها دون روحها.
    1. السيد المسيح والغسلات 1-23.
    2. شفاء ابنة المرأة الفينيقية 24-30.
    3. شفاء أصم أعقد 31-37.
    1. السيد المسيح والغسلات
    لام الفريسيون تلاميذ السيد المسيح لأنهم رأوا بعضًا منهم يأكل بأيدٍ غير مغسولة، وقد شرح الإنجيلي كيف كان اليهود يهتمون بغسل الكؤوس والأباريق وآنية النحاس والأسرة وكل ما يأتي من السوق، متمسكين بتقليد الشيوخ.
    لم ينتقد السيد المسيح الغسل في ذاته، لكنه انتقد الانشغال به على حساب الغسل الداخلي، والاهتمام بتقاليد حرفية على حساب الوصية في أعماقها، إذ أجابهم "وقال لهم: حسنًا تنبأ إشعياء عنكم أنتم المرائين كما هو مكتوب: هذا الشعب يكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيدًا. وباطلاً يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس. لأنكم تركتم وصية الله وتتمسكون بتقليد الناس: غسل الأباريق والكؤوس وأمورًا أخر كثيرة مثل هذه تفعلون. ثم قال لهم: حسنًا رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم" [6-9].
    ويلاحظ في حديث السيد المسيح الآتي:
    أولاً: يقدم السيد المسيح لكل إنسان ما يحتاج إليه، فعندما جاءته الجموع البسيطة تحمل المرضى إلى الأسواق مشتاقة أن يلمسوه فيُشفون، وهبهم سؤل قلبهم، وكل من لمسه شُفي (6: 56)، أما جماعة المتعلمين أي الفريسيون فقد جاءوا لا لينالوا شيئًا بل ليتصيدوا أخطاء، فقدم لهم أيضًا ما يحتاجون إليه، إذ كشف لهم جرحهم العميق ليطلبوا طبيبًا قادرًا على شفاء جراحات نفوسهم.
    ثانيًا: هاجم السيد المسيح تمسك اليهود بالشكليات القاتلة تحت ستار الحفاظ على التقليد، إذ كانوا أشبه بمن يكرمون الرب بشفاهم، أما قلوبهم فمبتعدة عن الله. وقد سبق لنا في دراستنا "الأرثوكسية والتقليد" التمييز بين التقليد الحرفي القاتل الذي يناقض الوصية ويعثر النفس في انطلاقها في الروحيات نحو السماويات وبين ما حمله التقليد من تراث روحي أصيل أو تدبير تعبدي جميل كالليتورجيات اليهودية بما حملته من تسابيح ومزامير الخ.، الأمور التي لم يعارضها السيد ولا تلاميذه، بل كانوا يذهبون إلى الهيكل ويشتركون مع اليهود في عبادتهم، وإن كان بمفهوم مسيحي جديد.
    لكي نعرف لماذا انتقد السيد المسيح هذه الغسلات اليهودية يلزمنا أن نوضح ما قاله بعض الدارسين أنها لم تكن بهدف صحي، وإنما إجراءات طقسية حرفية، فعندما يغسل اليهودي يديه للتطهير يأتي بماء في آناء حجري طاهر طقسيًا، ثم يرفع الشخص يديه إلى أعلى ويصب عليها كمية من الماء، ثم يعود فيخفضهما إلى أسفل ويصب كمية أخرى من الماء من على المعصمين لتنزل إلى الأصابع فيطهّر طقسيًا. وكان اليهودي يعتقد أنه ما لم يفعل ذلك وبدقة يمتلكه روح نجس اسمه شيبتا، ثم يُصاب بالفقر والهلاك. ومن شدة تمسك اليهود بهذا الطقس قيل أنه حينما رفض أحد المعلمين ممارسته دُفن عند موته في مقابر الهراطقة، وعندما سُجن أحد الربيين في سجن روماني كان يستخدم الماء المحدود في تطهير يديه مفضلاً ذلك عن الشرب حتى مات من العطش. وقد قدمت المشناه أنواعًا كثيرة من طقوس الغسلات اليهودية.
    بلا شك نقد الفريسيين لتلاميذ السيد المسيح بخصوص عدم غسلهم الأيادي قبل الأكل كان مجرد مثل يقدمونه، إذ كان الفريسيون في ريائهم لا يطيقون التلاميذ المتحررين من هذا الرياء. الإنسان الحرفي لا يطيق الفكر الروحي بل يقاومه، محولاً حياته إلى مناقشات غبية وعقيمة!
    ثالثًا: اتهمه الفريسيون بأن تلاميذه يكسرون لا وصية الله بل تقاليد الشيوخ، أما هو فكشف لهم خلال الناموس والأنبياء أنهم يسلكون بالرياء، ويكسرون الوصية، ويحتاجون بالحق إلى طبيبٍ قادر أن يخلصهم من دائهم. فقد قدم لهم مثلاً خطيرًا لانحرافهم، إذ يسمحون للشخص أن يمتنع عن إعالة والديه بحجة أن ما يقدمه لهما قد سلمه قربانًا لله. بهذا يكون قد كسر وصية الله الخاصة بإكرام الوالدين يسنده في ذلك تقليد الشيوخ الخاطيء لكي يزداد إيراد الهيكل ويكون للقادة نصيبًا ماديًا أعظم. كأن هذا التقليد جاء لا ليخدم الوصية الإلهية ويسندها بل يقاومها ويحطمها.
    إذ يظنون في أنفسهم أنهم حراس الناموس أكد لهم أنهم يبطلون كلام الله وناموسه خلال تقليدهم الخاطيء. وإذ يفتخرون أنهم يحفظون النبوات قدم لهم نبوة إشعياء النبي عنهم: "هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني" [6] (إش 29: 13 الترجمة السبعينية).
    إذ كشف للفريسيون والكتبة جراحاتهم الداخلية "دعا كل الجمع، وقال لهم: اسمعوا مني كلكم وافهموا. ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه، لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الإنسان. إن كان لأحد أذنان للسمع فليسمع" [14-16]. كشف لهم السيد المسيح مفهوم النجاسة الحقيقية، هذا المفهوم الذي لم يكن ممكنًا لليهودي أن يتقبله ما لم تصر له الأذن الروحية القادرة أن تدرك الروحيات مرتفعة فوق الحرف. فقد عاش اليهودي يهتم ألا يتنجس بمأكولات محرمة (لا 11) ولا يلمس ثيابًا دنسة أو متاعًا دنسًا أو يسكن بيتًا نجسًا الخ. كان في ذهن اليهودي قائمة طويلة مرعبة لما ينجسه، وقد جاء السيد يكشف عن جذور النجاسة التي تمس الحياة الداخلية لا المظاهر الخارجية. "لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة: زنى فسق قتل. سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل. جميع هذه الشرور من الداخل وتنجس الإنسان"[21-23]. هذه القائمة للرذائل يقدمها لنا العهد الجديد دائمًا للتحذير، كالقائمة التي في رو 1: 29-31، وأيضًا التي في غل 5: 13-19.
    هذه القائمة لا تحتاج إلى توضيح، غير أن كلمة "طمع" هنا في اليونانية تعني "يريد أكثر"، أي لا يشبع، وكلمة "خبث" تعني "الأعمال الشريرة"، وهي سمة من يفرح في مصائب الآخرين، لذلك يدعى إبليس بالخبيث، "والمكر" يعني "يوقع في الفخ"، وأخيرًا يقصد بالجهل الحماقة الروحية.
    رابعًا: يرى البعض في أكل التلاميذ الطعام بأيدٍ غير مغسولةٍ إشارة إلى بسط أيديهم للعمل الكرازي بين الأمم الذين تطلع إليهم اليهود كشعوب دنسة غير مقدسة.
    خامسًا: إن كان السيد قد انتقد هؤلاء الفريسيين في اهتمامه بالشكل دون الجوهر الداخلي، لهذا لاق بنا نحن كمسيحيين أن نهتم بالأعماق الداخلية، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يلزم أن يكون اهتمامنا بسلوكنا عظيمًا، لماذا؟ لأنه يجب ألا يكون اجتماعنا المستمر هنا مجرد اجتماع ندخل إليه، وإنما يلزم أن نحمل بعض الثمار على الدوام. فإن أتيتم وخرجتم بلا ثمر يكون دخولكم بلا نفع... إن كنتم تشتركون في الترنم بمزمورين أو ثلاثة وتمارسون الصلوات كيفما كان، فهل تظنون أن هذا كافٍ لخلاصكم؟]
    سادسًا: يرى بعض الدارسين أن هذا التعليم الذي قدمه السيد المسيح للفريسيين والكتبة كما للجموع إنما يمثل مقدمة لائقة للقصة التالية الخاصة بشفاء ابنة الفينيقية، إذ أراد السيد أن يؤكد أنه لا يوجد شعب طاهر وشعب نجس، إنما الحاجة إلى القلب الطاهر الداخلي.
    2. شفاء المرأة الفينيقية
    لم يسترح السيد لهؤلاء الذين يعيشون حسب الشكل الخارجي، الذين بلا روح وبلا أعماق داخلية، لذلك "قام من هناك ومضى إلى تخوم صور وصيدا" [24]، أي ترك خاصته وذهب إلى منطقة الأمم، وكأنه يعلن أن خاصته قد فقدته بشكلياتها، بينما يتمتع به الغرباء خلال شعورهم بالحاجة إليه.
    يقول الإنجيلي: "ودخل بيتًا وهو يريد أن لا يعلم أحد، فلم يقدر أن يختفي" [24]. لماذا دخل سرًا ولم يرد أن يعلم به أحد؟ ربما لأنه لم يحن بعد وقت الكرازة بين الأمم، إنما جاء هذه الدفعة كعربون فقط، وكرمز لتركه خاصته وانطلاقه للأمم. ويرى بعض الدارسين أن السيد وقد رأى الفريسيين يلومون تلاميذه لأنهم يأكلون بأيدٍ غير مغسولة، فكم بالأكثر عندما يجدون المعلم نفسه يدخل إلى شعب في نظرهم دنسًا، وينعتونه بأنهم "كلاب"!
    لم يقدر السيد أن يختفي لأن امرأة كنعانية "كان بابنتها روح نجس سمعت به، فأتت وخرت عند قدميه" [25]. وكأن السيد قد أراد أن يعلن لتلاميذه كيف أغلق اليهود ضد أنفسهم أبواب محبته بالرغم مما قدمه لهم، بينما جاء الأمم إليه خاضعين ومؤمنين بالرغم من دخوله إليهم سرًا. ولكي يكشف لهم بالأكثر إيمان الأمم به تمنع في البداية عن العطاء، قائلاً لها: "دعي البنين أولاً يشبعون، لأنه ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب" [27]. فجاءت إجابة المرأة تشهد أن البنين طرحوا خبزهم بينما من حسبهم اليهود كلابًا استحقوا خبز البنين بتواضعهم وإيمانهم.
    حمل هذا الحوار عتابًا من السيد موجهًا لليهود، فمن جانب أنه جاء ليقدم لهم خبز البنين، لكنهم رفضوا الخبز السماوي، ومن جانب آخر احتقروا الأمم حاسبين إياهم دنسين كالكلاب، مع أنهم بالإيمان يتمتعون بما لا يتمتع به البنون.
    كشف هذا الحوار عن حكمة الكنعانية فإنها لم تهاجم دعوة الأمم ككلاب، وإنما في حكمة قالت بأنه وإن حُسبت هكذا فهي تطمع في التمتع بالفتات الساقط من مائدة أربابها، فأعلنت أن أبناء هذا العالم أحكم من اليهود الجاحدين.
    يرى بعض الدارسين أن كلمة "كلاب" هنا في اليونانية تعني "Pups"، نوعًا من الكلاب تستخدم كدمية لطيفة وليست كلاب الحراسة الشرسة، الأمر الذي يخفف من المعنى. هذا وأن لهجة الحديث ونبرات صوته بلا شك كانت جذابة فتحت الباب للكنعانية لتكمل الحوار، فإن كثير من العبارات التي تبدو قاسية في تسجيلها كتابة، إذ تُقدم بطريقة لطيفة تخفف من حدتها. على أي الأحوال، لم يكن سهلاً على اليهود قبول الكرازة بين الأمم، لكن السيد المسيح هنا يفتح الباب لهم، حتى يمكن للرسولين بولس وبرنابا أن يقولا مجاهرة: "كان يجب أن تكلموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم، وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية، هوذا نتوجه إلى الأمم" (أع 13: 46). مرة أخرى يقول الرسول بولس: "دمكم على رؤوسكم، أنا بريء، من الآن أذهب إلى الأمم" (أع 18: 6).
    3. شفاء أصم أعقد
    يبدو أن السيد المسيح لم يرد أن يبقي كثيرًا بين الأمم حتى لا يتعثر فيه اليهود ككاسرٍ للناموس، إذ يرونه في شركة مع الأمم الدنسين، لذلك يقول الإنجيلي: "ثم خرج أيضًا من تخوم وصور وصيدا، وجاء إلى بحر الجليل في وسط حدود المدن العشر" [31].
    هناك جاءوا إليه بأصم أعقد، فوضع إصبعه في أذنيه وتفل ولمس لسانه، ورفع نظره نحو السماء ثم قال له: انفتح، فانفتحت أذناه وانحل رباط لسانه.
    كان هذا الأصم الأعقد عند حدود المدن العشر يحتاج إلى السيد المسيح نفسه لكي يهبه إمكانية السماع لكلمة الله والنطق بها. إن كانت المدن العشر تشير إلى الوصايا العشر أو الناموس، فإن هذا الناموس كشف ما اتسم به الإنسان كعاجزٍ عن السماع لصوت الله والتكلم بأعماله، لهذا جاء السيد يضع إصبعه في أذنيه، أي يرسل روحه القدوس الذي يُسمى إصبع الله (خر 8: 19)، ليفتح الأذن الداخلية، فتسمع الصوت الإلهي عاملاً فيها.
    أما كونه قد تفل ولمس لسانه، إنما ليشير إلى عطية الحكمة الإلهية التي وهبها السيد للبشرية لكي تنطق بأعمال الله وحكمته. أما تطلع السيد إلى السماء بأناتٍ، فلكي يعلن أن ما يقدمه هو عطايا سماوية يرفضها الجسدانيون.
    يختم الإنجيلي هذه المعجزة بقوله: "وبهتوا إلى الغاية، قائلين: إنه عمل كل شيء حسنًا، جعل الصم يسمعون، والخرس يتكلمون" [37]. لعله بهذه العبارة يعود بنا إلى بداية الخليقة، حيث رأى الله كل شيء حسنًا، فالذي كان يعمل في البدء لأجل الإنسان هو بعينه قد جاء ليجدد الخليقة، ويرد للإنسان بهجته وسلامه. ويرى بعض الدارسين أن هذه العبارة: "عمل كل شيء حسنًا" إنما تعني: "كيف تحققت هكذا فيه النبوات حسنًا!"
    1 و اجتمع اليه الفريسيون و قوم من الكتبة قادمين من اورشليم
    2 و لما راوا بعضا من تلاميذه ياكلون خبزا بايد دنسة اي غير مغسولة لاموا
    3 لان الفريسيين و كل اليهود ان لم يغسلوا ايديهم باعتناء لا ياكلون متمسكين بتقليد الشيوخ
    4 و من السوق ان لم يغتسلوا لا ياكلون و اشياء اخرى كثيرة تسلموها للتمسك بها من غسل كؤوس و اباريق و انية نحاس و اسرة
    5 ثم ساله الفريسيون و الكتبة لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقليد الشيوخ بل ياكلون خبزا بايد غير مغسولة
    6 فاجاب و قال لهم حسنا تنبا اشعياء عنكم انتم المرائين كما هو مكتوب هذا الشعب يكرمني بشفتيه و اما قلبه فمبتعد عني بعيدا
    7 و باطلا يعبدونني و هم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس
    8 لانكم تركتم وصية الله و تتمسكون بتقليد الناس غسل الاباريق و الكؤوس و امورا اخر كثيرة مثل هذه تفعلون
    9 ثم قال لهم حسنا رفضتم وصية الله لتحفظوا تقليدكم
    10 لان موسى قال اكرم اباك و امك و من يشتم ابا او اما فليمت موتا
    11 و اما انتم فتقولون ان قال انسان لابيه او امه قربان اي هدية هو الذي تنتفع به مني
    12 فلا تدعونه في ما بعد يفعل شيئا لابيه او امه
    13 مبطلين كلام الله بتقليدكم الذي سلمتموه و امورا كثيرة مثل هذه تفعلون
    14 ثم دعا كل الجمع و قال لهم اسمعوا مني كلكم و افهموا
    15 ليس شيء من خارج الانسان اذا دخل فيه يقدر ان ينجسه لكن الاشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الانسان
    16 ان كان لاحد اذنان للسمع فليسمع
    17 و لما دخل من عند الجمع الى البيت ساله تلاميذه عن المثل
    18 فقال لهم افانتم ايضا هكذا غير فاهمين اما تفهمون ان كل ما يدخل الانسان من خارج لا يقدر ان ينجسه
    19 لانه لا يدخل الى قلبه بل الى الجوف ثم يخرج الى الخلاء و ذلك يطهر كل الاطعمة
    20 ثم قال ان الذي يخرج من الانسان ذلك ينجس الانسان
    21 لانه من الداخل من قلوب الناس تخرج الافكار الشريرة زنى فسق قتل
    22 سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل
    23 جميع هذه الشرور تخرج من الداخل و تنجس الانسان
    24 ثم قام من هناك و مضى الى تخوم صور و صيدا و دخل بيتا و هو يريد ان لا يعلم احد فلم يقدر ان يختفي
    25 لان امراة كان بابنتها روح نجس سمعت به فاتت و خرت عند قدميه
    26 و كانت المراة اممية و في جنسها فينيقية سورية فسالته ان يخرج الشيطان من ابنتها
    27 و اما يسوع فقال لها دعي البنين اولا يشبعون لانه ليس حسنا ان يؤخذ خبز البنين و يطرح للكلاب
    28 فاجابت و قالت له نعم يا سيد و الكلاب ايضا تحت المائدة تاكل من فتات البنين
    29 فقال لها لاجل هذه الكلمة اذهبي قد خرج الشيطان من ابنتك
    30 فذهبت الى بيتها و وجدت الشيطان قد خرج و الابنة مطروحة على الفراش
    31 ثم خرج ايضا من تخوم صور و صيدا و جاء الى بحر الجليل في وسط حدود المدن العشر
    32 و جاءوا اليه باصم اعقد و طلبوا اليه ان يضع يده عليه
    33 فاخذه من بين الجمع على ناحية و وضع اصابعه في اذنيه و تفل و لمس لسانه
    34 و رفع نظره نحو السماء و ان و قال له افثا اي انفتح
    35 و للوقت انفتحت اذناه و انحل رباط لسانه و تكلم مستقيما
    36 فاوصاهم ان لا يقولوا لاحد و لكن على قدر ما اوصاهم كانوا ينادون اكثر كثيرا
    37 و بهتوا الى الغاية قائلين انه عمل كل شيء حسنا جعل الصم يسمعون و الخرس يتكلمون
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:17 am

    الأصحاح الثامن
    المسيح المشبع
    جاءت الأصحاحات 8-10 تحمل أسئلة كثيرة، منها أسئلة قدمها السيد نفسه، وبعضها التلاميذ، وأحيانًا الشعب أو المقاومون له. كلها كشفت بالأكثر عن شخص السيد المسيح العامل لحساب البشرية موضوع حبه.
    في هذا الأصحاح كشفت الأسئلة عن شخصه كمصدر شبع حقيقي للنفس.
    1. سؤال حول الخبز 1-10.
    2. سؤال حول الآية 11-12.
    3. حوار حول الخمير 13-21.
    4. سؤال حول البصيرة 22-26.
    5. سؤال حول شخص المسيح 27-30.
    6. إعلانه عن الصليب 31-33.
    7. إعلانه عن شركة الصليب 34-38.
    1. سؤال حول الخبز
    سبق فبارك الرب الخبز والسمكتين لإشباع خمسة آلاف رجلٍ ماعدا الرجال والنساء (6: 34-44)، إذ تحنن الرب عليهم عندما رآهم كخرافٍ بلا راعٍ، وقد أطال الحديث معهم في موضع خلاء. وأراد التلاميذ أن يصرفهم السيد ليبتاعوا خبزًا، فلم يرد أن يصرفهم جائعين. وها قد سنحت فرصة أخرى فيها بقت الجموع ثلاثة أيام مع السيد وليس لهم ما يأكلونه، وقد رفض السيد أيضًا أن يصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق، "لأن قومًا منهم جاءوا من بعيد" [3]. في شفائه المرضى وإخراج الشياطين لم يقدر الإنجيليون أن يحصروا عدد الأشفية والآيات التي صنعها، حتى قال الإنجيلي يوحنا: "وأشياء أُخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة، فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يو 21: 25). أما في أمر إشباع الجموع فعلى ما يظن لم يمارسه سوى مرتين حتى لا يلتف الجمع حوله من أجل الخبز المادي، فتنحرف نظرتهم إلى الزمنيات عوض الشبع الروحي. أما عدم تجاهله هذا الإشباع، إنما ليكشف أنه أيضًا يهتم بالجسد، ولكن ليس على حساب الروحيات.
    سبق لنا دراسة هاتين المعجزتين خاصة ما حملتاه من جوانب رمزية راجع تفسير مت 14: 14-21؛ 15: 32-38، لذا أكتفي هنا بإبراز النقاط التالية:
    أولاً: لا نستطيع تجاهل التشابه الشديد بين معجزتي إشباع الجموع الواردتين في الأصحاحين 6 و 8 وما لازمهما من ظروف متقاربة للغاية:
    أ. إشباع 5000 رجلٍ (6: 35-44). أ. إشباع الـ4000 (8: 1-9).
    ب. عبور البحيرة (6: 45-52). ب. عبور البحيرة (8: 10).
    ج. عبورهم إلى جنيسارت (6: 53-56). ج. عبورهم إلى دلمانوثة (8: 10).
    د. حواره بعدها مع الفريسيين عن د. حواره بعدها مع الفريسيين عن
    الأيدي الدنسة (7: 1-23). الآية من السماء (8: 11).
    ه. حواره مع الفينيقية عن خبز ه. حواره مع التلاميذ عن خمير
    البنين (7: 24-30). الفريسيين (8: 13-21).
    و. شفاء الأصم الأعقد (7: 31-37). و. شفاء الأعمى (8: 22-26).
    هذا التشابه الشديد في الظروف المحيطة بالمعجزتين يربط بينهما رباطًا وثيقًا كما رأينا في دراستنا لإنجيل معلمنا متى البشير بكون الأولى تعلن عن شخص المسيّا مشبع اليهود أو أصحاب الناموس، والثانية عن ذات المسيّا المشبع أيضًا للأمم، وأن المعجزتين تحملان ذات المعنى والمفهوم. أما تشابه الأحداث الملازمة لهما واللاحقة لهما، فلا يمكن أن يكون محض صدفة، إنما تعني مفهومًا روحيًا يمس حياتنا، يمكننا أن نلخصه في الآتي:
    أ. في المعجزتين إذ شبعت الجموع دخل السيد المسيح السفينة ومعه تلاميذه ليعبروا البحيرة إلى الشاطيء الآخر. كأن غاية إشباعه لنفوسنا أن نتذوق العبور أو الخروج بالمسيح يسوع خلال صليبه المحيي (السفينة) لينطلق قلبنا من برية هذا العالم، مجتازًا أمواجه وتياراته، ليدخل إلى الحياة الأخرى ويتمتع بالأبدية، هذا الخروج لن يتحقق خارج السيد المسيح رأس الكنيسة وقائدها.
    ب. إذ شبعت الجموع قام الفريسيون في المرتين يحاورونه تارة عن الأيدي الدنسة وأخرى يطلبون آية من السماء. وكأنه بينما ينشغل السيد المسيح بإشباعنا داخليًا والانطلاق بنا إلى أحضان أبيه خلال ثبوتنا فيه، يبذل عدو الخير كل جهده لإثارتنا في مناقشات غبية تفسر نقاوة القلب الداخلي. يريد العدو أن يسحبنا من الشبع الداخلي إلى الغسلات المظهرية أو الآيات المثيرة للخارج.
    ج. بعد المعجزة الأولى تحدث مع الفينيقية عن خبز البنين الذي كان يود أن يتمسك به أصحاب الناموس كبنين لكنهم رفضوه فقُدم للأمم الغرباء، وبعد المعجزة الثانية حدث تلاميذه عن خمير الفريسيين محذرًا إياهم لئلا يأكلوا منه، طالبًا أن ينعموا به هو شخصيًا، الخبز الواحد النازل من السماء!
    د. بعد المعجزة الأولى شفى السيد المسيح الرجل الأصم الأعقد، أما بعد الثانية فشفى الأعمى. وكأن السيد مشبع النفوس قد جاء ليفتح أذاننا الروحية لسماع كلمته، ولساننا لتمجيده، وأعيننا لمعاينة بهاء مجده.
    ثانيًا: ما هو الخبز الذي قدمه السيد للجموع بعد أن مكثوا معه ثلاثة أيام ولم يكن لهم ما يأكلونه [2] إلا جسده المقدس القائم من بين الأموات في اليوم الثالث؟ فمن يقبل معه آلامه ويحمل صليبه ويُدفن معه يكون كصائمٍ عن العالم بلا طعام يسلمه الرب جسده طعامًا محييًا، الجسد القائم من الأموات!
    يرى بعض الآباء أن هذا الخبز يشير إلى كلمة الله أو كلمة الكرازة بالإنجيل التي قُدمت للبشرية الجائعة، فيقول القديس أغسطينوس: [ما تأكلونه أنتم آكل منه أنا أيضًا، وما تعيشون عليه أعيش أنا أيضًا عليه، إذ لنا في السماء مخزن مشترك منه تأتي كلمة الله... أنتم تعلمون أن وليمة الله غالبًا ما نسمع عنها أنها خاصة بالقلب لا بالبطن.] ويقول البابا غريغوريوس (الكبير): [لم يرد أن يصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق، إذ يليق بمن يستمع الكرازة أن يجد كلمة تعزية، لئلا بسبب جوعهم وحرمانهم من طعام الحق يسقطون تحت ثقل متاعب الحياة.]
    إن كان هذا الخبز يشير إلى كلمة الكرازة، فإن بعض الدارسين يرون في رقم 7 (سبع خبزات) إشارة إلى السبعين رسولاً الذين قاموا بالكرازة بين الأمم، وإلى السبعة شمامسة (أع 6: 3) ، غير أن كثير من الآباء يرون في رقم 7 إشارة إلى أعمال الروح القدس في كنيسة المسيح، وكأن هذا الخبز الذي هو كلمة الكرازة هو عطية الروح القدس للمؤمنين في كنيسة المسيح. بمعنى آخر الروح القدس العامل في الكنيسة خاصة خلال الأسرار السبعة يقدم لنا كلمة الله حية وفعّاله وعملية في حياتنا لتدخل بنا إلى الكمال.
    يقول القديس أغسطينوس: [السبع خبزات تعني أعمال الروح القدس السبعة، والأربعة آلاف رجل هي الكنيسة المؤسسة على الأناجيل الأربعة، والسبعة سلال من الفضلات هي كمال الكنيسة، فإنه بهذا الرقم يُرمز للكمال دائمًا.] ويقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [رقم 7 يشير إلى الروح القدس الذي يكمل كل شيء، إذ تكمل حياتنا خلال السبعة أيام.]
    ويرى القديس أمبروسيوس أن هذا الطعام يشير إلى القوة التي يمنحها لمؤمنيه، فإن كان في وصيته يطالبنا بالمثابرة والجهاد، لكنه هو الذي يهبنا القوة حتى لا نخور في الطريق. إنه يبعث بقوته للجميع. يوزع للكل ولا يتجاهل أحدًا، فإن امتنع إنسان عن بسط يديه لينال قوة الروح الداخلي خار في طريق جهاده.
    ثالثًا: أحصى عدد الرجال، لكنه لم يحرم النساء ولا الأطفال من الطعام، وكما يقول القديس أغسطينوس: [دع هؤلاء يأكلون، ليأكل الأطفال فينمون ولا يصيرون بعد أطفالاً، ولينصلح من هو مدللون كالنساء فيصيرون محصنين.] هذا ويرى البعض أن العدد الوارد هنا (4000) يشمل الكل وليس الرجال فقط كما في المعجزة السابقة.
    رابعًا: بالنسبة للسلال السبع التي جمعها التلاميذ وقد امتلأت من الفضلات علامة البركة المسيحانية، فهي تشير إلى الكنائس السبع (رؤ 1: 12-20)، وقد حلّ في وسطها ابن الإنسان ينيرها ويشبعها خلال كلمة الإنجيل عاملاً بروحه القدوس فيها.
    هذا ويلاحظ أن كلمة "سلال" هنا جاء باليونانية "Spyris" بينما في المعجزة الأولى استخدمت الكلمة اليونانية "Kophinos" والتي ترجمت "قفة". فإن كانت القصة التي بين أيدينا تشير إلى شبع الأمم بالمسيا المخلص بينما القصة السابقة تشير إلى شبع اليهود به، فإن كلمة Spyris تعني سلة عادية أو سلة سمك يستخدمها الكل أما كلمة Kophinoi فهي تمثل نوعًا من السلال خاص بالشعب اليهودي يستخدمه فقراؤهم في روما. لنفس السبب في المعجزة التي بين أيدينا عدد السلال سبع إشارة إلى كمال الكرازة في العالم كله، أما في المعجزة السابقة فعددهم 12 إشارة إلى الاثنى عشر سبطًا.
    2. سؤال حول الآية
    "فخرج الفريسيون وابتدأوا يحاورونه، طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه. فتنهد بروحه، وقال: لماذا يطلب هذا الجيل آية؟ الحق أقول لكم لن تُعطي هذا الجيل آية" [11-12].
    بعد إشباع الخمسة آلاف رجل على يدي التلاميذ عوض أن ينشغل الفريسيون بهذا العمل الفائق ليروا فيه تحقيقًا للنبوات، إذ جاء المسيا ووهب تلاميذه أن يقدموا بركته للجماهير فتشبع، رأوا في أيديهم أنها دنسة لأنها لم تتطهر بالماء قبل الأكل حسب تقاليد اليهود. الأيدي التي تمتعت بعطية الله لتقدم ما يشبع الجماهير وتجمع بالبركة فضلات كثيرة كانت في أعينهم دنسة، والآن إذ أكد لهم أنه المسيا مشتهى الأمم ومتمم النبوات بإشباع أربعة آلاف أخرى عوض أن يعيدوا النظر فيما فعلوه ازدادوا جهالة، إذ طلبوا منه آية من السماء لكي يجربوه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يطلبوا آية لكي يؤمنوا وإنما لكي يمسكوه، فلو كان المقاومون مستعدين لقبول الإيمان لصنع لهم آية.]
    لقد أراد السيد المسيح أن يدخل بهم إلى السماء عينها، مقدمًا نفسه المن الحقيقي النازل من السماء الواهب حياة أبدية (يو 6)، لكنهم لم يطلبوا الشبع، بل طلبوا علامة منظورة في الطبيعة للجدال والمقاومة. وهم في هذا لم يستطيعوا أن يميزوا بين مجيء السيد المسيح الأول لتقديم الخلاص للعالم كله خلال محبته الفائقة، وبين مجيئه الثاني ليدين العالم. فعلامة مجيئه الأول هي بسط يديه بالحب واللطف نحو كل نفس خاصة على الصليب، أما علامة مجيئه الثاني للدينونة فهي تزعزع قوات السماء، والشمس والقمر لا يعطيان ضوءهما الخ.
    لقد تنهد السيد بروحه، وقال: "لماذا يطلب هذا الجيل آية؟" كأنه في مرارة يرى في هذا الجيل الذي كان يجب أن يكون كارزًا بالإنجيل ومعلمًا للعالم عن الخلاص بالصليب، قد تحول عن رسالته إلى تجربة الرب، كآبائهم الذين جربوا الرب. يقول موسى النبي: "ودعا اسم الموضع مسّة ومريبة من أجل مخاصمة بني إسرائيل ومن أجل تجربتهم للرب، قائلين: أفي وسطنا الرب أم لا؟" (خر 17: 7). ويقول المرتل: "فلا تقسوا قلوبكم كما في مريبة، مثل يوم مسة في البرية، حيث جربني آباؤكم، اختبروني، أبصروا أيضًا فعلي، أربعين سنة مقت ذلك الجيل" (مز 95: 8-10).
    3. حوار حول الخمير
    "ثم تركهم ودخل أيضًا السفينة ومضى إلى العبر، ونسوا أن يأخذ خبزًا، ولم يكن معهم في السفينة إلا رغيف واحد، وأوصاهم قائلاً: أنظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين وخمير هيرودس" [13-15].
    أولاً: كشف لنا الإنجيلي عن شوق التلاميذ لتبعيته، فمع أنهم جمعوا سبع سلال من الكسر، لكنهم إذ رأوه يدخل السفينة نسوا أن يأخذوا معهم خبزًا، إذ شغلهم السيد الرب عن الاهتمام حتى بالضروريات كالخبز. محبتهم للرب سحبت قلوبهم عن كل ما هو أرضي. لذلك يقول القديس يوحنا سابا: [من ذاق حلاوة ثمار شجرة الحياة، ويريد أن يجري نحو ثمار (محبة) العالم النتنة؟]، كما يقول:
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:18 am

    رابعًا: يفسر لنا الإنجيليان متى (16: 12)، ولوقا (12: 1) خمير الفريسيين والصدوقيين أنه رياؤهم، إذ تتطلع اليهود إلى الخمير كرمزٍ للقوة المفسدة (1 كو 5: 6-8؛ غل 5: 9)، أما خمير هيرودس فيعني مكره، إذ دعاه السيد المسيح ثعلبًا. وقد اشترك الفريسيون مع هيرودس وأتباعه في مقاومة السيد المسيح تحت ستار الحق من أجل حفاظهم على مراكزهم الاجتماعية ومكاسبهم الظاهرة. وكأن السيد يحذر أتباعه من الرياء والمكر حتى يمكنهم إدراك الحق ببصيرة روحية سماوية.
    سبق لنا الحديث عن خمر الرياء في دراستنا لإنجيل متى، لذا أكتفي هنا بعرض مقتطفات للقديس كيرلس الكبير: [الرياء أمر مكروه لدى الله، وممقوت من الناس، لا يجلب مكافأة، ولا يصلح قط في خلاص النفس بل بالحري يهلكها. إن كان أحد يهرب بالرياء لئلا يُكتشف أمره فإلى حين، لكنه لا يدم طويلاً إذ ينفضح الأمر ويجلب له عارًا، فيكون كالنساء قبيحات المنظر عندما تُنزع عنهن الزينة الخارجية القائمة على وسائل صناعية. الرياء إذن غريب عن القديسين! ليس شيء يُقال أو يُعمل يختفي عن عيني اللاهوت، إذ قيل: "ليس مكتوب لن يُستعلن ولا خفي لا يُعرف" (لو 12: 2). فإن كانت كلماتنا وأعمالنا تظهر في يوم الدينونة يكون الرياء تعبًا باطلاً. يليق بنا بالحري أن نتزكى كعابدين حقيقيين نخدم الله بملامح صادقة وصريحة.]
    4.سؤال حول البصيرة
    بعد أن أشبع الجموع بخمس خبزات وقليل من صغار السمك معلنًا أنه هو سرّ شبع الكنيسة الحقيقي، يشبعها بسكناه فيها، وبعمل وصيته داخلها، وموهبة روحه القدوس، نجده الآن يفتح عيني أعمى في بيت صيدا ليؤكد أنه هو "سرّ الاستنارة الحقيقي".
    يقول الإنجيلي: وجاء إلى بيت صيدا، فقدموا له أعمى، وطلبوا إليه أن يلمسه. فأخذ بيد الأعمى وأخرجه إلى خارج القرية، وتفل في عينيه، ووضع يديه عليه، وسأله هل أبصر شيئًا. فتطلع وقال: أبصر الناس كأشجار يمشون. ثم وضع يديه أيضًا على عينيه، وجعله يتطلع، فعاد صحيحًا، وأبصر كل إنسان جليًا. فأرسله إلى بيته قائلاً: لا تدخل القرية، ولا تقل لأحد في القرية" [22-26].
    أولاً: عُرفت بيت صيدا بعدم إيمانها حتى صارت ممثلة روحيًا في شخص هذا الأعمى، الأمر الذي كشفه حديث السيد عنها: "ويل لك يا بيت صيدا، لأنه لو صُنعت في صور وصيدا القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديمًا في المسوح والرماد" (مت 11: 21). هذا وأن "بيت صيدا" تعني "بيت الوادي"، فترمز للعالم وادي الدموع، أصاب البشرية بالعمى الروحي وأفقدها الاستنارة الداخلية.
    من هم الذين قدموا الأعمى إلا آباء وأنبياء العهد القديم الذين قدموا للسيد المسيح العالم وقد أصابه العمى، قدموه خلال النبوات والرموز لينعم العالم به كمخلص ويقبل عمله فيه واهبًا إياه روح الاستنارة. وقد اشترك مع رجال العهد القديم التلاميذ والرسل الذين كرزوا في العالم الأممي وقدموه للسيد ليفتح بصيرته.
    ثانيًا: "فأخذ بيد الأعمى وأخرجه إلى خارج قريته" [23].
    إذ يمسك السيد المسيح بأيدينا، فإن أول عمل يقوم له في حياتنا هو أن ينطلق بنا إلى خارج قريتنا. يحملنا بصليبه إلى خارج "الأنا"، فلا نحيا بعد لحساب ذواتنا، بل لحساب ذاك الذي أحبنا ومات لأجلنا، نحيا بالصليب غير متوقعين حول الذات، بل ننطلق بالحب لنستقبل الله وخليقته في أعماقنا بقلب متسع يضم الكل فيه. لعل هذا هو ما قصده الرسول بولس حين قال: "مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل 2: 20)، وأيضًا: "كما أنا أيضًا أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" (1 كو 10: 33).
    ولعل خروج الأعمى بيد السيد المسيح إلى خارج قريته يمثل دعوة إلهية لخروجنا معه إلى أورشليم نحمل عار الصليب (عب 13: 13).
    ثالثًا: عند شفاء الأعمى استخدم السيد التفل في عينه، ووضع يديه عليه، بالعمل الأول أشار إلى الحكمة الخارجة من فيه، وبالثاني أشار إلى حاجته لليد الإلهية أو الإمكانيات الربانية للعمل، وكأن استنارة البصيرة الداخلية لا تقوم على الحكمة مجردة عن العمل، ولا على العمل المجرد عن المعرفة أو الحكمة الإلهية. استنارتنا الداخلية تقوم على التمتع بالشركة العملية مع الله في المسيح يسوع، فننعم بمعرفته ونسلك بروحه. بمعنى آخر إيماننا ليس فكرًا عقلانيًا نعتنقه، ولا سلوكًا أخلاقيًا نمارسه، إنما هو حياة متكاملة تنبعث عن الإيمان الحيّ العامل بالمحبة، لا فصل فيها بين إيمان وأعمال!
    رابعًا: سأله السيد المسيح إن كان يبصر شيئًا، لا لكي يكشف للسيد عما يراه، إذ يعرف الرب كل شيء، إنما ليحثه على الإيمان، كما سبق فسأل الله آدم: أين أنت؟ لا ليعرف موضعه، إنما ليحثه على التوبة.
    من أجل ضعف إيمانه لم تكن رؤيته كاملة، فاحتاج إلى سؤال الرب ليعينه، وقد أجاب أنه يرى الناس كأشجار يمشون [24]. إنه يرى لكن ليس بروح التمييز، لذلك وضع الرب يديه عليه مرة أخرى، ووهبه هذه العطية ليرى كل إنسان جليًا.
    لعل رؤيته للناس كأشجارٍ تعني ما أصابه من إحباط ويأس، فقد حسب الكل أشجارًا عالية تتحرك نحو السماء لتقدم ثمارًا إلهيًا أما هو ففي عيني نفسه يبدو عاجزًا في وسطهم يحتاج إلى من يسنده ويملأه رجاءً، فيصير مغروسًا في بيت الرب، شجرة زيتون خضراء مثمرة (مز 52: Cool.
    خامسًا: إذ أبصر الناس جليًا أرسله إلى بيته، وكأنه أراد له أن يعود فيتأمل قلبه ليكتشف في داخله ملكوت السماوات. وكما يقول القديس يوحنا سابا: [طوبى لمن كنزه داخله، ومن خارجه لا يتغذى! طوبى لمن شمسه تشرق داخله، ولا يدع الآخرين يبصرونها! طوبى لمن سمعه مسدود عن نغمات اللهو، لكنه ينصت لسماع الحركات النورانية التي للسمائيين! طوبى لمن استنشاقه عبير الروح القدس وتمتزج رائحة جسده بذلك! طوبى لمن اصطبغت نفسه بحلاوة الله وأيضًا عظامه اقتنت منه دسمًا!]
    سادسًا: أخيرًا سأله السيد أن يصمت معلنًا له أن ما فعله كان من أجل المحبة، وليس عن حب للمديح أو طلب مجد من الناس.
    5. سؤال حول شخص المسيح
    إن كان قد سأل الأعمى عما يراه ليحثه على طلب المزيد والتمتع باستنارة عينيه بصورة أكمل، الآن في الطريق بين قرى قيصرية فيلبس سأل تلاميذه ليهبهم استنارة إيمانية ليدركوا شخصه هو، فينعموا به، ويروه بعيني الإيمان المستنيرتين.
    "سأل تلاميذه قائلاً لهم: من يقول الناس إني أنا.
    فأجابوا: يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا، وآخرون واحد من الأنبياء.
    فقال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟
    فأجاب بطرس وقال له: أنت المسيح.
    فإنتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه" [27-30].
    لقد سألهم لكي يكشف لهم عن شخصه ويدفعهم للاعتراف به بعد إدراكهم له بإعلان إلهي، فيمجدوه أكثر من العامة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد قادهم إلى مشاعر أسمى وأفكار أعلى بخصوص شخصه حتى لا يكونوا كبقية الجموع.] لذلك يعلق القديس جيروم على قول السيد: "وأنتم من تقولون إني أنا؟" بقوله أن التلاميذ لم يعودوا بعد من الناس لكنهم صاروا به آلهة، [كأنه يقول لهم أنهم كبشر قد فكروا في أمور بشرية وأنتم كآلهة من تقولون إني أنا؟]
    لقد رأينا في دراستنا للأصحاح السادس (14-16) أن هيرودس قال عنه أنه يوحنا المعمدان خلال ضميره المعذب، وآخرون قالوا أنه إيليا خلال شوقهم لمجيء الملكوت المسيحاني كملكوت زمني مادي، وآخرون قالوا أنه أحد الأنبياء بسبب مرارة أنفسهم لغياب الأنبياء عنهم ثلاثة قرون. جاءت هذه الأقوال خلال مشاعر بشرية بحتة، أما بطرس فأدرك سره خلال إعلان إلهي، قائلاً: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ" (مت 16: 16-17).
    فيما يلي مقتطفات من تعليق القديس أمبروسيوس عن هذا الموقف:
    [يمكننا اعتبار شهادة الجموع له بلا نفع، فقد ظنه البعض إيليا قد قام مؤمنون بمجيئه، وآخرون آمنوا بقيامة يوحنا عالمين أن رأسه قد قطعت، وآخرون أنه واحد من الأنبياء القدامى.
    البحث في ذلك (أي في شخص المسيح) أمر يفوق قدرتنا، لكنه يتناسب مع فكر شخص كبولس وحكمته، هذا الذي يكفيه أن يعرف المسيح وإياه مصلوبًا (1 كو 2: 2)، لأنه أية معرفة يشتاق إليها أكثر من أنه المسيح؟ ففي هذا الاسم "المسيح" يتجلى اللاهوت ويُعلن التجسد وأيضًا الآلام.
    لقد عرفه بقية التلاميذ، لكن بطرس وحده قال: "مسيح الله" (لو 9: 20)، إذ يشمل هذا الاسم كل شيء، ويعّبر عن طبيعته، ويحوي كل الفضائل.
    هل نثير تساؤلات حول كيفية ميلاد الرب بينما يقول بولس أنه لا يعرف شيئًا إلا المسيح وإياه مصلوبًا، ويعترف بطرس أنه مسيح الله! نحن بعيون الضعف البشري نبحث هكذا: متى وكيف وما هي عظمته، أما بولس فيرى في هذه التساؤلات هدمًا لا بناء، لذا لا يريد أن يعرف إلا يسوع المسيح.
    عرف بطرس أن في "ابن الله" يكمن كل شيء، فقد دفع الآب كل شيء في يده (يو 3: 35)... لذا فيه الأزلية والعظمة التي للآب.
    إني قبلت الإيمان بأنه المسيح ابن الله (مت 16: 16) فلا يجوز لي أن أعرف كيف وُلد، لكن لا يجوز لي أيضًا أن أجهل حقيقة ميلاده.
    لتؤمن إذن كما آمن بطرس، فتطوّب أنت أيضًا وتتأهل لسماع الكلمات: "إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات" (مت 16: 17). فاللحم والدم لا يقبلان إلا الأرضيات، أما من ينطق بأسرار الروح فلا يعتمد على تعاليم اللحم والدم بل على الإعلان الإلهي.
    ليتك لا تعتمد على اللحم والدم لتأخذ منهما أوامرك، فتصير أنت نفسك لحمًا ودمًا، وإنما من يلتصق بالرب يكون معه روحًا واحدًا (1 كو 6: 17). يقول الله: لا يدين روحي في الجسد بعد لأن كل تصورات قلبه شريرة (تك 6: 3).
    ليسمح الرب ألا يكون السامعون لحمًا ودمًا، بل يكونوا متغربين عن شهوة اللحم والدم، فيردد كل واحد منهم: "لا أخاف، ماذا يصنعه بي الإنسان (أي اللحم والدم)؟" (مز 56: 5).
    من يغلب الجسد يصير من أعمدة الكنيسة؛ إن لم يستطع أن يبلغ إلى بطرس فإنه يتمثل به ويتمتع بعطايا الله إذ هي كثيرة، يرد لنا مالا تركناه بل ما هو له.
    يحق لنا أن نتساءل: لماذا لم يرَ فيه الجموع إلا إيليا أو إرميا أو يوحنا المعمدان؟
    ربما رأيت فيه إيليا لأنه أُختطف إلى السماء؛ لكن المسيح ليس كإيليا إذ لم يُختطف إليها بل جاء منها. الأول أُختطف إلى السماء، أما الثاني فلا يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله (في 2: 6). الأول انتقم بالنار التي طلبها (1 مل 18: 38) والثاني أحب خلاص المسيئين إليه لا هلاكهم.
    لماذا اعتقدوا أنه إرميا؟ ربما لأنه تقدس من الرحم (إر 1: 4)، لكن المسيح ليس كإرميا. الأول تقدس، أما الثاني فهو يقّدس، الأول بدأ بميلاده أما الثاني فهو قدوس القديسين.
    لماذا ظنه الشعب يوحنا؟ ربما لأن يوحنا عرف الرب وهو في بطن أمه، لكن المسيح ليس كيوحنا. يوحنا سجد وهو بعد في الرحم، والثاني هو المسجود له. الأول عمّد بالماء، وأما المسيح فبالروح. الأول نادى بالتوبة والثاني غفر الخطايا.]
    أخيرًا فقد "انتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه" [30]، أما علة انتهاره لهم، فهو لكي يتم المكتوب عنه ويتحقق صلبه، فلو عرفوا رب المجد لما صلبوه. ويقدم لنا القديس أمبروسيوس تعليلاً آخر وهو أنه أراد الكرازة به بكونه المسيح بعد صلبه وقيامته، فيعرفوه المسيح المصلوب عنهم القائم من الأموات، إذ يقول: [منع التلاميذ من الكرازة به كابن الله ليبشروا به بعد ذلك مصلوبًا. هذه هي روعة الإيمان أن نفهم حقيقة صليب المسيح!... فصليب المسيح وحده نافع لي، لأن "به صلب العالم لي وأنا للعالم" (غل 6: 14). إن كان العالم قد صلب لي فأعرف أنه قد مات فلا أحبه، أعرف الفساد الذي يسري في العالم فأتجنبه كرائحة نتنة، أهرب منه كما من الطاعون وأخرج منه قبل أن يؤذيني.]
    6. إعلانه عن الصلب
    يرى بعض الدارسين أن إنجيل معلمنا مرقس يمكن تقسيمه إلى جزئين رئيسيين متكاملين، القسم الأول يبدأ بالسفر حتى ما قبل سؤال السيد المسيح تلاميذه عما يقول الناس عنه، والثاني يبدأ بهذا السؤال حتى نهاية السفر. القسم الأول يعلن عن شخص السيد المسيح العامل والمعلم الذي يخدم البشرية بالحب والحنان وقد رافقه ظل الصليب، أما القسم الثاني فتبدأ المرحلة العملية لحمل الصليب، يبدأها بالكشف عن ذاته بالقدر الذي يسندهم حتى يتم الصليب، فيتمجد بحبه العملي، وعندئذ يكشف لهم بهاء مجده خلال قيامته وظهوراته وصعوده خاصة بإرسال روحه القدوس الذي يخبرهم بكل شيء.
    الحديث السابق، حديث خاص بين السيد وتلاميذه كان مقدمة لإعلان صليبه، إذ يقول الإنجيلي:
    "وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرًا،
    ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة ويُقتل،
    وبعد ثلاثة أيام يقوم.
    وقال القول علانية،
    فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره.
    فالتفت وأبصر تلاميذه،
    فانتهر بطرس قائلاً:
    اذهب عني يا شيطان،
    لأنك لا تهتم بما لله، لكن بما للناس" [31-33].
    إن كان بطرس الرسول استطاع بإعلان إلهي أن يتعرف على "يسوع" أنه المسيح، وهو في الطريق في قرى قيصرية فيلبس [27]، حيث مركز عبادة البعل والعبادات الوثنية الإغريقية مع السلطة الرومانية، لكن مع هذا لم يكن ممكنًا لبطرس أن يتفهم المسيح كفادٍ يُصلب عن البشرية ويقوم ليقيمها معه، إذ كان الفكر اليهودي يرفض هذا تمامًا، لهذا أسرع السيد المسيح يصحح المفهوم.
    يمكننا تلخيص الاعتقاد اليهودي بخصوص مجيء المسيا في النقاط التالية:
    أ. يسبق مجيء المسيح حلول ضيقة شديدة على العالم يسبب له خرابًا، كما تحل الحروب في العالم والإضطرابات وسفك للدماء... هذه كلها أشبه بالمخاض الذي يحل بالمرأة عندما تلد طفلاً.
    ب. وسط هذا الخراب الذي يمس حياة الإنسان والحيوان والطير حتى الأسماك يظهر إيليا النبي ليهيئ الطريق للمسيح. ويعتبر مجيء إيليا أمرًا أساسيًا، حتى أن اليهود في احتفالهم للفصح كانوا يتركون كرسيًا خاليًا يسمونه "كرسي إيليا"، إذ يتوقعون دخوله في أحد أعياد الفصح فجأة.
    ج. يظهر المسيا نفسه، ليس مولودًا من بشر، لكنه يأتي رجلاً جبارًا يقدم من السماء في كمال الرجولة والنضج ليخلص شعبه.
    د. بمجيئه يهيج الملوك ضده ويقومون بثورة عليه، ويدبرون حربًا ينهزمون فيها ويظهر فيها المسيح كأعظم غالب في البشرية يبيد أعداءه.
    ه. إذ تُعلن غلبته على الأمم يقوم بتجديد أورشليم وتطهيرها، أو تنزل أورشليم جديدة بأعمدة جديدة؛ فيها يجتمع اليهود من كل العالم كسادة للبشرية، إذ تنحني البقية الباقية من الأمم لهم في مذلة، ويعيش اليهود بفرح شديد، حتى أن موتاهم يقومون ليشاركوهم هذا الفرح الجديد. بهذا يرى اليهود بفكرهم المادي المتعصب أنه يحل السلام والبرّ الأبديان في العالم.
    هذا الفكر اليهودي لن يقبل مطلقًا سرّ الصليب ولا انفتاح باب الإيمان للأمم، لهذا انتهر بطرس سيده عندما تحدث عن الألم والصليب.
    يعلق القديس أمبروسيوس على كلمات السيد المسيح لتلاميذه بخصوص آلامه وصلبه وقيامته، قائلاً: [لقد عرف مقدار الجهد الذي يحتاج إليه التلاميذ ليؤمنوا بآلامه وقيامته، لذلك استحسن أن يقوم بنفسه بتأكيد آلامه وقيامته لهم، وليكون ذلك بداية وسببًا لميلاد الإيمان فيهم.]
    ويلاحظ هنا أن الإنجيلي يخبرنا بأن السيد علّم تلاميذه التزامه أن يتألم كثيرًا ويرفض ويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم، لكنه لم يقل لنا تفاصيل الحديث، كيف أكدّ لهم السيد الحاجة إلى الألم والصلب والقيامة. هل حدثهم عن رموز العهد القديم ونبواته، أم قدم لهم الفهم اللاهوتي لعمله الخلاصي؟
    على أي الأحوال كشف لهم السيد المسيح أنه لم يكن ممكنًا أن يتحقق الصلاح بموت أحدٍ إلا ابن الإنسان، القادر أن يقتل الموت نفسه ويقوم. يقول القديس أمبروسيوس: [لم يبلغ أحد إلى العظمة التي تؤهله لرفع خطايا العالم كله، لا أخنوخ ولا إبراهيم ولا إسحق الذي قدم نفسه للموت لكنه لا يقدر أن يغفر الخطايا. من هو ذاك الذي بموته تموت كل الخطايا؟ لا يمكن لأحد من الشعب ولا من القيادات أن يقوم بهذا، إنما اختار الآب الابن، ابن الله الذي هو فوق الجميع، أن يقدم نفسه عن الجميع. وكان هو نفسه يحب أن يموت، إذ هو أقوى من الموت، وقادر أن يخلص الآخرين. الذي قام من بين الأموات بلا عون، غلب الموت دون مساندة من إنسانٍ أو خليقةٍ، قام غالبًا الموت، نازعًا الشهوات، إذ لم يعرف قيود الموت.]
    7. إعلانه عن شركة الصليب
    انتهر السيد المسيح بطرس، لأنه لم يقبل صلب السيد، بل دعاه هو وإخوته لشركة الصليب معه، إذ قال لهم: "من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. فإن من أراد أن يخلص نفسه يهلكه، ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟ لأن من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطيء فإن ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين" [34-38].
    أولاً: سألهم أن يحملوا معه الصليب بإنكار ذواتهم... وإنكار الذات إنما يعني أن لا يتعاطف الإنسان مع ذاته، فلا يرتبك لمستقبله ولا يخشى المرض أو الضيق أو الموت، إنما يكون جاحدًا لنفسه عنيفًا مع الأنا، غير مترف في ملذات جسده. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [لم يقل "يعتزل الإنسان ذاته" بل ما هو أكثر "ينكر نفسه"، كما لو كان ليس هناك ما يربطه بذاته، فإنه يواجه الخطر ويتطلع إليه كما لو أن الذي يواجهه آخر غيره، هذا بالحقيقة هو اعتزال الإنسان ذاته... أما إنكار الإنسان ذاته فقد أظهره بقوله "يحمل صليبه"، ويعني به أنه يقبل حتى الموت المشين.]
    إننا ننكر أنفسنا متى تجنبنا ما هو قديم فينا مجاهدين لننال على الدوام ما هو جديد حتى نبلغ إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13).
    يقول القديس أغسطينوس: [إن كان الإنسان بحبه لذاته يصير مفقودًا، فبالتأكيد بإنكاره ذاته يوجد!... لينسحب الإنسان من ذاته لا لأمور زمنية وإنما لكي يلتصق بالله.]
    ثانيًا: إذ حث تلاميذه على إنكار الذات وحمل الصليب قدم لهم المكافأة، فمن يعترف به بحياته وحمله الصليب يتقبل عند مجيء السيد المسيح الأخير شركة أمجاده، أما من يستحي بصليبه هنا يرفض وصيته في هذا العالم فسيستحي منه ابن الإنسان في يوم مجده العظيم، ويحسبه كمن هو غير معروف لديه، وكما يقول القديس جيروم: [الله لا يعرف الشرير، إنما يعرف البار.]
    وقد قال السيد المسيح في وصفه لمجيئه الأخير: "متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين" وكما يقول القديس أمبروسيوس: [ليظهر أن عظمة الآب ومجده هما ذات عظمة الابن ومجده... تأتي الملائكة في خضوع، أما هو فيأتي ممجدًا! هم يأتون كتابعين، أما هو فيجلس على عرشه! هم يقفون، وهو يجلس! إن استعرنا لغة المعاملات اليومية من الحياة البشرية نقول أنه القاضي وهم العاملون في المحكمة.]
    1 في تلك الايام اذ كان الجمع كثيرا جدا و لم يكن لهم ما ياكلون دعا يسوع تلاميذه و قال لهم
    2 اني اشفق على الجمع لان الان لهم ثلاثة ايام يمكثون معي و ليس لهم ما ياكلون
    3 و ان صرفتهم الى بيوتهم صائمين يخورون في الطريق لان قوما منهم جاءوا من بعيد
    4 فاجابه تلاميذه من اين يستطيع احد ان يشبع هؤلاء خبزا هنا في البرية
    5 فسالهم كم عندكم من الخبز فقالوا سبعة
    6 فامر الجمع ان يتكئوا على الارض و اخذ السبع خبزات و شكر و كسر و اعطى تلاميذه ليقدموا فقدموا الى الجمع
    7 و كان معهم قليل من صغار السمك فبارك و قال ان يقدموا هذه ايضا
    8 فاكلوا و شبعوا ثم رفعوا فضلات الكسر سبعة سلال
    9 و كان الاكلون نحو اربعة الاف ثم صرفهم
    10 و للوقت دخل السفينة مع تلاميذه و جاء الى نواحي دلمانوثة
    11 فخرج الفريسيون و ابتداوا يحاورونه طالبين منه اية من السماء لكي يجربوه
    12 فتنهد بروحه و قال لماذا يطلب هذا الجيل اية الحق اقول لكم لن يعطى هذا الجيل اية
    13 ثم تركهم و دخل ايضا السفينة و مضى الى العبر
    14 و نسوا ان ياخذوا خبزا و لم يكن معهم في السفينة الا رغيف واحد
    15 و اوصاهم قائلا انظروا و تحرزوا من خمير الفريسيين و خمير هيرودس
    16 ففكروا قائلين بعضهم لبعض ليس عندنا خبز
    17 فعلم يسوع و قال لهم لماذا تفكرون ان ليس عندكم خبز الا تشعرون بعد و لا تفهمون احتى الان قلوبكم غليظة
    18 الكم اعين و لا تبصرون و لكم اذان و لا تسمعون و لا تذكرون
    19 حين كسرت الارغفة الخمسة للخمسة الالاف كم قفة مملوة كسرا رفعتم قالوا له اثنتي عشرة
    20 و حين السبعة للاربعة الالاف كم سل كسر مملوا رفعتم قالوا سبعة
    21 فقال لهم كيف لا تفهمون
    22 و جاء الى بيت صيدا فقدموا اليه اعمى و طلبوا اليه ان يلمسه
    23 فاخذ بيد الاعمى و اخرجه الى خارج القرية و تفل في عينيه و وضع يديه عليه و ساله هل ابصر شيئا
    24 فتطلع و قال ابصر الناس كاشجار يمشون
    25 ثم وضع يديه ايضا على عينيه و جعله يتطلع فعاد صحيحا و ابصر كل انسان جليا
    26 فارسله الى بيته قائلا لا تدخل القرية و لا تقل لاحد في القرية
    27 ثم خرج يسوع و تلاميذه الى قرى قيصرية فيلبس و في الطريق سال تلاميذه قائلا لهم من يقول الناس اني انا
    28 فاجابوا يوحنا المعمدان و اخرون ايليا و اخرون واحد من الانبياء
    29 فقال لهم و انتم من تقولون اني انا فاجاب بطرس و قال له انت المسيح
    30 فانتهرهم كي لا يقولوا لاحد عنه
    31 و ابتدا يعلمهم ان ابن الانسان ينبغي ان يتالم كثيرا و يرفض من الشيوخ و رؤساء الكهنة و الكتبة و يقتل و بعد ثلاثة ايام يقوم
    32 و قال القول علانية فاخذه بطرس اليه و ابتدا ينتهره
    33 فالتفت و ابصر تلاميذه فانتهر بطرس قائلا اذهب عني يا شيطان لانك لا تهتم بما لله لكن بما للناس
    34 و دعا الجمع من تلاميذه و قال لهم من اراد ان ياتي ورائي فلينكر نفسه و يحمل صليبه و يتبعني
    35 فان من اراد ان يخلص نفسه يهلكها و من يهلك نفسه من اجلي و من اجل الانجيل فهو يخلصها
    36 لانه ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله و خسر نفسه
    37 او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه
    38 لان من استحى بي و بكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فان ابن الانسان يستحي به متى جاء بمجد ابيه مع الملائكة القديسين
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:21 am


    الأصحاح التاسع
    الملكوت العملي
    إذ يقدم لنا الإنجيلي مرقس شخص المسيح كخادم عامل لحساب البشرية، فإنه إذ يقترب من أحداث الصليب يكشف لنا عن ملكوته العملي الذي لأجله يعمل لينعم به على مؤمنيه:
    1. الوعد برؤية ملكوت الله 1.
    2. الملكوت والتجلي 2-13.
    3. الملكوت ومقاومة إبليس 14-29.
    4. الملكوت والصليب 30-32.
    5. الملكوت والتواضع 33-37.
    6. الملكوت واتساع القلب 38-50.
    1. الوعد برؤية ملكوت الله
    "وقال لهم: الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة" [1].
    جاء هذا الوعد كتتمة لحديث السيد المسيح عن حمل الصليب واهتمام الإنسان بخلاص نفسه والتمتع بمجد ملكوت الله عند مجيء ابن الإنسان. الآن يتساءل البعض: كيف تحقق هذا الوعد؟ هل وُجد من معاصري السيد المسيح من لم يذق الموت حتى يرى ملكوت الله آتيًا بقوة؟
    أولاً: يرى البعض أن هذا الوعد قد تحقق بتمتع ثلاثة من التلاميذ بتجلي السيد المسيح، خاصة وأن الحديث عن التجلي جاء بعد الوعد مباشرة. فالتجلي في حقيقته تمتع بمجد السيد المسيح وبهائه الإلهي بالقدر الذي احتمل التلاميذ رؤيته. يقول القديس أمبروسيوس: [عاين بطرس ويوحنا ويعقوب مجد القيامة فلم يعرفوا الموت.]
    ثانيًا: يرى البعض أن "ملكوت الله" الذي أتى بقوة إنما الكرازة بالإنجيل وسط الأمم، فقد دعيت كنيسة العهد الجديد "ملكوت الله". وقد شاهد بعض التلاميذ هذا المجد العظيم وهم بعد في الجسد، إذ تمتعوا بيوم الخمسين حين حّل الروح القدس في العلية، ونظروا الهيكل القديم قد تحطم بينما انطلقت الكرازة إلى كثير من عواصم العالم الوثني. رأوا ملكوت الله معلنًا في حياة الناس ضد مجد العالم الزائل.
    ثالثًا: يرى آخرون أن هذا الوعد الإلهي قائم على الدوام، يتمتع به المؤمنون في كل جيل، حين تدخل نفوسهم إلى بهاء مجد الله الداخلي، ويُعلن الملكوت فيهم دون أن يذوقوا موت الخطية أو يغلبهم إبليس (الموت). يقول القديس يوحنا سابا: [طوبى للنفس التي جمعت نفسها من الطياشة الخارجة عنها، ودخلت داخلها ونظرت ربنا وهو متكئ على كرسيه الذي هو العقل، وقبلت منه وصية جديدة أعني الحب الروحي الذي هو كمال الناموس.]
    يقدم لنا القديس أمبروسيوس ذات المعنى حين يعلن أن الإنسان في ضعفه يحتاج لا أن يتمتع بوعد أبدي فحسب وإنما يذوق عربون هذا الوعد هنا في الحياة الحاضرة. فما وعد به السيد هنا إنما يقدمه لكل إنسان يكون قائمًا معه، أي يتمتع بحضرة الرب والشركة معه، فلا يذوق موت الروح، بل ينعم بقوة الملكوت الإلهي في حياته الحاضرة هنا كعربون للملكوت الأبدي، فمن كلماته:
    [بينما يرتفع الرب بالروح يشير إليها بمكافأة الفضيلة، وبينما يلوح لنا عن الفائدة التي نجنيها من احتقار أمور هذا العالم يؤازر ضعفنا البشري بتقديم مكافأة حتى في هذه الحياة.
    بالتأكيد شاق عليك جدًا أن تحمل الصليب، وتعرض حياتك للأخطار، وجسدك للموت، وتتخلى عن ذاتك، لتنال ما لا تملكه هنا. صعب على البشر أن يعيشوا على الرجاء وحده، فيتعرضوا للمخاطر من أجل التطلع إلى بركات الحياة المقبلة، متخلين عن الخيرات الحاضرة، لذلك إذ لم يشأ الرب الحنون الطيب أن يسقط أحد تحت نير اليأس أو القلق... يسند الضعف بالخيرات الحاضرة، ويسند القوة بالخيرات المقبلة... (بمعنى يعيننا هنا بعربون الملكوت الداخلي، ويكافئنا في الأبدية بكمال مجد الملكوت).
    إن كنا نريد ألا نهاب الموت فلنقف حيث المسيح، ليقول لنا نحن أيضًا: الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت... فمن نالوا الشركة مع المسيح لا يذوقون الموت. سيموت الجسد لكن تبقى الروح حية.
    ما معنى يذوق الموت؟ يوجد أناس يذوقون خبز الدموع (مز 126: 2) وآخرون يأكلون من سموم التنين، أما نحن فلنا الخبز الحقيقي الذي نزل من السماء (يو 16: 51). من يحفظ كلام الله لا يذوق هذا الخبز (الموت)!...
    من هو الإنسان الذي لا يذوق الموت إن كانت لا قيامة إلا بعد الموت؟... يوجد أناس أموات وهم يعيشون هنا، كما يوجد أحياء حتى وإن ماتوا، إذ قيل "وإن مات يتكلم بعد" (1 تي 5: 6). كما قيل: ليبتلعهم الموت ولينحدروا إلى الهاوية (مز 55: 16). الذين ينحدرون أحياء في الهاوية هم الخطاة الذين تحدرهم الخطية إلى الهاوية، أما الأحياء الذين لا تنتهي حياتهم: "إله إسحق وإله يعقوب، ليس الله إله أموات بل إله أحياء" (مت 22: 32).
    لم يمت بطرس إذ أبواب الجحيم لن تقوى عليه، ولا مات يعقوب ويوحنا ابنا الرعد اللذان عاينا المجد الأسني، فلم تستطيع أمور هذا العالم أن تخضعهما بل سحقاها تحت أقدامهما. لتكن أنت أيضًا كبطرس الخادم الأمين المسالم، فتفتح أبواب الكنيسة وتهرب من أبواب الموت. كن كابني الرعد، كيف؟ عندما لا تتأمل الأرضيات، بل تسند رأسك على صدر المسيح، عندما لا تتأثر بأمور هذه الحياة بل بالعكس تسيطر عليها بقوة الروح التي لك. لتتزلزل الأرض أمامك ولا تمسك بك. لتسيطر على الجسد بقوة الروح، فتقمعه وتستعبده. ستكون ابن الرعد إن كنت ابن الكنيسة، يقول لك المسيح من فوق خشبة الصليب: "هوذا أمك".]
    2. الملكوت والتجلي
    إذ وعد السيد المسيح تلاميذه أن بعضًا من القيام معه يعاينون ملكوت الله آتيًا بقوة لم يحدد أسماء الذين يتمتعون بهذه الرؤيا، حتى لا يثير الحسد أو الغيرة بينهم. والآن نراه يأخذ بطرس ويعقوب ويوحنا ويصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين وحدهم [2] ليعلن لهم بهاء لاهوته. وقد سبق لنا الحديث بشيء من الإفاضة عن أحداث التجلي مع تعليقات كثير من الآباء، وذلك أثناء دراستنا لإنجيل معلمنا متى (17: 1-Cool، والآن أكتفي ببعض تعليقات بسيطة ومختصرة:
    أولاً: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن ما كتبه الإنجيليون عن التجلي إنما قدر ما تستطيع اللغة أن تعبر، إذ كان المنظر أعظم من أن تسجله ألفاظ بشرية، إذ يقول: [لو أنه أضاء كالشمس لما سقط التلاميذ، إذ هم يرون الشمس كل يوم ولا يسقطون، لكنه أضاء بأكثر بهاء من الشمس... فلم يحتملوا بهاءه، لذلك سقطوا على الأرض.]
    ثانيًا: يقول الإنجيلي: "بعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا، وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين وحدهم" [2]. سبق فرأينا أن انقضاء هذه الأيام الستة قبل التمتع بالتجلي تشير إلى كمال جهادنا على الأرض لننال كمال المكافأة بالدخول إلى شركة المجد الإلهي. ويرى القديس أمبروسيوس أن هذه الأيام الستة تشير إلى ستة آلاف سنة لنعبر إلى القيامة العامة، بينما يرى العلامة أوريجينوس في هذه الأيام الستة تشير إلى راحتنا الحقيقية في الرب بعبورنا ستة أيام الخليقة ودخولنا إلى اليوم السابع أو السبت الروحي.
    ما أجمل كلمات القديس أمبروسيوس وهو يدعونا للتمتع بالتجلي الداخلي: [من يرتفع فوق العالم، فوق أزمنة الدهر، ويثبت في الأعالي يتطلع إلى ثمار الأبدية التي للقيامة العتيدة. إذن فلنتخطى أعمال الحياة حتى نستطيع أن نرى الله وجهًا لوجه.]
    أما هؤلاء الثلاثة الذين تمتعوا بمحبة الرب والارتفاع معه على جبل عالٍ للتمتع ببهائه فهم بطرس ويعقوب ويوحنا، وكما سبق فقلنا يشيرون إلى الإيمان العامل بالمحبة، بدون الإيمان الحي العامل بالمحبة لن نستطيع معاينة مجده. وقد لاحظ القديس أمبروسيوس أن هذه العطية قدمت لهم بعد الحديث الشخصي الذي تم بين السيد وتلاميذه، فاعترفوا على لسان بطرس الرسول أنه المسيح، وكأن هذا التجلي جاء مكافأة لهذا الاعتراف. يقول القديس أمبروسيوس: [سيتمتع ببركات القيامة هؤلاء الذين سبقوا فاعترفوا بالمسيح، فلا يقوم الأشرار في مجمع الصديقين (مز 1: 5) بل يعاقبون بالدينونة التي سقطوا تحتها.] ويرى ذات القديس أن اختيار ثلاثة هو انفتاح لباب مراحم الله والتمتع بأمجاده للجنس البشري دون تمييز بين يهودي وأممي، إذ يمثل الثلاثة أبناء نوح الثلاثة الذين جاء الجنس البشري كله من نسلهم. هذا الفكر أيضًا نادى به القديس هيلاري أسقف بواتييه.
    يرى القديس أمبروسيوس في اختيار ثلاثة من تلاميذه إشارة إلى الحاجة للإيمان بالثالوث القدوس، إذ يقول: [لا يستطيع أحد أن يعاين مجد القيامة إن لم يؤمن بسرّ التثليث بإيمان ثابت صادق.] ولعل اختيار ثلاثة تلاميذ يشير إلى حاجتنا إلى الحياة المقامة في المسيح يسوع القائم في اليوم الثالث، بهذه الحياة الجديدة نرتفع على جبل تابور لنعلوا فوق الموت، متمتعين ببهاء القيامة العاملة في داخلنا.
    ثالثًا: في نص منسوب للقديس يوحنا الذهبي الفم قيل أن ملامح السيد المسيح عند تجليه بقيت كما هي لكن أُعلن بهاء مجده. لقد بقى السيد المسيح بجسده، لكن الجسد حمل طبيعة جديدة مملوءة بهاءً ومجدًا، هكذا نحن أيضًا في القيامة العامة نحمل ذات الجسد الذي شاركنا جهادنا، له ذات الملامح لكنه يتسم بسمة المجد الفائق الذي يهبه له الله ليناسب الحياة السمائية الأبدية.
    رابعًا: ماذا يعني بقوله: "وتغيرت هيئته قدامهم" [2] إلا أن المجد الذي أُعلن بتجليه ليس بالأمر الجديد عليه ولا بهبة خارجية قُدمت له، إنما هو مجرد إعلان لمجد خفي فيه ظهر في هذه اللحظات قدامهم. وكأن التغير أمر لا يخص طبيعة السيد، إنما يخص أعين التلاميذ التي انفتحت لتعاين ما تستطيع معاينته.
    ما أحوجنا أن ننفرد بالسيد المسيح في أعماقنا الداخلية ليفتح عن عيوننا الروحية ونرى ذاك المصلوب الذي قيل عنه: "كعرق من أرض يابسة، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، لا منظر فنشتهيه" (إش 53: 2) إنه أبرع جمالاً من بني البشر (مز 45). هذا الذي قيل عنه: "محتقر ومخذول من الناس" (إش 53: 3)، مشتهى كل الأمم (حج 2: 7). في هذا يقول القديس أمبروسيوس: [تحمل كافة هذه الأمور في طياتها أسرارًا ومعانٍ صحيحة، فإنه حسب قدرتك يصغر الكلمة أو يكبر بالنسبة لك، فإن لم تصعد إلى القمة بحذر فائق لن تُعلن لك "الحكمة ولا تنكشف أمامك معرفة الأسرار، ولا تظهر لك أمجاد كلمة الله وجماله، إنما يظهر لك كلمة الله كما في الجسد لا منظر له ولا جمال (إش 53: 2) يظهر لك كإنسان أضناه الألم، يحتمله لأجل ضعفنا. يظهر لك مثل كلمة غلفتها ملابس الحرف ولا ترقى إلى قوة الروح.]
    خامسًا: يقول الإنجيلي: "وصارت ثيابه تلمع بيضاء جدًا كالثلج، لا يقدر قصّار على الأرض أن يبيض مثل ذلك" [3].
    ما هذه الثياب التي تلتصق بالسيد فتلمع ببهاء إلا كنيسته، كما يقول القديس أغسطينوس. هذه هي سمة المؤمنين الحقيقيين، البهاء الفائق، إذ يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [لأن في علو بهاء السماوات العليا، الذين يضيئون بحياة البرّ يلتصقون به، إذ قصد بثيابه الذين يجعلهم ملاصقين له.]
    يقدم لنا القديس أمبروسيوس تفسيرًا آخر لهذه الثياب البهية، إذ يقول: [ربما كانت ثياب الكلمة هي العظات عن الكتب المقدسة، فهي بمثابة رداء الفكر الإلهي. فكما ظهر لبطرس ويوحنا بمظهر مختلف وكانت ثيابه تلمع بيضاء، هكذا تتضح الآن أمامك معاني الكتب الإلهية وتصبح الكلمة الإلهية كالثلج لا يقدر قصار على الأرض أن يبيض مثل ذلك.] كأنه إذ ترتفع أفكارنا مع ربنا يسوع المسيح لنوجد معه، ويعلن حلوله فينا تتجلى كلماته فينا ببهاء سماوي لا يُعبر عنه. هذا البهاء ليس من صنع قصّار على الأرض، إنما من صنع القصّار السماوي، أي الروح القدس غافر الخطية، الذي يغسلنا بدم الابن الوحيد فنبيض أكثر من الثلج (مز 50).
    سادسًا: كان ظهور موسى وإيليا معه يحمل معان كثيرة سبق لنا عرضها. يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تعليلاً لظهورهما وهو إذ قالت الجموع عنه أنه إيليا أو واحد من الأنبياء أراد أن يظهر موسى النبي وإيليا معه أمام التلاميذ ليدركوا الفارق بينه وبين خدامه. أيضًا أُتهم ككاسر للناموس ومجدف ينتحل مجد الآب أحضر موسى مستلم الناموس وإيليا الغيور على مجد الرب ليعلن افتراء المتهمين له.
    لعله أيضًا أراد بظهورهما قبل الصلب أن يعلن لتلاميذه أنه يجب ألا يخافوا من الصليب، فقد قبله بإرادته، وإلا ما تمت أحداثه. فإنه أعظم من موسى الذي أنقذ الشعب من يد فرعون، ومن إيليا الذي أرسل نارًا من السماء أحرقت قائدي الخمسين ورجالهما.
    سابعًا: اشتهى بطرس أن يقيم ثلاثة مظال مادية للحماية، فجاءت سحابة صغيرة تظللَّهم، ليدرك أنه في القيامة لا نحتاج إلى مظال مصنوعة بأيد بشرية، ولا إلى منازل مادية، وإنما يظللنا مجد الله نفسه، الذي لا يسبب ظلالاً مظلمة بل بالعكس يهب بهاءً ومجدًا. يقول القديس أمبروسيوس [مصدر هذا الظل روح الله الذي لا يظلم قلوب البشر بل يكشف لها عن الخفيات. هذا ما نجده في موضع آخر حيث يقول الملاك: "وقوة العلي تظللك"... لم توجد السحابة بسبب رطوبة الجبال المدخنة (مز 103: 32) ولا بخار الهواء المتكثف، ولا غطت السماء بظلمة مرهبة، وإنما كانت سحابة نيرة لا تبللنا بالأمطار والسيول ولا تغمرنا بطوفان، وإنما نداها الذي يرسله كلمة الله يغمر قلوب البشر بالإيمان.]
    ثامنًا: "فجاء صوت من السحابة، قائلاً: هذا هو ابني الحبيب، له اسمعوا. فنظروا حولهم بغتة ولم يروا أحدًا غير يسوع وحده معهم" [7-8].
    ماذا يريد صوت الآب: "هذا هو ابني الحبيب، له اسمعوا" إلا أن نقبل كلمة الله المتجسد في حياتنا، نسمع له، ونثبت فيه فنصير نحن أنفسنا أبناء الآب المحبوبين له. غاية الآب أن يرانا ممجدين في ابنه، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [إذ نعاين مجد الله بوجوه مكشوفة نتغير نحن أنفسنا إلى تلك الصورة عينها (2 كو 3: Cool.]
    وللقديس أمبروسيوس أيضًا تعليق جميل على العبارة الإنجيلية التي بين أيدينا، إذ يقول: [لما كان الصوت وُجد يسوع وحده، فبعد أن كانوا ثلاثة وُجد يسوع وحده. رأوا في البداية ثلاثة، أما في النهاية فرأوا واحدًا. بالإيمان الكامل يصير الكل واحدًا كما طلب يسوع من الآب: "ليكون الجميع واحدًا" (يو 17: 21). ليس موسى وإيليا وحدهما واحدًا في المسيح، وإنما نحن أيضًا واحد في جسد المسيح الواحد (رو 12: 5)... ولعل هذا أيضًا يشير إلى أن الناموس (موسى) والأنبياء (إيليا) مصدرهما الكلمة... لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ لكل من يؤمن (رو 10: 4).]
    إذن غاية التجلي أن يلتقي المؤمنين جميعًا كأعضاء في الجسد الواحد خلال الثبوت في المسيح والتمتع بالعضوية في جسده الواحد، فنُحسب بحق أبناء الله المحبوبين والممجدين فيه.
    تاسعًا: "وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم أن لا يحدثوا أحدًا بما أبصروا، إلا متى قام ابن الإنسان من الأموات" [9]. يعلل القديس هيلاري أسقف بواتييه هذه الوصية الإلهية بقوله: [أمرهم فيما يخص ما رأوه حتى يمتلئوا بالروح القدس ويشهدوا للروحيات.] هذه الوصية بلا شك أربكتهم، فقد عرفوا أنه المسيح وشهدوا له بذلك، وبحسب الفكر اليهودي المسيح لا يموت، فماذا عني بقوله: "متى قام ابن الإنسان من الأموات"؟
    لم يشكوا في أنه المسيح بل بدأوا يتشككون فيما تسلموه عن الكتبة والفريسيين بخصوص المسيح، لهذا سألوا: "لماذا يقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً؟" [11]. لعلهم بهذا السؤال يعبرون عن الفكر اليهودي إذ كان مشغولاً بإيليا كمهيئ للطريق للمسيح الذي لا يموت. كانوا يعتقدون أن إيليا لا يزال يعمل لأجل إسرائيل في السماء، وأنه يظهر قبل مجيء المسيح بثلاثة أيام، في اليوم الأول يقف على أحد الجبال العالية ويرفع مرثاة على الأرض الخراب، ويعلن أن سلامًا يحل بالأرض، وفي اليوم الثاني يعلن أن خيرًا يحل بها، وفي اليوم الثالث أن خلاصًا يحل بها، عندئذ يأتي المسيح ليخلص إسرائيل، فلا مجال للموت ولا للقيامة!
    سحبهم السيد من فكرهم المادي من نحو مجيء إيليا والمسيح، مؤكدًا أن كل ما اشتهاه الآباء والأنبياء يتحقق في أيامهم وأن إيليا قد جاء، ولكن ليس حسب الفكر الحرفي المادي، وأن المسّيا أيضًا جاء لكنه لا يملك زمنيًا، وإنما خلال الألم والصليب. يقول السيد: "إن إيليا يأتي أولاً، ويرد كل شيء، وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أنه يتألم كثيرًا ويُرذل. لكن أقول لكم: إن إيليا أيضًا قد أتى، وعملوا به كل ما أرادوا، كما هو مكتوب عنهم"[ 12-13].
    كأنه يقول: لقد وضعوا كل رجائهم في مجيء إيليا لا المسيح، وقد جاء إيليا وعوض السماع له قتلوه، وجاء المسيح وعوض الإيمان به يقتلونه. بمعنى آخر يطالبهم السيد المسيح بمراجعة أنفسهم لإدراك الأمور بفهمٍ روحيٍ وإيمانٍ جديدٍ.
    لقد جاء إيليا، إذ يقول الملاك بخصوص القديس يوحنا المعمدان "ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته" (لو 1: 17). وكما يقول العلامة أوريجينوس إنه يوحنا الذي يحمل سمات إيليا لا شخصه. يقول الأب ثيوفلاكتيوس: [مرة أخرى انتهر يوحنا الرذيلة، كان غيورًا ومتوحدًا كإيليا، أما هم فلم يسمعوا له بكونه كإيليا، بل قتلوه بطريقة شريرة وقطعوا رأسه.] يقول القديس أمبروسيوس: [عاش إيليا في البرية وكذا يوحنا. كانت الغربان تعول الأول، أما الثاني ففي البرية داس كل إغراء للملاهي وأحب الفقر وأبغض الترف. الواحد لم يسع لكسب رضاء آخاب الملك، والثاني ازدرى برضاء هيرودس الملك. رداء الأول شق مياه الأردن (2 مل 2: 14)، والثاني جعل هذه المياه مغسلاً يهب خلاصًا. الأول يظهر مع الرب في المجد والثاني يحيا مع الرب على الأرض. الأول يسبق مجيء الرب الثاني، والثاني يسبق مجيء الرب الأول. الأول أسقط الأمطار على أرض جفت لمدة ثلاث سنوات، والثاني غسل تراب أجسادنا في مياه الإيمان خلال ثلاث سنوات. تسألونني: ما هي هذه السنوات الثلاث؟ فأجيبكم بما قيل "هوذا ثلاث سنين آتي أطلب ثمرًا في هذه التينة ولم أجد" (لو 13: 7)... السنة الأولى هي عهد الآباء حيث بلغ الحصاد مدى لم يتحقق بعد ذلك، والسنة الثانية هي عهد موسى والأنبياء، ثم السنة الثالثة لمجيء إلهنا ومخلصنا "ليكرز بسنة الرب المقبولة" (لو 4: 19).]
    3. الملكوت ومقاومة إبليس
    بينما صعد السيد المسيح بثلاثة من تلاميذه إلى جبلٍ عالٍ يعلن لهم ملكوته آتيًا بقوة، نجد بعضًا من التلاميذ يقفون في عجز أمام إخراج روح نجس أخرس، حتى جاء السيد يكشف لهم عن الحاجة إلى الصوم والصلاة كطريق للصراع ضد إبليس والغلبة عليه بالرب واهب النصرة. وكأن الملكوت ليس مجرد رؤيا يتمتع بها التلاميذ على جبل تابور، لكنه أيضًا ثمرة جهاد روحي ضد عدو الخير بالرب الغالب.
    ويلاحظ في هذا العمل الآتي:
    أولاً: بينما كان بطرس على الجبل يشتهي البقاء هناك [5] ينعم بمجد السيد المسيح ويتمتع بالرؤيا السماوية إذا بالسيد ينزل به مع التلميذين الآخرين ليروا جمعًا كثيرًا حول التلاميذ وكتبة يحاورونهم [14]. أما علة الحوار فهو عجز التلاميذ عن إخراج روح نجس أخرس من إنسان معذب منذ صباه [21].
    ما أجمل أن ينفرد المؤمن بسيده لينعم بالتأملات الروحية والتعزيات السماوية في مخدعه كما على جبل تابور، حتى يشتهي لو بقى عمره كله متأملاً بلا انقطاع، ورؤيا سماوية بلا توقف. لكننا مادمنا في الجسد يلزمنا ان ننزل إلى الميدان للعمل أيضُا من أجل كل نفس معذبة؛ فلا عجب إن رأينا حتى كبار النساك والمتوحدين يهتمون بخلاص النفوس. يقول القديس المتوحد يوحنا سابا: [مرذول قدام الله من يبغض الخاطي.]
    الخدمة الروحية هي جزء لا يتجزأ من حياة المؤمن، أيا كان عمله في الكنيسة أو وضعه، سواء كان كاهنًا أو راهبًا أو واحدًا من أفراد الشعب؛ وإن اختلفت الوسائل في ممارسة هذه الخدمة الروحية!
    ثانيًا: يقول الإنجيلي: "رأى جمعًا كثيرًا حولهم وكتبه يحاورونهم" [14]. هذا الوصف الإنجيلي لا يمثل لحظة معينة من الزمن، إنما يسجل لنا صورة لا تنقطع، فعلى الدوام يتطلع السيد المسيح ليرى جمعًا كثيرًا حول تلاميذه يشتاقون بالبساطة أن يتمتعوا بعطية المسيح لهم، كما يرى أيضًا كتبة مقاومين يحاورونهم، فلا يقف السيد مكتوف الأيدي، إنما يهب كنيسته على الدوام أن تُشبع الجمع من عطايا سيدها، وأن تقف بثبات أمام مقاوميها.
    ليتنا لا نضطرب إذ نشعر بالمسئولية الملقاة على عاتق الكنيسة من جهة جموع البشرية المتعطشة والجائعة تطلب ارتواءً وشعبًا، ومن وجهة المقاومين للحق بكل طريقة، فإن عريس الكنيسة حال في وسطها يشبع الجائعين ويبكم المقاومين. لهذا يترنم المرتل قائلاً: "الله في وسطها فلن تتزعزع" (مز 46: 5)، كما يوصينا السيد نفسه، "فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، أنكم تُعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت 10: 19-20).
    ثالثًا: وبخ السيد المسيح تلاميذه لعجزهم عن إخراج الروح النجس، قائلاً: "أيها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟" [19]. وبخهم على عدم إيمانهم وقام هو نفسه بالعمل. هو المسئول عن الكنيسة بكونها عروسه يوبخ خدامها عن كل تقصير في إيمانهم أو عملهم ويقوم هو بالعمل.
    لنعرض على ربنا يسوع كل أعمالنا لكي وإن وبخنا على ضعفاتنا لكنه يكمل كل نقص فينا.
    رابعًا: إذ وبخ تلاميذه طلب تقديم الابن المُصاب بروح شرير، وإذ رأى السيد "للوقت صرعه الروح فوقع على الأرض يتمرغ ويُزبد" [20]. لماذا سمح للشيطان أن يصرعه؟ لا يحتمل السيد أن يرى إنسانًا يتعذب، لكنه قد سمح لهذا المسكين أن يتألم إلى حين، لكي يدفع أباه للإيمان كما قال الذهبي الفم، فقد قال الأب: "إن كنت تستطيع شيئًا فتحنن علينا وأعنا" [22]. أجاب السيد بأن مفتاح الشفاء في أيدي الإنسان إن آمن، إذ قال له: "إن كنت تستطيع أن تؤمن، كل شيء مستطاع للمؤمن" [23]. في إيمان مصحوب بتواضع صرخ الأب بدموع: "أومن يا سيد، فأعن عدم إيماني" [24]. كأن السيد المسيح سمح للابن أن يتألم قليلاً ليبرز إيمان أبيه، ويدفعه بالأكثر إلى التواضع، طالبًا أن يعين الرب عدم إيمانه، وليعلن أيضًا سلطان الإنسان بالإيمان.
    ولعل السيد المسيح سمح أيضًا بذلك لكي يكشف عن قسوة إبليس وجنوده، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [سمح للابن أن يهيج لكي نعرف شر إبليس الذي يود قتله لو لم ينقذه الرب]. ولذات السبب سأل السيد والد الشخص: "كم من الزمان منذ أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه، وكثيرًا ما ألقاه في النار وفي الماء ليهلكه" [21-22]. فإن عدو الخير لا يرحم طفلاً ولا شيخًا، ولا رجلاً ولا امرأة، بل يشتاق أن يدفع بالكل إلى نار الشهوات، أو يسحبهم إلى تيارات مياه العالم ليهلكهم. يحاربنا على الدوام بالمتناقضات، بالنار والماء، إن هربنا من فخ يقيم آخر. على أي الأحوال إن كان الشيطان يدفعنا للنار والماء المهلكين، فإن ربنا يسوع يقدم لنا روحه القدوس الناري خلال المعمودية ليقتل النار الشريرة بنار إلهية، ويفسد مياه العدو بالأردن المقدس!
    خامسًا: عجيبة هي محبة السيد المسيح، ففي وسط أعماله الفائقة يبرز فضائل الآخرين مهما بدت قليلة أو تافهة. فإن كان قد شفى الولد، لكنه أبرز حب أبيه له، وإيمانه، وأيضًا تواضعه. أقول ليت لنا قلب هذا الأب نحو كل نفس معذبة فلا نستريح حتى نقدمها بروح الإيمان المتواضع وحده والمملوء حبًا لذاك القادر أن يخلصها. يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [من يربط نفسه بقريبه برباط الحب يكون له ملحًا، ويكون في سلام مع أخيه.]
    سادسًا: هذا الأب الذي يئن بدموع ويصرخ لإنقاذ ابنه يمثل نفس كل مؤمن التقى مع الرب وعرف خلاصه العجيب فلا يحتمل عذاب النفوس الجاحدة التي سقطت تحت أسر عدو الخير منذ الصبا، إذ جاءت إلى العالم منذ البداية تحمل الخطية الجدية فتقول مع المرتل: بالآثام حبل بيّ، وبالخطايا ولدتني أمي. ولعل هذا الابن يشير إلى الأمم الذين عاشوا منذ طفولتهم تحت سلطان عدو الخير خلال الرجاسات الوثنية.
    سابعًا: يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على عبارة: "فصار كميت، حتى قال كثيرون أنه مات" [26] بقوله: [من يتحرر من سلطان الروح الشرير يُحسب كميت، لأنه كان خاضعًا للشهوات الجسدية والآن يميت في داخله هذه الحياة الجسدانية ويظهر للعالم كميت. الذين لا يعرفون كيف يعيشون حسب الروح يظنون أن من لا يسلك بالشهوات الجسدية ميت تمامًا.] هذه هي نظرة العالم إلى يومنا هذا نحو الروحيين، إذ يحسبونهم محرومين من متعة الحياة وأموات!
    ثامنًا: إذ دخل السيد المسيح بيتًا سأله تلاميذه على إنفراد: لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟ فقال لهم: "هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم" [29]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد خشوا لئلا يكونوا قد فقدوا العطية التي وُهبت لهم، إذ كانوا قد نالوا سلطانًا على الأرواح النجسة.]
    حقًا لقد تمتع التلاميذ بالسلطان، لكن يلزمهم إضرام الموهبة المجانية بالحياة التقوية بالصلاة مع الصوم، للتمتع بشركة عميقة مع الله في ابنه.
    يحدثنا القديس يوحنا سابا عن فاعلية الصلاة، قائلاً: [مفاتيح الخزائن موضوعة في أيديكم لكي تأخذوا وتعطوا، حتى تحيوا آخرين وأيضًا]، [قدّس فراشك بالصلاة ورفرفة الروح القدس عليك، فتفوح رائحة أعضائك مثل الطيب.] كما يحدثنا أيضًا عن الصوم باعتدال: [لا تملأ بطنك كثيرًا لئلا يعذبك الزنا، ولا تضعف جسدك لئلا يفرح مبغضوك. أمسك طقس الاعتدال، وأنت تسلك في الطريق الملوكي، وبغير خوف يكون مسيرك.]
    4. الملكوت والصليب
    كانت أحداث الصليب تقترب، لذلك ففي أكثر من مرة كان السيد يختلي بتلاميذه، ليؤكد لهم ضرورة تسليمه وقتله وقيامته. حقًا في المرة السابقة انتهره بطرس (8: 32)، أما في هذه المرة فلم يفهموا القول وخافوا أن يسألوه [32]، إذ لم يكن ممكنًا للفكر البشري أن يتقبل قيام ملكوت الله على خشبة العار (الصليب)!
    الصليب الذي لم يحتمل التلاميذ السماع عنه، إذ ذاقوه وأدركوا فاعليته فيهم أحبوه وحملوه مع عريسهم المصلوب بفرحٍ وسروًر.
    يقول القديس أغسطينوس: [لا يوجد مشهد أعظم وأعجب من منظر ربنا يسوع المسيح ابن الله... لقد غلب العالم كله كما نرى أيها الأحباء... لقد قهر... لا بقوة عسكرية بل بجهالة الصليب!... لقد رُفع جسده على الصليب، فخضعت له الأرواح.] ويقول القديس مار أفرام السرياني: [بالشجرة التي قتلنا بها (الشيطان) أنقذنا الرب!]
    5. الملكوت والتواضع
    إن كان السيد قد رسم لنا طريق خلاصنا بصليبه الذي جاء مخالفًا تمامًا لما ظنه البشر، ففي محبته يشتاق أن يحملنا معه في طريقه الخلاصي خلال التواضع.
    لقد ظن العالم أن الكرامة الزمنية والسلطة هما طريق الملكوت، لكن الصليب يعلن التواضع سمة ملكوت الله، لذلك إذ كان التلاميذ يتحاجون في الطريق في من هو الأعظم [24]، نادى السيد المسيح الإثني عشر وقال لهم: "إذا أراد أحد أن يكون أولاً فيكون آخر الكل وخادمًا للكل. فأخذ ولدًا وأقامه في وسطهم ثم احتضنه، وقال لهم: من قبل واحدًا من أولاد مثل هذا باسمي يقبلني، فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني" [35-37].
    لقد وضع السيد المسيح يده على جرحنا البشري القديم، ألا وهو حب الإنسان للكرامة الزمنية والتسلط. فضح جرحنا مقدمًا لنا نفسه مثالاً ودواءً! فقد بدأ أولاً بإعلان الجرح عندما سألهم عما كانوا يتكلمون فيه ليعلن أنه كلمة الله العارف الخفايا والناظر الكل، فاحص القلوب والكِلى. إذ كشف الجرح أعطى الدواء بتعليمه عن مفهوم الرئاسة الروحية خلال التواضع الممتزج حبًا. ثم قدم لهم مثلاً عمليًا باحتضانه ولدًا ليقبلوا هم البشرية بروح الحب كطفلٍ يحتضنوه ويغسلوا قدميه، فيصيروا خدامًا لا أصحاب سلطة. أما المثل العملي للآخرين فقد وضح بقوله أنه من يقبله لا يقبله هو، بل الذي أرسله، مع أنه واحد مع الآب! في حب ممتزج بالطاعة يقدم الابن الآب وإن كان لا ينفصلان قط!
    فيما يلي بعض مقتطفات للآباء بخصوص الخدمة الحقيقية وروح التواضع:
    v ناقش التلاميذ في الطريق من يكون رئيسًا، أما المسيح نفسه فنزل ليعلمنا التواضع. فإن الرئاسات تجلب التعب، أما التواضع فيهب راحة!
    القديس جيروم
    v يريدنا ألا نغتصب الرئاسات لأنفسنا، بل نبلغ العلويات السامية بالتواضع... يا لعظمة التواضع، إذ تربح لنفسها سكنى الآب والابن والروح القدس.
    الأب ثيؤفلاكتيوس
    v حثهم على التواضع والبساطة بنفس المنظر، لأن هذا الولد طاهر من الحسد والمجد الباطل ورغبة الترأس.
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v التواضع رفع موسى، أما المتكبرون فابتلعتهم الأرض.
    v التواضع هو أرض حاملة للفضائل، فإن نُزع التواضع هلكت كل الفضائل.
    v آباؤنا الجبابرة مهدوا لنا الطريق، إذ لبسوا التواضع الذي هو رداء المسيح، وبه رفضوا الشيطان وربطوه بقيود الظلمة.
    v البس التواضع كل حين، وهو يجعلك مسكنًا لله.
    القديس يوحنا سابا
    6. الملكوت واتساع القلب
    إذ حدثنا عن الملكوت الإلهي كيف نخدمه بالتواضع خلال الصليب، خشي لئلا يفهم ذلك بطريقة سلبية لذلك كشف ربنا يسوع المسيح هنا عن التزام أبناء الملكوت للعمل بقلبٍ متسعٍ. فإن كان السيد المسيح نفسه جاء إلى الصليب في اتساع قلب للبشرية لاق بأبنائه أن يحملوا ذات سمته.
    قال له يوحنا: "يا معلم رأينا واحدًا يخرج الشياطين باسمك، وهو ليس يتبعنا، فمنعناه، لأنه ليس يتبعنا" [38]. لعل القديس يوحنا لم يمنعه عن غيرة منه أو حسد، لكنه اشتاق أن تكون لهذا الإنسان تبعية للسيد المسيح ولقاء معه، ولا يكون مستغلاً لاسم السيد المسيح في إخراج الشياطين. لكن السيد قال له: "لا تمنعوه، لأنه ليس أحد يصنع قوة باسمي ويستطيع سريعًا أن يقول عليّّ شرًا. لأن من ليس علينا فهو معنا، لأن من سقاكم كأس بارد باسمي لأنكم للمسيح فالحق أقول لكم أنه لا يضيع أجره" [39-41].
    هذا الحديث يكشف أن ذاك الذي كان يخرج الشياطين لم يكن ضد المسيح لا بفمه ولا بقلبه، بل كان يعمل لحساب المسيح بإيمان صادق، وإن لم تكن قد أُتيحت له الفرصة للتبعية الظاهرة. إيماننا لا يقوم على أساس تعصبي وتحكم في الآخرين، بل اتساع القلب للكل والوحدة مادام الكل يعمل خلال إيمان مستقيم. وحدتنا الكنسية المسكونية لا تقوم على تجمعات، وإنما على وحده الإيمان الحيّ.
    هذا ونلاحظ أن السيد قد تحفظ في كلماته، إذ يوجد أيضًا من يصنع قوات باسم المسيح لكنه يضمر شرًا في قلبه كالهراطقة مسببي الانقسامات والأشرار في حياتهم العملية. يقول السيد نفسه "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب أليس باسمك تنبأنا، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم: أني لا أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 22-23).
    بهذا القلب المتواضع والمتسع بالحب يلزم أن نسلك دون أن نعثر الآخرين، وفي نفس الوقت دون أن نتعثر بسبب الآخرين، أي ليكن قلبنا متسعًا بالحب، لا على حساب خلاص إخوتنا الأصاغر، ولا على حساب خلاص نفوسنا.
    فمن جهة تحذيرنا من عثرة الصغار يقول: "من أعثر أحد الصغار المؤمنين بي، فخير له لو طوّق عنقه بحجر رحىَّ وطرح في البحر" [42]. بمعنى آخر يليق بنا أن تكون قلوبنا متسعة، فنحتمل ضعفات الآخرين كصغارٍ نترفق بهم ولا نعثرهم في الإيمان. ويقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا لهذه العبارات بقوله أن حجر الرحى يُشير إلى العلماني الذي يرتبك بأمور هذه الحياة فيدور حول نفسه كما حول حجر رحى في مللٍ وتعبٍ بلا هدف ولا راحة، أما الطرح في أعماق البحر فيعني أشر أنواع العقوبة، وكأنه خير لذلك الذي يرتدي ثوب العمل الكرازي أو الخدمة ويعثر الصغار أن يترك وظيفته ويصير علمانيًا، فإنه حتى وإن نال أشر أنواع العقوبة فسيكون له أفضل من إعثار الآخرين وهو خادم، لأنه بدون شك إن سقط بمفرده تكون آلامه في جهنم أكثر احتمالاً.
    بقدر ما يتسع قلبنا بالحب لا نُعثر صغار نفوس، ويلزمنا بحكمة أيضًا أن نهرب من النفوس المعثرة لنا، لكن دون إدانة لهم، إذ يقول: "وإن أعثرتك يدك فأقطعها، خير لك أن تدخل الحياة أقطع، من أن تكون لك يدان وتمضي في جهنم إلى النار التي لا تطفأ، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تُطفأ" [43-44]. وما يقوله عن اليد يكرره بخصوص الرجل والعين أيضًا. وقد سبق لنا تفسير مفهوم اليد والرجل والعين روحيًا، لذا نكتفي بعبارة القديس يوحنا الذهبي الفم [لا يتحدث هنا عن أعضائنا الجسدية بل عن أصدقائنا الملازمين لنا جدًا، والذين يحسبون ضروريين لنا كأعضاء لنا، فإنه ليس شيء يضرنا مثل الجماعة الفاسدة (الصداقات الشريرة).]
    أخيرًا يختم حديثه عن فاعلية المسيحي باتساع قلبه نحو الكل، مشبهًا إياه بالملح الذي يُصلح الآخرين من الفساد، قائلاً: "لأن كل واحد يُملح بنارٍ، وكل ذبيحة تُملح بملح. الملح الجيد، ولكن إذا صار الملح بلا ملوحة، فبماذا تصلحونه، ليكن في أنفسكم ملح، وسالموا بعضكم بعضًا" [49-50]. كأنه يقول أن الملح يفقد كيانه إن فقد ملوحته التي بها يُصلح الطعام، هكذا المسيحي يفقد كيانه كمسيحي إن فقد حبه للغير ومسالمته للآخرين. الحب ليس سمة أساسية في حياتنا بل هو بعينه حياتنا، بدونه نفقد وجودنا المسيحي.
    ماذا يعني بقوله "كل واحد يُملح بنار"؟ في العهد القديم كانت الذبائح يلزم أن تُملح قبل تقديمها على المذبح لتحرق، هكذا إن كانت حياتنا ذبيحة حب، فالله لن يقبلها ما لم تكن مملحة بملح الحب الأخوي.
    1 و قال لهم الحق اقول لكم ان من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد اتى بقوة
    2 و بعد ستة ايام اخذ يسوع بطرس و يعقوب و يوحنا و صعد بهم الى جبل عال منفردين وحدهم و تغيرت هيئته قدامهم
    3 و صارت ثيابه تلمع بيضاء جدا كالثلج لا يقدر قصار على الارض ان يبيض مثل ذلك
    4 و ظهر لهم ايليا مع موسى و كانا يتكلمان مع يسوع
    5 فجعل بطرس يقول ليسوع يا سيدي جيد ان نكون ههنا فلنصنع ثلاث مظال لك واحدة و لموسى واحدة و لايليا واحدة
    6 لانه لم يكن يعلم ما يتكلم به اذ كانوا مرتعبين
    7 و كانت سحابة تظللهم فجاء صوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا
    8 فنظروا حولهم بغتة و لم يروا احدا غير يسوع وحده معهم
    9 و فيما هم نازلون من الجبل اوصاهم ان لا يحدثوا احد بما ابصروا الا متى قام ابن الانسان من الاموات
    10 فحفظوا الكلمة لانفسهم يتساءلون ما هو القيام من الاموات
    11 فسالوه قائلين لماذا يقول الكتبة ان ايليا ينبغي ان ياتي اولا
    12 فاجاب و قال لهم ان ايليا ياتي اولا و يرد كل شيء و كيف هو مكتوب عن ابن الانسان ان يتالم كثيرا و يرذل
    13 لكن اقول لكم ان ايليا ايضا قد اتى و عملوا به كل ما ارادوا كما هو مكتوب عنه
    14 و لما جاء الى التلاميذ راى جمعا كثيرا حولهم و كتبة يحاورونهم
    15 و للوقت كل الجمع لما راوه تحيروا و ركضوا و سلموا عليه
    16 فسال الكتبة بماذا تحاورونهم
    17 فاجاب واحد من الجمع و قال يا معلم قد قدمت اليك ابني به روح اخرس
    18 و حيثما ادركه يمزقه فيزبد و يصر باسنانه و ييبس فقلت لتلاميذك ان يخرجوه فلم يقدروا
    19 فاجاب و قال لهم ايها الجيل غير المؤمن الى متى اكون معكم الى متى احتملكم قدموه الي
    20 فقدموه اليه فلما راه للوقت صرعه الروح فوقع على الارض يتمرغ و يزبد
    21 فسال اباه كم من الزمان منذ اصابه هذا فقال منذ صباه
    22 و كثيرا ما القاه في النار و في الماء ليهلكه لكن ان كنت تستطيع شيئا فتحنن علينا و اعنا
    23 فقال له يسوع ان كنت تستطيع ان تؤمن كل شيء مستطاع للمؤمن
    24 فللوقت صرخ ابو الولد بدموع و قال اؤمن يا سيد فاعن عدم ايماني
    25 فلما راى يسوع ان الجمع يتراكضون انتهر الروح النجس قائلا له ايها الروح الاخرس الاصم انا امرك اخرج منه و لا تدخله ايضا
    26 فصرخ و صرعه شديدا و خرج فصار كميت حتى قال كثيرون انه مات
    27 فامسكه يسوع بيده و اقامه فقام
    28 و لما دخل بيتا ساله تلاميذه على انفراد لماذا لم نقدر نحن ان نخرجه
    29 فقال لهم هذا الجنس لا يمكن ان يخرج بشيء الا بالصلاة و الصوم
    30 و خرجوا من هناك و اجتازوا الجليل و لم يرد ان يعلم احد
    31 لانه كان يعلم تلاميذه و يقول لهم ان ابن الانسان يسلم الى ايدي الناس فيقتلونه و بعد ان يقتل يقوم في اليوم الثالث
    32 و اما هم فلم يفهموا القول و خافوا ان يسالوه
    33 و جاء الى كفرناحوم و اذ كان في البيت سالهم بماذا كنتم تتكالمون فيما بينكم في الطريق
    34 فسكتوا لانهم تحاجوا في الطريق بعضهم مع بعض في من هو اعظم
    35 فجلس و نادى الاثني عشر و قال لهم اذا اراد احد ان يكون اولا فيكون اخر الكل و خادما للكل
    36 فاخذ ولدا و اقامه في وسطهم ثم احتضنه و قال لهم
    37 من قبل واحدا من اولاد مثل هذا باسمي يقبلني و من قبلني فليس يقبلني انا بل الذي ارسلني
    38 فاجابه يوحنا قائلا يا معلم راينا واحدا يخرج شياطين باسمك و هو ليس يتبعنا فمنعناه لانه ليس يتبعنا
    39 فقال يسوع لا تمنعوه لانه ليس احد يصنع قوة باسمي و يستطيع سريعا ان يقول علي شرا
    40 لان من ليس علينا فهو معنا
    41 لان من سقاكم كاس ماء باسمي لانكم للمسيح فالحق اقول لكم انه لا يضيع اجره
    42 و من اعثر احد الصغار المؤمنين بي فخير له لو طوق عنقه بحجر رحى و طرح في البحر
    43 و ان اعثرتك يدك فاقطعها خير لك ان تدخل الحياة اقطع من ان تكون لك يدان و تمضي الى جهنم الى النار التي لا تطفا
    44 حيث دودهم لا يموت و النار لا تطفا
    45 و ان اعثرتك رجلك فاقطعها خير لك ان تدخل الحياة اعرج من ان تكون لك رجلان و تطرح في جهنم في النار التي لا تطفا
    46 حيث دودهم لا يموت و النار لا تطفا
    47 و ان اعثرتك عينك فاقلعها خير لك ان تدخل ملكوت الله اعور من ان تكون لك عينان و تطرح في جهنم النار
    48 حيث دودهم لا يموت و النار لا تطفا
    49 لان كل واحد يملح بنار و كل ذبيحة تملح بملح
    50 الملح جيد و لكن اذا صار الملح بلا ملوحة فبماذا تصلحونه ليكن لكم في انفسكم ملح و سالموا بعضكم بعضا
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:22 am


    الأصحاح التاسع
    الملكوت العملي
    إذ يقدم لنا الإنجيلي مرقس شخص المسيح كخادم عامل لحساب البشرية، فإنه إذ يقترب من أحداث الصليب يكشف لنا عن ملكوته العملي الذي لأجله يعمل لينعم به على مؤمنيه:
    1. الوعد برؤية ملكوت الله 1.
    2. الملكوت والتجلي 2-13.
    3. الملكوت ومقاومة إبليس 14-29.
    4. الملكوت والصليب 30-32.
    5. الملكوت والتواضع 33-37.
    6. الملكوت واتساع القلب 38-50.
    1. الوعد برؤية ملكوت الله
    "وقال لهم: الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة" [1].
    جاء هذا الوعد كتتمة لحديث السيد المسيح عن حمل الصليب واهتمام الإنسان بخلاص نفسه والتمتع بمجد ملكوت الله عند مجيء ابن الإنسان. الآن يتساءل البعض: كيف تحقق هذا الوعد؟ هل وُجد من معاصري السيد المسيح من لم يذق الموت حتى يرى ملكوت الله آتيًا بقوة؟
    أولاً: يرى البعض أن هذا الوعد قد تحقق بتمتع ثلاثة من التلاميذ بتجلي السيد المسيح، خاصة وأن الحديث عن التجلي جاء بعد الوعد مباشرة. فالتجلي في حقيقته تمتع بمجد السيد المسيح وبهائه الإلهي بالقدر الذي احتمل التلاميذ رؤيته. يقول القديس أمبروسيوس: [عاين بطرس ويوحنا ويعقوب مجد القيامة فلم يعرفوا الموت.]
    ثانيًا: يرى البعض أن "ملكوت الله" الذي أتى بقوة إنما الكرازة بالإنجيل وسط الأمم، فقد دعيت كنيسة العهد الجديد "ملكوت الله". وقد شاهد بعض التلاميذ هذا المجد العظيم وهم بعد في الجسد، إذ تمتعوا بيوم الخمسين حين حّل الروح القدس في العلية، ونظروا الهيكل القديم قد تحطم بينما انطلقت الكرازة إلى كثير من عواصم العالم الوثني. رأوا ملكوت الله معلنًا في حياة الناس ضد مجد العالم الزائل.
    ثالثًا: يرى آخرون أن هذا الوعد الإلهي قائم على الدوام، يتمتع به المؤمنون في كل جيل، حين تدخل نفوسهم إلى بهاء مجد الله الداخلي، ويُعلن الملكوت فيهم دون أن يذوقوا موت الخطية أو يغلبهم إبليس (الموت). يقول القديس يوحنا سابا: [طوبى للنفس التي جمعت نفسها من الطياشة الخارجة عنها، ودخلت داخلها ونظرت ربنا وهو متكئ على كرسيه الذي هو العقل، وقبلت منه وصية جديدة أعني الحب الروحي الذي هو كمال الناموس.]
    يقدم لنا القديس أمبروسيوس ذات المعنى حين يعلن أن الإنسان في ضعفه يحتاج لا أن يتمتع بوعد أبدي فحسب وإنما يذوق عربون هذا الوعد هنا في الحياة الحاضرة. فما وعد به السيد هنا إنما يقدمه لكل إنسان يكون قائمًا معه، أي يتمتع بحضرة الرب والشركة معه، فلا يذوق موت الروح، بل ينعم بقوة الملكوت الإلهي في حياته الحاضرة هنا كعربون للملكوت الأبدي، فمن كلماته:
    [بينما يرتفع الرب بالروح يشير إليها بمكافأة الفضيلة، وبينما يلوح لنا عن الفائدة التي نجنيها من احتقار أمور هذا العالم يؤازر ضعفنا البشري بتقديم مكافأة حتى في هذه الحياة.
    بالتأكيد شاق عليك جدًا أن تحمل الصليب، وتعرض حياتك للأخطار، وجسدك للموت، وتتخلى عن ذاتك، لتنال ما لا تملكه هنا. صعب على البشر أن يعيشوا على الرجاء وحده، فيتعرضوا للمخاطر من أجل التطلع إلى بركات الحياة المقبلة، متخلين عن الخيرات الحاضرة، لذلك إذ لم يشأ الرب الحنون الطيب أن يسقط أحد تحت نير اليأس أو القلق... يسند الضعف بالخيرات الحاضرة، ويسند القوة بالخيرات المقبلة... (بمعنى يعيننا هنا بعربون الملكوت الداخلي، ويكافئنا في الأبدية بكمال مجد الملكوت).
    إن كنا نريد ألا نهاب الموت فلنقف حيث المسيح، ليقول لنا نحن أيضًا: الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت... فمن نالوا الشركة مع المسيح لا يذوقون الموت. سيموت الجسد لكن تبقى الروح حية.
    ما معنى يذوق الموت؟ يوجد أناس يذوقون خبز الدموع (مز 126: 2) وآخرون يأكلون من سموم التنين، أما نحن فلنا الخبز الحقيقي الذي نزل من السماء (يو 16: 51). من يحفظ كلام الله لا يذوق هذا الخبز (الموت)!...
    من هو الإنسان الذي لا يذوق الموت إن كانت لا قيامة إلا بعد الموت؟... يوجد أناس أموات وهم يعيشون هنا، كما يوجد أحياء حتى وإن ماتوا، إذ قيل "وإن مات يتكلم بعد" (1 تي 5: 6). كما قيل: ليبتلعهم الموت ولينحدروا إلى الهاوية (مز 55: 16). الذين ينحدرون أحياء في الهاوية هم الخطاة الذين تحدرهم الخطية إلى الهاوية، أما الأحياء الذين لا تنتهي حياتهم: "إله إسحق وإله يعقوب، ليس الله إله أموات بل إله أحياء" (مت 22: 32).
    لم يمت بطرس إذ أبواب الجحيم لن تقوى عليه، ولا مات يعقوب ويوحنا ابنا الرعد اللذان عاينا المجد الأسني، فلم تستطيع أمور هذا العالم أن تخضعهما بل سحقاها تحت أقدامهما. لتكن أنت أيضًا كبطرس الخادم الأمين المسالم، فتفتح أبواب الكنيسة وتهرب من أبواب الموت. كن كابني الرعد، كيف؟ عندما لا تتأمل الأرضيات، بل تسند رأسك على صدر المسيح، عندما لا تتأثر بأمور هذه الحياة بل بالعكس تسيطر عليها بقوة الروح التي لك. لتتزلزل الأرض أمامك ولا تمسك بك. لتسيطر على الجسد بقوة الروح، فتقمعه وتستعبده. ستكون ابن الرعد إن كنت ابن الكنيسة، يقول لك المسيح من فوق خشبة الصليب: "هوذا أمك".]
    2. الملكوت والتجلي
    إذ وعد السيد المسيح تلاميذه أن بعضًا من القيام معه يعاينون ملكوت الله آتيًا بقوة لم يحدد أسماء الذين يتمتعون بهذه الرؤيا، حتى لا يثير الحسد أو الغيرة بينهم. والآن نراه يأخذ بطرس ويعقوب ويوحنا ويصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين وحدهم [2] ليعلن لهم بهاء لاهوته. وقد سبق لنا الحديث بشيء من الإفاضة عن أحداث التجلي مع تعليقات كثير من الآباء، وذلك أثناء دراستنا لإنجيل معلمنا متى (17: 1-Cool، والآن أكتفي ببعض تعليقات بسيطة ومختصرة:
    أولاً: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن ما كتبه الإنجيليون عن التجلي إنما قدر ما تستطيع اللغة أن تعبر، إذ كان المنظر أعظم من أن تسجله ألفاظ بشرية، إذ يقول: [لو أنه أضاء كالشمس لما سقط التلاميذ، إذ هم يرون الشمس كل يوم ولا يسقطون، لكنه أضاء بأكثر بهاء من الشمس... فلم يحتملوا بهاءه، لذلك سقطوا على الأرض.]
    ثانيًا: يقول الإنجيلي: "بعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا، وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين وحدهم" [2]. سبق فرأينا أن انقضاء هذه الأيام الستة قبل التمتع بالتجلي تشير إلى كمال جهادنا على الأرض لننال كمال المكافأة بالدخول إلى شركة المجد الإلهي. ويرى القديس أمبروسيوس أن هذه الأيام الستة تشير إلى ستة آلاف سنة لنعبر إلى القيامة العامة، بينما يرى العلامة أوريجينوس في هذه الأيام الستة تشير إلى راحتنا الحقيقية في الرب بعبورنا ستة أيام الخليقة ودخولنا إلى اليوم السابع أو السبت الروحي.
    ما أجمل كلمات القديس أمبروسيوس وهو يدعونا للتمتع بالتجلي الداخلي: [من يرتفع فوق العالم، فوق أزمنة الدهر، ويثبت في الأعالي يتطلع إلى ثمار الأبدية التي للقيامة العتيدة. إذن فلنتخطى أعمال الحياة حتى نستطيع أن نرى الله وجهًا لوجه.]
    أما هؤلاء الثلاثة الذين تمتعوا بمحبة الرب والارتفاع معه على جبل عالٍ للتمتع ببهائه فهم بطرس ويعقوب ويوحنا، وكما سبق فقلنا يشيرون إلى الإيمان العامل بالمحبة، بدون الإيمان الحي العامل بالمحبة لن نستطيع معاينة مجده. وقد لاحظ القديس أمبروسيوس أن هذه العطية قدمت لهم بعد الحديث الشخصي الذي تم بين السيد وتلاميذه، فاعترفوا على لسان بطرس الرسول أنه المسيح، وكأن هذا التجلي جاء مكافأة لهذا الاعتراف. يقول القديس أمبروسيوس: [سيتمتع ببركات القيامة هؤلاء الذين سبقوا فاعترفوا بالمسيح، فلا يقوم الأشرار في مجمع الصديقين (مز 1: 5) بل يعاقبون بالدينونة التي سقطوا تحتها.] ويرى ذات القديس أن اختيار ثلاثة هو انفتاح لباب مراحم الله والتمتع بأمجاده للجنس البشري دون تمييز بين يهودي وأممي، إذ يمثل الثلاثة أبناء نوح الثلاثة الذين جاء الجنس البشري كله من نسلهم. هذا الفكر أيضًا نادى به القديس هيلاري أسقف بواتييه.
    يرى القديس أمبروسيوس في اختيار ثلاثة من تلاميذه إشارة إلى الحاجة للإيمان بالثالوث القدوس، إذ يقول: [لا يستطيع أحد أن يعاين مجد القيامة إن لم يؤمن بسرّ التثليث بإيمان ثابت صادق.] ولعل اختيار ثلاثة تلاميذ يشير إلى حاجتنا إلى الحياة المقامة في المسيح يسوع القائم في اليوم الثالث، بهذه الحياة الجديدة نرتفع على جبل تابور لنعلوا فوق الموت، متمتعين ببهاء القيامة العاملة في داخلنا.
    ثالثًا: في نص منسوب للقديس يوحنا الذهبي الفم قيل أن ملامح السيد المسيح عند تجليه بقيت كما هي لكن أُعلن بهاء مجده. لقد بقى السيد المسيح بجسده، لكن الجسد حمل طبيعة جديدة مملوءة بهاءً ومجدًا، هكذا نحن أيضًا في القيامة العامة نحمل ذات الجسد الذي شاركنا جهادنا، له ذات الملامح لكنه يتسم بسمة المجد الفائق الذي يهبه له الله ليناسب الحياة السمائية الأبدية.
    رابعًا: ماذا يعني بقوله: "وتغيرت هيئته قدامهم" [2] إلا أن المجد الذي أُعلن بتجليه ليس بالأمر الجديد عليه ولا بهبة خارجية قُدمت له، إنما هو مجرد إعلان لمجد خفي فيه ظهر في هذه اللحظات قدامهم. وكأن التغير أمر لا يخص طبيعة السيد، إنما يخص أعين التلاميذ التي انفتحت لتعاين ما تستطيع معاينته.
    ما أحوجنا أن ننفرد بالسيد المسيح في أعماقنا الداخلية ليفتح عن عيوننا الروحية ونرى ذاك المصلوب الذي قيل عنه: "كعرق من أرض يابسة، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، لا منظر فنشتهيه" (إش 53: 2) إنه أبرع جمالاً من بني البشر (مز 45). هذا الذي قيل عنه: "محتقر ومخذول من الناس" (إش 53: 3)، مشتهى كل الأمم (حج 2: 7). في هذا يقول القديس أمبروسيوس: [تحمل كافة هذه الأمور في طياتها أسرارًا ومعانٍ صحيحة، فإنه حسب قدرتك يصغر الكلمة أو يكبر بالنسبة لك، فإن لم تصعد إلى القمة بحذر فائق لن تُعلن لك "الحكمة ولا تنكشف أمامك معرفة الأسرار، ولا تظهر لك أمجاد كلمة الله وجماله، إنما يظهر لك كلمة الله كما في الجسد لا منظر له ولا جمال (إش 53: 2) يظهر لك كإنسان أضناه الألم، يحتمله لأجل ضعفنا. يظهر لك مثل كلمة غلفتها ملابس الحرف ولا ترقى إلى قوة الروح.]
    خامسًا: يقول الإنجيلي: "وصارت ثيابه تلمع بيضاء جدًا كالثلج، لا يقدر قصّار على الأرض أن يبيض مثل ذلك" [3].
    ما هذه الثياب التي تلتصق بالسيد فتلمع ببهاء إلا كنيسته، كما يقول القديس أغسطينوس. هذه هي سمة المؤمنين الحقيقيين، البهاء الفائق، إذ يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [لأن في علو بهاء السماوات العليا، الذين يضيئون بحياة البرّ يلتصقون به، إذ قصد بثيابه الذين يجعلهم ملاصقين له.]
    يقدم لنا القديس أمبروسيوس تفسيرًا آخر لهذه الثياب البهية، إذ يقول: [ربما كانت ثياب الكلمة هي العظات عن الكتب المقدسة، فهي بمثابة رداء الفكر الإلهي. فكما ظهر لبطرس ويوحنا بمظهر مختلف وكانت ثيابه تلمع بيضاء، هكذا تتضح الآن أمامك معاني الكتب الإلهية وتصبح الكلمة الإلهية كالثلج لا يقدر قصار على الأرض أن يبيض مثل ذلك.] كأنه إذ ترتفع أفكارنا مع ربنا يسوع المسيح لنوجد معه، ويعلن حلوله فينا تتجلى كلماته فينا ببهاء سماوي لا يُعبر عنه. هذا البهاء ليس من صنع قصّار على الأرض، إنما من صنع القصّار السماوي، أي الروح القدس غافر الخطية، الذي يغسلنا بدم الابن الوحيد فنبيض أكثر من الثلج (مز 50).
    سادسًا: كان ظهور موسى وإيليا معه يحمل معان كثيرة سبق لنا عرضها. يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تعليلاً لظهورهما وهو إذ قالت الجموع عنه أنه إيليا أو واحد من الأنبياء أراد أن يظهر موسى النبي وإيليا معه أمام التلاميذ ليدركوا الفارق بينه وبين خدامه. أيضًا أُتهم ككاسر للناموس ومجدف ينتحل مجد الآب أحضر موسى مستلم الناموس وإيليا الغيور على مجد الرب ليعلن افتراء المتهمين له.
    لعله أيضًا أراد بظهورهما قبل الصلب أن يعلن لتلاميذه أنه يجب ألا يخافوا من الصليب، فقد قبله بإرادته، وإلا ما تمت أحداثه. فإنه أعظم من موسى الذي أنقذ الشعب من يد فرعون، ومن إيليا الذي أرسل نارًا من السماء أحرقت قائدي الخمسين ورجالهما.
    سابعًا: اشتهى بطرس أن يقيم ثلاثة مظال مادية للحماية، فجاءت سحابة صغيرة تظللَّهم، ليدرك أنه في القيامة لا نحتاج إلى مظال مصنوعة بأيد بشرية، ولا إلى منازل مادية، وإنما يظللنا مجد الله نفسه، الذي لا يسبب ظلالاً مظلمة بل بالعكس يهب بهاءً ومجدًا. يقول القديس أمبروسيوس [مصدر هذا الظل روح الله الذي لا يظلم قلوب البشر بل يكشف لها عن الخفيات. هذا ما نجده في موضع آخر حيث يقول الملاك: "وقوة العلي تظللك"... لم توجد السحابة بسبب رطوبة الجبال المدخنة (مز 103: 32) ولا بخار الهواء المتكثف، ولا غطت السماء بظلمة مرهبة، وإنما كانت سحابة نيرة لا تبللنا بالأمطار والسيول ولا تغمرنا بطوفان، وإنما نداها الذي يرسله كلمة الله يغمر قلوب البشر بالإيمان.]
    ثامنًا: "فجاء صوت من السحابة، قائلاً: هذا هو ابني الحبيب، له اسمعوا. فنظروا حولهم بغتة ولم يروا أحدًا غير يسوع وحده معهم" [7-8].
    ماذا يريد صوت الآب: "هذا هو ابني الحبيب، له اسمعوا" إلا أن نقبل كلمة الله المتجسد في حياتنا، نسمع له، ونثبت فيه فنصير نحن أنفسنا أبناء الآب المحبوبين له. غاية الآب أن يرانا ممجدين في ابنه، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [إذ نعاين مجد الله بوجوه مكشوفة نتغير نحن أنفسنا إلى تلك الصورة عينها (2 كو 3: Cool.]
    وللقديس أمبروسيوس أيضًا تعليق جميل على العبارة الإنجيلية التي بين أيدينا، إذ يقول: [لما كان الصوت وُجد يسوع وحده، فبعد أن كانوا ثلاثة وُجد يسوع وحده. رأوا في البداية ثلاثة، أما في النهاية فرأوا واحدًا. بالإيمان الكامل يصير الكل واحدًا كما طلب يسوع من الآب: "ليكون الجميع واحدًا" (يو 17: 21). ليس موسى وإيليا وحدهما واحدًا في المسيح، وإنما نحن أيضًا واحد في جسد المسيح الواحد (رو 12: 5)... ولعل هذا أيضًا يشير إلى أن الناموس (موسى) والأنبياء (إيليا) مصدرهما الكلمة... لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ لكل من يؤمن (رو 10: 4).]
    إذن غاية التجلي أن يلتقي المؤمنين جميعًا كأعضاء في الجسد الواحد خلال الثبوت في المسيح والتمتع بالعضوية في جسده الواحد، فنُحسب بحق أبناء الله المحبوبين والممجدين فيه.
    تاسعًا: "وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم أن لا يحدثوا أحدًا بما أبصروا، إلا متى قام ابن الإنسان من الأموات" [9]. يعلل القديس هيلاري أسقف بواتييه هذه الوصية الإلهية بقوله: [أمرهم فيما يخص ما رأوه حتى يمتلئوا بالروح القدس ويشهدوا للروحيات.] هذه الوصية بلا شك أربكتهم، فقد عرفوا أنه المسيح وشهدوا له بذلك، وبحسب الفكر اليهودي المسيح لا يموت، فماذا عني بقوله: "متى قام ابن الإنسان من الأموات"؟
    لم يشكوا في أنه المسيح بل بدأوا يتشككون فيما تسلموه عن الكتبة والفريسيين بخصوص المسيح، لهذا سألوا: "لماذا يقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً؟" [11]. لعلهم بهذا السؤال يعبرون عن الفكر اليهودي إذ كان مشغولاً بإيليا كمهيئ للطريق للمسيح الذي لا يموت. كانوا يعتقدون أن إيليا لا يزال يعمل لأجل إسرائيل في السماء، وأنه يظهر قبل مجيء المسيح بثلاثة أيام، في اليوم الأول يقف على أحد الجبال العالية ويرفع مرثاة على الأرض الخراب، ويعلن أن سلامًا يحل بالأرض، وفي اليوم الثاني يعلن أن خيرًا يحل بها، وفي اليوم الثالث أن خلاصًا يحل بها، عندئذ يأتي المسيح ليخلص إسرائيل، فلا مجال للموت ولا للقيامة!
    سحبهم السيد من فكرهم المادي من نحو مجيء إيليا والمسيح، مؤكدًا أن كل ما اشتهاه الآباء والأنبياء يتحقق في أيامهم وأن إيليا قد جاء، ولكن ليس حسب الفكر الحرفي المادي، وأن المسّيا أيضًا جاء لكنه لا يملك زمنيًا، وإنما خلال الألم والصليب. يقول السيد: "إن إيليا يأتي أولاً، ويرد كل شيء، وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أنه يتألم كثيرًا ويُرذل. لكن أقول لكم: إن إيليا أيضًا قد أتى، وعملوا به كل ما أرادوا، كما هو مكتوب عنهم"[ 12-13].
    كأنه يقول: لقد وضعوا كل رجائهم في مجيء إيليا لا المسيح، وقد جاء إيليا وعوض السماع له قتلوه، وجاء المسيح وعوض الإيمان به يقتلونه. بمعنى آخر يطالبهم السيد المسيح بمراجعة أنفسهم لإدراك الأمور بفهمٍ روحيٍ وإيمانٍ جديدٍ.
    لقد جاء إيليا، إذ يقول الملاك بخصوص القديس يوحنا المعمدان "ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته" (لو 1: 17). وكما يقول العلامة أوريجينوس إنه يوحنا الذي يحمل سمات إيليا لا شخصه. يقول الأب ثيوفلاكتيوس: [مرة أخرى انتهر يوحنا الرذيلة، كان غيورًا ومتوحدًا كإيليا، أما هم فلم يسمعوا له بكونه كإيليا، بل قتلوه بطريقة شريرة وقطعوا رأسه.] يقول القديس أمبروسيوس: [عاش إيليا في البرية وكذا يوحنا. كانت الغربان تعول الأول، أما الثاني ففي البرية داس كل إغراء للملاهي وأحب الفقر وأبغض الترف. الواحد لم يسع لكسب رضاء آخاب الملك، والثاني ازدرى برضاء هيرودس الملك. رداء الأول شق مياه الأردن (2 مل 2: 14)، والثاني جعل هذه المياه مغسلاً يهب خلاصًا. الأول يظهر مع الرب في المجد والثاني يحيا مع الرب على الأرض. الأول يسبق مجيء الرب الثاني، والثاني يسبق مجيء الرب الأول. الأول أسقط الأمطار على أرض جفت لمدة ثلاث سنوات، والثاني غسل تراب أجسادنا في مياه الإيمان خلال ثلاث سنوات. تسألونني: ما هي هذه السنوات الثلاث؟ فأجيبكم بما قيل "هوذا ثلاث سنين آتي أطلب ثمرًا في هذه التينة ولم أجد" (لو 13: 7)... السنة الأولى هي عهد الآباء حيث بلغ الحصاد مدى لم يتحقق بعد ذلك، والسنة الثانية هي عهد موسى والأنبياء، ثم السنة الثالثة لمجيء إلهنا ومخلصنا "ليكرز بسنة الرب المقبولة" (لو 4: 19).]
    3. الملكوت ومقاومة إبليس
    بينما صعد السيد المسيح بثلاثة من تلاميذه إلى جبلٍ عالٍ يعلن لهم ملكوته آتيًا بقوة، نجد بعضًا من التلاميذ يقفون في عجز أمام إخراج روح نجس أخرس، حتى جاء السيد يكشف لهم عن الحاجة إلى الصوم والصلاة كطريق للصراع ضد إبليس والغلبة عليه بالرب واهب النصرة. وكأن الملكوت ليس مجرد رؤيا يتمتع بها التلاميذ على جبل تابور، لكنه أيضًا ثمرة جهاد روحي ضد عدو الخير بالرب الغالب.
    ويلاحظ في هذا العمل الآتي:
    أولاً: بينما كان بطرس على الجبل يشتهي البقاء هناك [5] ينعم بمجد السيد المسيح ويتمتع بالرؤيا السماوية إذا بالسيد ينزل به مع التلميذين الآخرين ليروا جمعًا كثيرًا حول التلاميذ وكتبة يحاورونهم [14]. أما علة الحوار فهو عجز التلاميذ عن إخراج روح نجس أخرس من إنسان معذب منذ صباه [21].
    ما أجمل أن ينفرد المؤمن بسيده لينعم بالتأملات الروحية والتعزيات السماوية في مخدعه كما على جبل تابور، حتى يشتهي لو بقى عمره كله متأملاً بلا انقطاع، ورؤيا سماوية بلا توقف. لكننا مادمنا في الجسد يلزمنا ان ننزل إلى الميدان للعمل أيضُا من أجل كل نفس معذبة؛ فلا عجب إن رأينا حتى كبار النساك والمتوحدين يهتمون بخلاص النفوس. يقول القديس المتوحد يوحنا سابا: [مرذول قدام الله من يبغض الخاطي.]
    الخدمة الروحية هي جزء لا يتجزأ من حياة المؤمن، أيا كان عمله في الكنيسة أو وضعه، سواء كان كاهنًا أو راهبًا أو واحدًا من أفراد الشعب؛ وإن اختلفت الوسائل في ممارسة هذه الخدمة الروحية!
    ثانيًا: يقول الإنجيلي: "رأى جمعًا كثيرًا حولهم وكتبه يحاورونهم" [14]. هذا الوصف الإنجيلي لا يمثل لحظة معينة من الزمن، إنما يسجل لنا صورة لا تنقطع، فعلى الدوام يتطلع السيد المسيح ليرى جمعًا كثيرًا حول تلاميذه يشتاقون بالبساطة أن يتمتعوا بعطية المسيح لهم، كما يرى أيضًا كتبة مقاومين يحاورونهم، فلا يقف السيد مكتوف الأيدي، إنما يهب كنيسته على الدوام أن تُشبع الجمع من عطايا سيدها، وأن تقف بثبات أمام مقاوميها.
    ليتنا لا نضطرب إذ نشعر بالمسئولية الملقاة على عاتق الكنيسة من جهة جموع البشرية المتعطشة والجائعة تطلب ارتواءً وشعبًا، ومن وجهة المقاومين للحق بكل طريقة، فإن عريس الكنيسة حال في وسطها يشبع الجائعين ويبكم المقاومين. لهذا يترنم المرتل قائلاً: "الله في وسطها فلن تتزعزع" (مز 46: 5)، كما يوصينا السيد نفسه، "فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، أنكم تُعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت 10: 19-20).
    ثالثًا: وبخ السيد المسيح تلاميذه لعجزهم عن إخراج الروح النجس، قائلاً: "أيها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟" [19]. وبخهم على عدم إيمانهم وقام هو نفسه بالعمل. هو المسئول عن الكنيسة بكونها عروسه يوبخ خدامها عن كل تقصير في إيمانهم أو عملهم ويقوم هو بالعمل.
    لنعرض على ربنا يسوع كل أعمالنا لكي وإن وبخنا على ضعفاتنا لكنه يكمل كل نقص فينا.
    رابعًا: إذ وبخ تلاميذه طلب تقديم الابن المُصاب بروح شرير، وإذ رأى السيد "للوقت صرعه الروح فوقع على الأرض يتمرغ ويُزبد" [20]. لماذا سمح للشيطان أن يصرعه؟ لا يحتمل السيد أن يرى إنسانًا يتعذب، لكنه قد سمح لهذا المسكين أن يتألم إلى حين، لكي يدفع أباه للإيمان كما قال الذهبي الفم، فقد قال الأب: "إن كنت تستطيع شيئًا فتحنن علينا وأعنا" [22]. أجاب السيد بأن مفتاح الشفاء في أيدي الإنسان إن آمن، إذ قال له: "إن كنت تستطيع أن تؤمن، كل شيء مستطاع للمؤمن" [23]. في إيمان مصحوب بتواضع صرخ الأب بدموع: "أومن يا سيد، فأعن عدم إيماني" [24]. كأن السيد المسيح سمح للابن أن يتألم قليلاً ليبرز إيمان أبيه، ويدفعه بالأكثر إلى التواضع، طالبًا أن يعين الرب عدم إيمانه، وليعلن أيضًا سلطان الإنسان بالإيمان.
    ولعل السيد المسيح سمح أيضًا بذلك لكي يكشف عن قسوة إبليس وجنوده، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [سمح للابن أن يهيج لكي نعرف شر إبليس الذي يود قتله لو لم ينقذه الرب]. ولذات السبب سأل السيد والد الشخص: "كم من الزمان منذ أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه، وكثيرًا ما ألقاه في النار وفي الماء ليهلكه" [21-22]. فإن عدو الخير لا يرحم طفلاً ولا شيخًا، ولا رجلاً ولا امرأة، بل يشتاق أن يدفع بالكل إلى نار الشهوات، أو يسحبهم إلى تيارات مياه العالم ليهلكهم. يحاربنا على الدوام بالمتناقضات، بالنار والماء، إن هربنا من فخ يقيم آخر. على أي الأحوال إن كان الشيطان يدفعنا للنار والماء المهلكين، فإن ربنا يسوع يقدم لنا روحه القدوس الناري خلال المعمودية ليقتل النار الشريرة بنار إلهية، ويفسد مياه العدو بالأردن المقدس!
    خامسًا: عجيبة هي محبة السيد المسيح، ففي وسط أعماله الفائقة يبرز فضائل الآخرين مهما بدت قليلة أو تافهة. فإن كان قد شفى الولد، لكنه أبرز حب أبيه له، وإيمانه، وأيضًا تواضعه. أقول ليت لنا قلب هذا الأب نحو كل نفس معذبة فلا نستريح حتى نقدمها بروح الإيمان المتواضع وحده والمملوء حبًا لذاك القادر أن يخلصها. يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [من يربط نفسه بقريبه برباط الحب يكون له ملحًا، ويكون في سلام مع أخيه.]
    سادسًا: هذا الأب الذي يئن بدموع ويصرخ لإنقاذ ابنه يمثل نفس كل مؤمن التقى مع الرب وعرف خلاصه العجيب فلا يحتمل عذاب النفوس الجاحدة التي سقطت تحت أسر عدو الخير منذ الصبا، إذ جاءت إلى العالم منذ البداية تحمل الخطية الجدية فتقول مع المرتل: بالآثام حبل بيّ، وبالخطايا ولدتني أمي. ولعل هذا الابن يشير إلى الأمم الذين عاشوا منذ طفولتهم تحت سلطان عدو الخير خلال الرجاسات الوثنية.
    سابعًا: يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على عبارة: "فصار كميت، حتى قال كثيرون أنه مات" [26] بقوله: [من يتحرر من سلطان الروح الشرير يُحسب كميت، لأنه كان خاضعًا للشهوات الجسدية والآن يميت في داخله هذه الحياة الجسدانية ويظهر للعالم كميت. الذين لا يعرفون كيف يعيشون حسب الروح يظنون أن من لا يسلك بالشهوات الجسدية ميت تمامًا.] هذه هي نظرة العالم إلى يومنا هذا نحو الروحيين، إذ يحسبونهم محرومين من متعة الحياة وأموات!
    ثامنًا: إذ دخل السيد المسيح بيتًا سأله تلاميذه على إنفراد: لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟ فقال لهم: "هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم" [29]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد خشوا لئلا يكونوا قد فقدوا العطية التي وُهبت لهم، إذ كانوا قد نالوا سلطانًا على الأرواح النجسة.]
    حقًا لقد تمتع التلاميذ بالسلطان، لكن يلزمهم إضرام الموهبة المجانية بالحياة التقوية بالصلاة مع الصوم، للتمتع بشركة عميقة مع الله في ابنه.
    يحدثنا القديس يوحنا سابا عن فاعلية الصلاة، قائلاً: [مفاتيح الخزائن موضوعة في أيديكم لكي تأخذوا وتعطوا، حتى تحيوا آخرين وأيضًا]، [قدّس فراشك بالصلاة ورفرفة الروح القدس عليك، فتفوح رائحة أعضائك مثل الطيب.] كما يحدثنا أيضًا عن الصوم باعتدال: [لا تملأ بطنك كثيرًا لئلا يعذبك الزنا، ولا تضعف جسدك لئلا يفرح مبغضوك. أمسك طقس الاعتدال، وأنت تسلك في الطريق الملوكي، وبغير خوف يكون مسيرك.]
    4. الملكوت والصليب
    كانت أحداث الصليب تقترب، لذلك ففي أكثر من مرة كان السيد يختلي بتلاميذه، ليؤكد لهم ضرورة تسليمه وقتله وقيامته. حقًا في المرة السابقة انتهره بطرس (8: 32)، أما في هذه المرة فلم يفهموا القول وخافوا أن يسألوه [32]، إذ لم يكن ممكنًا للفكر البشري أن يتقبل قيام ملكوت الله على خشبة العار (الصليب)!
    الصليب الذي لم يحتمل التلاميذ السماع عنه، إذ ذاقوه وأدركوا فاعليته فيهم أحبوه وحملوه مع عريسهم المصلوب بفرحٍ وسروًر.
    يقول القديس أغسطينوس: [لا يوجد مشهد أعظم وأعجب من منظر ربنا يسوع المسيح ابن الله... لقد غلب العالم كله كما نرى أيها الأحباء... لقد قهر... لا بقوة عسكرية بل بجهالة الصليب!... لقد رُفع جسده على الصليب، فخضعت له الأرواح.] ويقول القديس مار أفرام السرياني: [بالشجرة التي قتلنا بها (الشيطان) أنقذنا الرب!]
    5. الملكوت والتواضع
    إن كان السيد قد رسم لنا طريق خلاصنا بصليبه الذي جاء مخالفًا تمامًا لما ظنه البشر، ففي محبته يشتاق أن يحملنا معه في طريقه الخلاصي خلال التواضع.
    لقد ظن العالم أن الكرامة الزمنية والسلطة هما طريق الملكوت، لكن الصليب يعلن التواضع سمة ملكوت الله، لذلك إذ كان التلاميذ يتحاجون في الطريق في من هو الأعظم [24]، نادى السيد المسيح الإثني عشر وقال لهم: "إذا أراد أحد أن يكون أولاً فيكون آخر الكل وخادمًا للكل. فأخذ ولدًا وأقامه في وسطهم ثم احتضنه، وقال لهم: من قبل واحدًا من أولاد مثل هذا باسمي يقبلني، فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني" [35-37].
    لقد وضع السيد المسيح يده على جرحنا البشري القديم، ألا وهو حب الإنسان للكرامة الزمنية والتسلط. فضح جرحنا مقدمًا لنا نفسه مثالاً ودواءً! فقد بدأ أولاً بإعلان الجرح عندما سألهم عما كانوا يتكلمون فيه ليعلن أنه كلمة الله العارف الخفايا والناظر الكل، فاحص القلوب والكِلى. إذ كشف الجرح أعطى الدواء بتعليمه عن مفهوم الرئاسة الروحية خلال التواضع الممتزج حبًا. ثم قدم لهم مثلاً عمليًا باحتضانه ولدًا ليقبلوا هم البشرية بروح الحب كطفلٍ يحتضنوه ويغسلوا قدميه، فيصيروا خدامًا لا أصحاب سلطة. أما المثل العملي للآخرين فقد وضح بقوله أنه من يقبله لا يقبله هو، بل الذي أرسله، مع أنه واحد مع الآب! في حب ممتزج بالطاعة يقدم الابن الآب وإن كان لا ينفصلان قط!
    فيما يلي بعض مقتطفات للآباء بخصوص الخدمة الحقيقية وروح التواضع:
    v ناقش التلاميذ في الطريق من يكون رئيسًا، أما المسيح نفسه فنزل ليعلمنا التواضع. فإن الرئاسات تجلب التعب، أما التواضع فيهب راحة!
    القديس جيروم
    v يريدنا ألا نغتصب الرئاسات لأنفسنا، بل نبلغ العلويات السامية بالتواضع... يا لعظمة التواضع، إذ تربح لنفسها سكنى الآب والابن والروح القدس.
    الأب ثيؤفلاكتيوس
    v حثهم على التواضع والبساطة بنفس المنظر، لأن هذا الولد طاهر من الحسد والمجد الباطل ورغبة الترأس.
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v التواضع رفع موسى، أما المتكبرون فابتلعتهم الأرض.
    v التواضع هو أرض حاملة للفضائل، فإن نُزع التواضع هلكت كل الفضائل.
    v آباؤنا الجبابرة مهدوا لنا الطريق، إذ لبسوا التواضع الذي هو رداء المسيح، وبه رفضوا الشيطان وربطوه بقيود الظلمة.
    v البس التواضع كل حين، وهو يجعلك مسكنًا لله.
    القديس يوحنا سابا
    6. الملكوت واتساع القلب
    إذ حدثنا عن الملكوت الإلهي كيف نخدمه بالتواضع خلال الصليب، خشي لئلا يفهم ذلك بطريقة سلبية لذلك كشف ربنا يسوع المسيح هنا عن التزام أبناء الملكوت للعمل بقلبٍ متسعٍ. فإن كان السيد المسيح نفسه جاء إلى الصليب في اتساع قلب للبشرية لاق بأبنائه أن يحملوا ذات سمته.
    قال له يوحنا: "يا معلم رأينا واحدًا يخرج الشياطين باسمك، وهو ليس يتبعنا، فمنعناه، لأنه ليس يتبعنا" [38]. لعل القديس يوحنا لم يمنعه عن غيرة منه أو حسد، لكنه اشتاق أن تكون لهذا الإنسان تبعية للسيد المسيح ولقاء معه، ولا يكون مستغلاً لاسم السيد المسيح في إخراج الشياطين. لكن السيد قال له: "لا تمنعوه، لأنه ليس أحد يصنع قوة باسمي ويستطيع سريعًا أن يقول عليّّ شرًا. لأن من ليس علينا فهو معنا، لأن من سقاكم كأس بارد باسمي لأنكم للمسيح فالحق أقول لكم أنه لا يضيع أجره" [39-41].
    هذا الحديث يكشف أن ذاك الذي كان يخرج الشياطين لم يكن ضد المسيح لا بفمه ولا بقلبه، بل كان يعمل لحساب المسيح بإيمان صادق، وإن لم تكن قد أُتيحت له الفرصة للتبعية الظاهرة. إيماننا لا يقوم على أساس تعصبي وتحكم في الآخرين، بل اتساع القلب للكل والوحدة مادام الكل يعمل خلال إيمان مستقيم. وحدتنا الكنسية المسكونية لا تقوم على تجمعات، وإنما على وحده الإيمان الحيّ.
    هذا ونلاحظ أن السيد قد تحفظ في كلماته، إذ يوجد أيضًا من يصنع قوات باسم المسيح لكنه يضمر شرًا في قلبه كالهراطقة مسببي الانقسامات والأشرار في حياتهم العملية. يقول السيد نفسه "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب أليس باسمك تنبأنا، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم: أني لا أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 22-23).
    بهذا القلب المتواضع والمتسع بالحب يلزم أن نسلك دون أن نعثر الآخرين، وفي نفس الوقت دون أن نتعثر بسبب الآخرين، أي ليكن قلبنا متسعًا بالحب، لا على حساب خلاص إخوتنا الأصاغر، ولا على حساب خلاص نفوسنا.
    فمن جهة تحذيرنا من عثرة الصغار يقول: "من أعثر أحد الصغار المؤمنين بي، فخير له لو طوّق عنقه بحجر رحىَّ وطرح في البحر" [42]. بمعنى آخر يليق بنا أن تكون قلوبنا متسعة، فنحتمل ضعفات الآخرين كصغارٍ نترفق بهم ولا نعثرهم في الإيمان. ويقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا لهذه العبارات بقوله أن حجر الرحى يُشير إلى العلماني الذي يرتبك بأمور هذه الحياة فيدور حول نفسه كما حول حجر رحى في مللٍ وتعبٍ بلا هدف ولا راحة، أما الطرح في أعماق البحر فيعني أشر أنواع العقوبة، وكأنه خير لذلك الذي يرتدي ثوب العمل الكرازي أو الخدمة ويعثر الصغار أن يترك وظيفته ويصير علمانيًا، فإنه حتى وإن نال أشر أنواع العقوبة فسيكون له أفضل من إعثار الآخرين وهو خادم، لأنه بدون شك إن سقط بمفرده تكون آلامه في جهنم أكثر احتمالاً.
    بقدر ما يتسع قلبنا بالحب لا نُعثر صغار نفوس، ويلزمنا بحكمة أيضًا أن نهرب من النفوس المعثرة لنا، لكن دون إدانة لهم، إذ يقول: "وإن أعثرتك يدك فأقطعها، خير لك أن تدخل الحياة أقطع، من أن تكون لك يدان وتمضي في جهنم إلى النار التي لا تطفأ، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تُطفأ" [43-44]. وما يقوله عن اليد يكرره بخصوص الرجل والعين أيضًا. وقد سبق لنا تفسير مفهوم اليد والرجل والعين روحيًا، لذا نكتفي بعبارة القديس يوحنا الذهبي الفم [لا يتحدث هنا عن أعضائنا الجسدية بل عن أصدقائنا الملازمين لنا جدًا، والذين يحسبون ضروريين لنا كأعضاء لنا، فإنه ليس شيء يضرنا مثل الجماعة الفاسدة (الصداقات الشريرة).]
    أخيرًا يختم حديثه عن فاعلية المسيحي باتساع قلبه نحو الكل، مشبهًا إياه بالملح الذي يُصلح الآخرين من الفساد، قائلاً: "لأن كل واحد يُملح بنارٍ، وكل ذبيحة تُملح بملح. الملح الجيد، ولكن إذا صار الملح بلا ملوحة، فبماذا تصلحونه، ليكن في أنفسكم ملح، وسالموا بعضكم بعضًا" [49-50]. كأنه يقول أن الملح يفقد كيانه إن فقد ملوحته التي بها يُصلح الطعام، هكذا المسيحي يفقد كيانه كمسيحي إن فقد حبه للغير ومسالمته للآخرين. الحب ليس سمة أساسية في حياتنا بل هو بعينه حياتنا، بدونه نفقد وجودنا المسيحي.
    ماذا يعني بقوله "كل واحد يُملح بنار"؟ في العهد القديم كانت الذبائح يلزم أن تُملح قبل تقديمها على المذبح لتحرق، هكذا إن كانت حياتنا ذبيحة حب، فالله لن يقبلها ما لم تكن مملحة بملح الحب الأخوي.
    1 و قال لهم الحق اقول لكم ان من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد اتى بقوة
    2 و بعد ستة ايام اخذ يسوع بطرس و يعقوب و يوحنا و صعد بهم الى جبل عال منفردين وحدهم و تغيرت هيئته قدامهم
    3 و صارت ثيابه تلمع بيضاء جدا كالثلج لا يقدر قصار على الارض ان يبيض مثل ذلك
    4 و ظهر لهم ايليا مع موسى و كانا يتكلمان مع يسوع
    5 فجعل بطرس يقول ليسوع يا سيدي جيد ان نكون ههنا فلنصنع ثلاث مظال لك واحدة و لموسى واحدة و لايليا واحدة
    6 لانه لم يكن يعلم ما يتكلم به اذ كانوا مرتعبين
    7 و كانت سحابة تظللهم فجاء صوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا
    8 فنظروا حولهم بغتة و لم يروا احدا غير يسوع وحده معهم
    9 و فيما هم نازلون من الجبل اوصاهم ان لا يحدثوا احد بما ابصروا الا متى قام ابن الانسان من الاموات
    10 فحفظوا الكلمة لانفسهم يتساءلون ما هو القيام من الاموات
    11 فسالوه قائلين لماذا يقول الكتبة ان ايليا ينبغي ان ياتي اولا
    12 فاجاب و قال لهم ان ايليا ياتي اولا و يرد كل شيء و كيف هو مكتوب عن ابن الانسان ان يتالم كثيرا و يرذل
    13 لكن اقول لكم ان ايليا ايضا قد اتى و عملوا به كل ما ارادوا كما هو مكتوب عنه
    14 و لما جاء الى التلاميذ راى جمعا كثيرا حولهم و كتبة يحاورونهم
    15 و للوقت كل الجمع لما راوه تحيروا و ركضوا و سلموا عليه
    16 فسال الكتبة بماذا تحاورونهم
    17 فاجاب واحد من الجمع و قال يا معلم قد قدمت اليك ابني به روح اخرس
    18 و حيثما ادركه يمزقه فيزبد و يصر باسنانه و ييبس فقلت لتلاميذك ان يخرجوه فلم يقدروا
    19 فاجاب و قال لهم ايها الجيل غير المؤمن الى متى اكون معكم الى متى احتملكم قدموه الي
    20 فقدموه اليه فلما راه للوقت صرعه الروح فوقع على الارض يتمرغ و يزبد
    21 فسال اباه كم من الزمان منذ اصابه هذا فقال منذ صباه
    22 و كثيرا ما القاه في النار و في الماء ليهلكه لكن ان كنت تستطيع شيئا فتحنن علينا و اعنا
    23 فقال له يسوع ان كنت تستطيع ان تؤمن كل شيء مستطاع للمؤمن
    24 فللوقت صرخ ابو الولد بدموع و قال اؤمن يا سيد فاعن عدم ايماني
    25 فلما راى يسوع ان الجمع يتراكضون انتهر الروح النجس قائلا له ايها الروح الاخرس الاصم انا امرك اخرج منه و لا تدخله ايضا
    26 فصرخ و صرعه شديدا و خرج فصار كميت حتى قال كثيرون انه مات
    27 فامسكه يسوع بيده و اقامه فقام
    28 و لما دخل بيتا ساله تلاميذه على انفراد لماذا لم نقدر نحن ان نخرجه
    29 فقال لهم هذا الجنس لا يمكن ان يخرج بشيء الا بالصلاة و الصوم
    30 و خرجوا من هناك و اجتازوا الجليل و لم يرد ان يعلم احد
    31 لانه كان يعلم تلاميذه و يقول لهم ان ابن الانسان يسلم الى ايدي الناس فيقتلونه و بعد ان يقتل يقوم في اليوم الثالث
    32 و اما هم فلم يفهموا القول و خافوا ان يسالوه
    33 و جاء الى كفرناحوم و اذ كان في البيت سالهم بماذا كنتم تتكالمون فيما بينكم في الطريق
    34 فسكتوا لانهم تحاجوا في الطريق بعضهم مع بعض في من هو اعظم
    35 فجلس و نادى الاثني عشر و قال لهم اذا اراد احد ان يكون اولا فيكون اخر الكل و خادما للكل
    36 فاخذ ولدا و اقامه في وسطهم ثم احتضنه و قال لهم
    37 من قبل واحدا من اولاد مثل هذا باسمي يقبلني و من قبلني فليس يقبلني انا بل الذي ارسلني
    38 فاجابه يوحنا قائلا يا معلم راينا واحدا يخرج شياطين باسمك و هو ليس يتبعنا فمنعناه لانه ليس يتبعنا
    39 فقال يسوع لا تمنعوه لانه ليس احد يصنع قوة باسمي و يستطيع سريعا ان يقول علي شرا
    40 لان من ليس علينا فهو معنا
    41 لان من سقاكم كاس ماء باسمي لانكم للمسيح فالحق اقول لكم انه لا يضيع اجره
    42 و من اعثر احد الصغار المؤمنين بي فخير له لو طوق عنقه بحجر رحى و طرح في البحر
    43 و ان اعثرتك يدك فاقطعها خير لك ان تدخل الحياة اقطع من ان تكون لك يدان و تمضي الى جهنم الى النار التي لا تطفا
    44 حيث دودهم لا يموت و النار لا تطفا
    45 و ان اعثرتك رجلك فاقطعها خير لك ان تدخل الحياة اعرج من ان تكون لك رجلان و تطرح في جهنم في النار التي لا تطفا
    46 حيث دودهم لا يموت و النار لا تطفا
    47 و ان اعثرتك عينك فاقلعها خير لك ان تدخل ملكوت الله اعور من ان تكون لك عينان و تطرح في جهنم النار
    48 حيث دودهم لا يموت و النار لا تطفا
    49 لان كل واحد يملح بنار و كل ذبيحة تملح بملح
    50 الملح جيد و لكن اذا صار الملح بلا ملوحة فبماذا تصلحونه ليكن لكم في انفسكم ملح و سالموا بعضكم بعضا
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:23 am

    الأصحاح العاشر
    الطريق الصعب
    جاء السيد المسيح خادمًا للبشرية، موضوع حبه، غير أن كثيرين تعثروا فيه لأنه جاء يقدم الصليب طريقًا ضيقًا لبلوغ مجد الملكوت. في هذا الأصحاح يقدم لنا الإنجيلي أمثلة حية لصعوبة الطريق الذي قدمه السيد:
    1. منع التطليق لغير العلة 1-12.
    2. قبول الأطفال بالحب 13-16.
    3. الغني والتبعية للمسيح 17-27.
    4. الترك والتبعية للمسيح 28-34.
    5. ترك حب الرئاسات 35-45.
    6. الحاجة إلى تفتيح الأعين 46-52.
    1. منع التطليق لغير العلة
    حتى الأصحاح السابق كان الإنجيلي مرقس يحدثنا عما نطق به السيد وما عمله واحتمله في الجليل. ومع بداية هذا الأصحاح بدأ حديثه عن السيد في اليهودية إذ عبر الأردن من جهة الشرق، وقد دُعيت هذه المنطقة باليهودية تمييزًا لها عن السامرية والجليل والمدن الخمس وغيرها. وهناك في اليهودية وجد مقاومات كثيرة كما أعلن عن صعوبة الطريق الضيق الذي يسلكه، والذي يحمل مؤمنيه إليه لينطلق بهم إلى مجد ملكوته.
    أحد مظاهر ضيق هذا الطريق الملوكي هو تقديم الوصية الصعبة، إذ لم يأتِ السيد لكي يرضي الناس حسب أهوائهم، وإنما لكي يرفعهم إلى مستوى لائق كأبناء لله، لهم الوصية التي تبدو أحيانًا مستحيلة. أحد بنود هذه الوصية مفهوم الحياة الزوجية كحياة فائقة لا تفصلها إلا علة الزنا.
    يقول الإنجيلي: "فتقدم الفريسيون وسألوه: هل يحل للرجل أن يطلق امرأته؟ ليجربوه. فأجاب وقال لهم: بماذا أوصاكم موسى؟ فقالوا: موسى أذن أن يكتب كتاب طلاق فتطلق. فأجاب يسوع، وقال لهم: من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية. ولكن من بدء الخليقة ذكرًا وأنثى خلقهما الله..." [2-6].
    كثيرًا ما كان الفريسيون يترددون عليه لا للتعرف على حقيقة أمره أو التمتع بالحق، وإنما لأنهم خشوا إن تركوه يلتف كله حوله، فكانوا يترددون في الغالب كجماعات يقدمون الأسئلة المتوالية بقصد إرباكه أمام الجموع. والآن إذ أدركوا في تصرفاته المملوءة حبًا وحنانًا أنه لا يسمح بالطلاق، خاصة وأنه سبق فأعلن ذلك (مت 5: 31-32)، لذا قدموا هذا السؤال لكي يتصيدوا له خطأ، إن وافق بالطلاق أو رفضه. لكن السيد وهو يرفض الطريق السهل، طريق الطلاق، ليدخل بمؤمنيه في طريق الوصية الصعبة أجابهم بحكمة من جهة الآتي:
    أولاً: أراد أن ينزع من قلوبهم وأفكارهم إباحة الطلاق، فجاءت إجابته غير مباشرة حتى لا يسقط في شباكهم، إذ كرّم الناموس موسى بقوله: بماذا أوصاكم موسى؟ وكأنه لا يتجاهل ما قد سبق فأعلنه خلال نبيه موسى، وإنما يكشف أعماق الناموس ليدخل بهم إلى روح الناموس لا حرفه.
    ثانيًا: حين قدم لهم السؤال تركهم يجاوبون ليرد عليهم من إجابتهم عينها، فقد قالوا: موسى أذن أن يكتب كتاب طلاق فتطلق. كأن موسى لم يأذن بالطلاق إنما أذن أن يكتب كتاب طلاق فتطلق، وهنا يوجد فارق بين التعبيرين، فإن الإذن بالطلاق يجعل منه أمرًا سهلاً، أما كونه يأذن بكتابة كتاب الطلاق أولاً، فيعني أن الرجل قبل أن يطلق امرأته يلزمه أن يذهب إلى أحد الكتبة ليكتب له كتاب الطلاق، وكان يلزم أن يكون هؤلاء الكتبة من العقلاء يباحثونه الأمر، ويهدئون من غضبه ما استطاعوا ويلجأون إلى كبار عشيرته أو سبطه إن احتاج الأمر، فيلطفون من الموقف، محاولين مصالحة الرجل مع امرأته.
    حقًا لقد خشي الله وهم في طفولة حياتهم الروحية لئلا يقتل الرجل امرأته، أو ينحرف إلى العبادات الوثنية التي تبيح له بالطلاق، فسمح له بالطلاق، ولكن بعد تروٍ. لهذا يكمل السيد المسيح حديثه بقوله: "من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية". وكأن الوصية الموسوية ليست أمرًا بالطلاق، لكنها سماح به في حدود لأجل قسوة قلوبهم التي لم يكن يلزم أن تكون هكذا.
    ولكي يؤكد لهم السيد ذلك ردهم إلى الناموس الطبيعي الذي أقامه الله في بدء الخليقة، قائلاً: "ولكن من بدء الخليقة ذكرًا وأنثى خلقهما الله. من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته. ويكون الاثنان جسدًا واحدًا، إذًا ليس بعد أثنين بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" [6-9]. كأنه في بدء الخليقة قبل السقوط لاق بالإنسان أن يقبل زوجته ليكون معها جسدًا واحدًا، أما وقد فسدت طبيعة الإنسان، ودخلت إليه قسوة القلب، فلم يعد هذا الناموس يناسبه إذ حسبه حرمانًا وطريقًا صعبًا، فسمح له الله بكتابة كتاب الطلاق لتهدئته. والآن جاء السيد المسيح لا ليُقدم وصايا جديدة، إنما بالأكثر طبيعة جديدة فيها تنتزع قسوة القلب، ويُرد الإنسان إلى الحياة الأولى النقية، فيتقبل الوصية التي ظنها صعبة كالامتناع عن الطلاق، وصية إلهية سهلة تليق بإنسانه الجديد، لأنها تحمل صورة الزواج الروحي القائم بين السيد المسيح والكنيسة عروسه الواحدة الوحيدة! في هذا يقول الرسول بولس: "من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا؛ هذا السّر عظيم، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة" (أف 5: 31-32).
    يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لو أن الله أراد أن تُنزع امرأة لتُجلب أخرى لخلق (لآدم) نساء كثيرات. الله لم يربط الرجل بامرأة واحدة فحسب، وإنما أمره أيضًا أن يعتزل والديه ويلتصق بامرأته، قائلاً: "من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته". يظهر من هذا التعبير استحالة تحطيم الزواج (بالتطليق)، إذ يقول "يلتصق".]
    يقول القديس أمبروسيوس لمن يرغب في تطليق زوجته: [خف الله وأصغِ لناموس الرب: "الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" )مت 19: 6 ). إنك لا تهدم وصية سماوية، إنما تهدم عمل الله.]
    إن كان الزواج المسيحي هو ثمرة عمل الله (مت 19: 6)، فبالأولى الزواج الروحي بين النفس وعريسها، هذا الذي يقوم به روح الله القدوس ويتممه في استحقاقات الدم، فلا يليق بنا أن نحطمه خلال إنكار الإيمان علانية بسبب ضيق أو اضطهاد ولا خلال سلوكنا برفض الوصية، وإلا نكون قد مارسنا طلاقًا ممقوتًا.
    2. قبول الأطفال بالحب
    إن كان الفريسيون قد جاءوا إلى السيد المسيح يسألونه بخصوص الطلاق بقصد سيء، قد يكشفوا للجموع أنه يصَّعب الطريق ويكسر الناموس، فإن الجموع على العكس أدركت محبته وتلامست مع بساطته، فجاءت إليه بالأطفال تسأله أن يضع يديه عليهم ويباركهم.
    "وقدموا إليه أولادًا لكي يلمسهم،
    وأما التلاميذ فانتهروا الذين قدموهم.
    فلما رأى يسوع ذلك اغتاظ، وقال لهم:
    دعوا الأولاد يأتون إليّ، ولا تمنعوهم،
    لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله.
    الحق أقول لكم: من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله.
    فاحتضنهم، ووضع يديه عليهم، وباركهم" [13-16].
    يقول القديس كيرلس الكبير: [لقد انتهرهم التلاميذ الطوباويون ليس لأنهم كانوا يحسدون الأطفال، بل حسبوا في هذا تقديم احترام له كمعلمٍ لهم، ومنع التعب غير اللازم، ولأجل اهتمامهم الشديد بحفظ النظام.] بنفس المعنى يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد منعهم التلاميذ عن إحضار أولادهم، إذ حسبوا هذا لا يليق بكرامة المسيح... لكن مخلصنا وقد أراد أن يعلم تلاميذه فكر التواضع والوطء بالقدمين على الكبرياء الزمني احتضن الأولاد ونسب إليهم ملكوت الله.] ويقول القديس أمبروسيوس [لم يفعل التلاميذ ذلك بقسوة قلب أو سوء نية من نحو الأطفال بل كانت لهم غيرة كخدام ساهرين خشية أن تزحمه الجموع، ففي موضع آخر قالوا: "يا معلم الجموع يضيقون عليك" (لو 8: 45).]
    لقد أراد التلاميذ للسيد المسيح الطريق السهل المكرّم، رافضين مضايقة الأطفال الصغار ومتاعبهم، أما السيد فقدم لهم طريقه الصعب البسيط، يلتزم به التلاميذ والرسل كما الشعب أيضًا، فإنه إذ يحتضن الأطفال وهم في ذلك الحين يمثلون طبقة محتقرة بلا حقوق، يكشف أن المعلم لا يطلب كرامة ومجدًا لنفسه، إنما يطلب نفسًا تلتصق بالرب، حتى وإن كانت نفس طفل أو عبد أو لص! إنه طريق الحب للجميع لا طلب الكرامة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد باحتضان الأطفال، إنما جعل من الطفل مثلاً ما لم نبلغه لن ندخل الملكوت. هكذا كرّم السيد الطفولة إذ صار نفسه طفلاً بتجسده، والآن يطالب التلاميذ - قادة الكنيسة - أن يبلغوا مع الشعب إلى الطفولة ليكون لهم نصيب في الملكوت معهم.
    v حقًا ذهن الطفل نقي من آلام الخطية، لهذا يليق بنا أن نمارس بكامل حريتنا ما يفعله الأطفال بالطبيعة.
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v لم يقل "لهؤلاء"، بل قال: "لمثل هؤلاء ملكوت الله"، أي للذين لهم في نيتهم كما في تصرفاتهم ما للأطفال بالطبيعة من بساطة وعدم الأذية. فالطفل لا يبغض، ولا يحمل نية شريرة، حتى إن ضربته والدته لا يعتزل عنها، وأن ألبسته ثيابًا رخيصة يراها أفضل من الثوب الملكي، هكذا من يسلك في طرق الكنيسة أمه الصالحة، لا يكرم شيئًا أكثر منها، حتى ملذاته بكونها ملكة الكل، لذلك يقول الرب: "من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله"
    الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا
    v لا يقصد بالطفولة هنا تفضيل سن عن آخر، وإلا صار النمو (في العمر) هدمًا، وما كنت أشتهي بلوغ سن النضوج مادام يسلبني تعبي في ملكوت السماوات، ولما سمح الله لنا بالنمو مادام هذا النمو ينمي الرذائل لا الفضيلة، ولما اختار الرب تلاميذه ناضجين بل أطفالاً. لكن الأطفال لا يعرفون أسرارًا ولا خداعًا ولا رد الإساءة بالإساءة ولا يطلبون الغنى، ولا يمتلكهم حب الكرامة.
    الجهل بالأمور (كالطفل الذي لا يفهم شيئًا) لا يهب الفضيلة بل يسيء إليها، هكذا لا تتمجد عفتنا عن عجز (كالطفل العاجز عن الشهوة)... الفضيلة ليست عجزًا عن ممارسة الخطية، إنما هي رفض له ومثابرة في الجهاد لكي نرجع إلى طبيعتنا وطفولتنا.
    إذن لا يشير الرب إلى الطفولة هنا كسنٍ معينٍ، وإنما كحب للامتثال ببساطة الطفولة...
    v لنهرب إذن من الكبرياء ولنقتدي ببساطة الأطفال، فالحق يتعارض مع الكبرياء بينما توافقه البساطة وترفعه بتواضعها.
    القديس أمبروسيوس
    v لا يريدنا المسيح أن نكون بلا فهم بل يريدنا أن نفهم كل ما هو نافع وضروري لخلاصنا بطريقة كاملة. فإنه حتى الحكمة تعد أنها ستعطي "البسطاء ذكاءً والشاب بدء معرفة وتدبيرًا" (أنظر أم 1: 4). وقد وجدت الحكمة في سفر الأمثال أشبه بمن ترفع صوتها عاليًا، وتقول: "لكم أيها الناس أنادي وصوتي إلى بني البشر، أيها البسطاء تعلموا الذكاء، ويا جهال ضعوا قلبًا فيكم" (انظر أم 8: 4)...
    لكن كيف يكون الإنسان بسيطًا وحكيمًا في نفس الوقت؟ هذا ما يوضحه لنا المخلص في موضع آخر بقوله: "كونوا حكماء كالحيات، وبسطاء كالحمام" (مت 10: 16)، وبنفس الطريقة يكتب الطوباوي بولس: "أيها الإخوة لا تكونوا أولادًا في أذهانكم، بل كونوا أولادًا في الشر، وأما في الأذهان فكونوا كاملين" (1 كو 14: 20).
    يلزمنا أن نفحص ما معنى أن نكون أولادًا في الشر، وكيف يصير الرجل هكذا بينما يكون في الذهن رجلاً ناضجًا. الطفل معرفته قليلة جدًا، وأحيانًا معدومة تمامًا، لذا فهو بريء من جهة فساد الشر، ونحن أيضًا من واجبنا أن نسعى لكي نتمثل بهم في هذا الأمر بانتزاع عادات الشر عنا تمامًا، فيُنظر إلينا كرجال ليس لهم حتى معرفة بالطريق التي تقود للغش، ليس لنا إدراك للمكر أو الخداع، بل نكون بسطاء وأبرياء نمارس اللطف والتواضع الذي لا يقدّر، ونكون مستعدين لاحتمال السخط والضغينة. بهذا نؤكد أننا نحمل سمات من هم لا يزالون أولادًا.
    بينما تكون شخصيتنا بسيطة وبريئة، يليق بنا أن نكون كاملين في الذهن، فيتأسس فهمنا بثباتٍ ووضوحٍ على من هو بالطبيعة والحق خالق المسكونة، الله الرب...
    يقوم كمال الذهن الرئيسي على الإيمان، فلا يكون فهمنا فاسدًا، وأما الأمر الثاني والمجاور لهذا الكمال الرئيسي والقريب منه وملازم له، فهو المعرفة الواضحة للطريق السلوكي الذي يفرح الله الذي تعلمناه بالإنجيل، الطريق الكامل الذي بلا لوم (هنا يميز القديس بين السالكين طريق الرب الإنجيلي وبين النبلاء في السلوك خلال الفلسفات التي يمكن أن تخدع). من يسلك هذا الطريق يمارس حياة البساطة والبراءة، ومع ذلك فهم يعرفون أية أراء (إيمانية) يتمسكون بها وأي أعمال حقة يمارسونها. مثل هؤلاء يدخلون الباب الضيق، فلا يرفضون الأتعاب التي تلزم للتقوى في الله واللازمة لتقود إلى الحياة الممجدة. هكذا بحق يتقدمون إلى اتساع فيض طريق الله ويبتهجون بعطاياه، ويربحون لأنفسهم ملكوت السماوات بالمسيح الذي لله الآب الحمد والسلطان بالمسيح معه، ومع الروح القدس إلى أبد الأبد. آمين.
    القديس كيرلس الكبير
    ليتنا إذن نتمثل بالأطفال في الشر لا في الذهن، فنقبل بإيمان صادق أن يمد الرب نفسه يده ليضمنا إليه ويحملنا على منكبيه، ويدخل بنا إلى صليبه خلال الباب الضيق، فتنفتح لنا سماواته في داخلنا وننعم بأمجاده فينا، ونعيش ملكوته الأبدي بفرحٍ حقيقيٍ ومجيدٍ.
    إذ نعود إلى تقديم الأطفال ليباركهم السيد نذكر ما قاله القديس كيرلس الكبير إذ يرى الأطفال وقد وضع الآباء الأساقفة أيديهم على رؤوسهم لنوال نعمة الروح القدس (التثبيت) بعد المعمودية، لا من بشر بل من السيد المسيح نفسه، إذ يقول: [حتى وقتنا الحاضر يُقدم الأطفال للمسيح فيباركهم خلال الأيدي المكرسة. مثال هذا العمل قائم حتى اليوم وقد جاء إلينا خلال عادة المسيح مؤسسها.]
    وللعلامة أوريجينوس تعليق لطيف على تقديم الأطفال لنوال البركة، إذ يقول: [إن رأى إنسان يقوم بعمل التعليم في الكنيسة أحدًا يحضر له بعضًا من أغبياء هذا العالم ومن الطبقات الدنيا والضعفاء، هؤلاء الذين بسبب هذا يُحسبون أطفالاً وصغارًا، ليته لا يمنعه من تقديمهم للمخلص لئلا يكون عمله بلا تمييز.]
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:24 am

    . الغني والتبعية للمسيح
    هكذا تتكشف ملامح الطريق الجديد في بساطته أيضًا لغير الروحيين، إذ هو طريق المسيح المصلوب، وصيته تبدو صعبة تحمل في أعين الجسدانيين حرمانًا، ودعوته تحتضن الأطفال المحتقرين - في ذلك الحين - وتدعونا للطفولة في بساطتها ونقاوتها، والآن إذ يلتقي به شاب غني ارتبط قلبه بثروة هذا العالم حرمه هذا الثقل من العبور مع السيد خلال باب الحب للدخول إلى الطريق الضيق. فالغنى في ذاته ليس شرًا، لكنه يمثل ثقلاً للنفس المتعلقة به، يفقدها حياتها وينزعها عن الالتصاق بمخلصها.
    يروي لنا الإنجيلي قصة هذا اللقاء، فيقول:
    "وفيما هو خارج إلى الطريق ركض واحد وجثا له، وسأله:
    أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟
    فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحًا،
    ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله.
    أنت تعرف الوصايا:
    لا تزن، لا تقتل، لا تسرق،
    لا تشهد بالزور، لا تسلب، أكرم أباك وأمك" [17-19].
    خرج السيد المسيح إلى الطريق ليجد الشاب الغني المُمسك بحب المال هناك، فمع غناه يوجد في الطريق كمن محتاج يطلب شبعًا ولا يجد. شعر الشاب بالجوع والعطش فركض مسرعًا نحو السيد وجثا له وسأله: "أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الصالحة؟" وإذ كان الشاب لم يدرك بعد أنه المسيح ابن الله، عاتبه السيد: "لماذا تدعوني صالحًا، ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله!" إنه لم ينف عن نفسه الصلاح فقد دعا نفسه الراعي الصالح (يو 10: 11؛ لو 2: 15)، لكنه يرفض أن يلقبه الشاب هكذا ظنًا أنه لقب للتفخيم كعادة اليهود في معاملاتهم مع القيادات الدينية، ينعتوهم بصفات خاصة بالله نفسه. وكأنه أراد من الشاب أن يراجع حساباته الداخلية من جهة إيمانه به، وثانيًا ألا يستخدم الألفاظ الخاصة بالله لتكريم الإنسان.
    يقول القديس أمبروسيوس: [عندما قال: "أيها المعلم الصالح"، قالها بمعنى الصلاح الجزئي لا المطلق مع أن صلاح الله مطلق وصلاح الإنسان جزئي، لذا أجابه الرب: لماذا تدعوني صالحًا، وأنت تنكر إني أنا الله؟ لماذا تدعونني صالحًا والله وحده هو الصالح؟ لم ينكر الرب أنه صالح، بل يشير إلى أنه هو الله... إن كان الآب صالحًا فذاك أيضًا صالح، لأن كل ما للآب فهو له (يو 17: 10)... أليس صالحًا من يدبر صلاح النفس التي تطلبه؟ أليس صالحًا من يشبع بالخير عمرك (مز 103: 5)؟ أليس صالحًا من قال "أنا هو الراعي الصالح"؟ (يو 10: 11).]
    ويقول القديس كيرلس الكبير: [لقد اقترب وتظاهر بالحديث اللطيف، إذ دعاه معلمًا ووصفه صالحًا، وقدم نفسه كمن يشتهي التلمذة له، إذ قال: "ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟" لاحظ كيف مزج التملق بالخداع والخبث كمن يمزج الإفسنتين بالعسل، حاسبًا أنه بهذا يقدر أن يخدعه. عن مثل هؤلاء قال أحد الأنبياء القديسين: "لسانهم سهم قتال بالغش؛ بفمه يكلم صاحبه بسلام وفي نفسه عداوة" (أر 9: Cool. وأيضًا يقول المرتل الحكيم عنهم: "فمهم مملوء لعنة ومرارة" (مز 10: 7)، وأيضًا: "ألين من الزيت كلماته وهي سيوف (حراب)" (مز 55: 21). لقد داهن يسوع، وحاول أن يخدعه، مظهرًا أنه خاضع له. لكن العالم بكل شيء أجاب: "لماذا تدعونني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله"، إذ مكتوب: "الأخذ الحكماء بحيلتهم" (أي 5: 13). ها أنت ترى كيف برهن السيد أن (الشاب) لم يكن حكيمًا ولا متعلمًا مع أنه رئيس لليهود (لو 18: 18). كأنه يقول له: أنت لا تؤمن إني الله، وارتدائي للجسد قد ضللك، فلماذا تنعتني بما يليق بالطبيعة العلوية وحدها مع أنك لا تزال تحسبني إنسانًا مثلك، وليس أعظم من الطبيعة البشرية؟ فإن الله وحده بطبيعته التي تسمو على الكل يُنسب إليه الصلاح بالطبيعة، الصلاح غير المتغير. أما الملائكة ونحن الذين على الأرض فصالحون بتمثلنا به أو بالحري بشركتنا معه... هو بالحق صالح، صالح مطلقًا، أما الملائكة والبشر فصالحون بكونهم خلقوا هكذا مشاركين في صلاح الله كما قلت... على أي الأحوال كأنه يقول له: أبدو لك إني لست حقًا الله، وها أنت بجهل وغباوة تنسب لي ما يخص الطبيعة الإلهية، في الوقت الذي فيه تحسبني إنسانًا مجردًا، الكائن الذي لا ينسب له الصلاح كطبيعة غير متغيرة، إنما يقتنيه حسب الإرادة الإلهية.]
    إذ سأله الشاب عن الحياة الأبدية وجهه السيد إلى الوصايا، قائلاً: "أنت تعرف الوصايا: لا تزن، لا تقتل، لا تشهد بالزور، لا تسلب، أكرم أباك وأمك" [18-19]؛ فإننا لا نستطيع التمتع بالحياة الأبدية خارج الوصية الإلهية.
    لقد جاءت إجابة السيد المسيح على خلاف ما توقع هذا الشاب رئيس مجمع يهودي، إذ يقول القديس كيرلس الكبير: [توقع رئيس المجمع أن يسمع المسيح يقول: كُف يا إنسان عن كتابات موسى، أترك الظل، فإنها كانت رموزًا ليس إلا، واقترب بالحري إلى وصاياي، التي أقدمها بالإنجيل. لكنه لم يجب هكذا إذ أدرك بمعرفته الإلهية غاية ذاك الذي جاء ليجربه. فكما لو لم تكن له وصايا أخرى بجانب الوصايا التي أعطيت لموسى أرسل إليهم (المجمع) الرجل (الرئيس) قائلاً له: "أنت تعرف الوصايا"، ولئلا يظن أنه يتحدث عن وصايا خاصة به عدّد الوصايا الواردة في الناموس، قائلاً: "لا تزن، لا تقتل، لا تشهد بالزور".]
    على أي الأحوال إذ بحكمة أجابه السيد حتى لا يتصيد هذا الرئيس الشاب على السيد أنه كاسر للناموس، فإنه في نفس الوقت سحبه نحو الوصية الإلهية كمصدر للتمتع بالحياة الأبدية. وكما يقول القديس مرقس الناسك أن السيد المسيح نفسه مختفي في الوصية فمن يمارسها عمليًا يكشفه داخلها. بمعنى آخر إن كانت الحياة الأبدية هي تمتع بالمسيح "الحياة" عينها، فإننا نلتقي به عمليًا متى آمنا به خلال دخولنا إلى أعماق الوصية لنجده سّر تقدسينا ونقاوتنا وحياتنا.
    أعلن الشاب أنه قد حفظ الوصايا منذ حداثته فأحبه المسيح، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لقد أحبه أو قبّله، مظهرًا تثبيت الحق في عمله بقول الشاب أنه حفظها كلها... إذ رآه قد أجاب بضمير صالح.]
    ربما يتساءل البعض كيف يحب إنسانًا أو يقّبله وهو يعلم أنه لا يتبعه؟ نجيب على هذا أنه أحب فيه البداية الحسنة لكنه لا يحب انحرافه فيما بعد. أحب فيه ما استحق أن يُحب ليدفعه لما هو أعظم، لكن ليس إلزامًا ولا قهرًا، إنما بكامل حريته. لقد أحبه وقدم له الوصية التي تبلغ به إلى الكمال: "يعوزك شيء واحد. اذهب بع كل مالك، وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء. وتعال اتبعني حاملاً الصليب" [21].
    من تعليقات الآباء على قول السيد بخصوص ترك محبة العالم وحمل الصليب:
    v حسنًا قال "يكون لك كنز" ولم يقل "حياة أبدية"، أنه يتحدث في أمر الغنى وتركه، مظهرًا أنه يتمتع بما هو أعظم مما ترك بقدر ما السماء أعظم من الأرض.
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v ليس من انطلقت في نفسه وفي عظامه محبة المسيح ويقدر أن يحتمل قذارة الشهوة المرذولة... ليس من سُبى عقله بحُسن رب الكل يقدر أن يسبيه شيء من هذا العالم بشهواته.
    v الذين ذاقوا عظمة حلاوته صاروا مبغضين كل نعيم.
    v كمال الوصايا هو الصليب، يعني نسيان شهوات العالم وإهمالها، مع اشتياق وتلهف وحب للرحيل، كقول القديس بولس: "لي اشتهاء أن انطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جدًا" (في 1: 23).
    القديس يوحنا سابا
    أمام هذه الوصية الإلهية وقف الشاب متعثرًا... فقد رأى طريق السيد المسيح صعبًا، لأن محبته للمال قد حرمته من الدخول، إذ يقول الإنجيلي: "فاغتم على القول، ومضى حزينًا، لأنه كان ذا أموالٍ كثيرةٍ" [22]. تألم السيد المسيح لهذا المنظر حين رأى أمور هذا العالم التي خلقها الله للإنسان كي يستعملها استعملته هي لحسابها عبدًا، وعِوَض أن تسنده أذلت قلبه، وربطته في شباك التراب وفخاخه، لهذا "نظر يسوع حوله، وقال لتلاميذه: ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله" [23]. إذ تحير التلاميذ "قال لهم: يا بني، ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله. مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" [24-25].
    لقد كشف لهم أن العيب لا في الغنى إنما في القلب المتكل على الغنى!
    v قال الرب هذا لتلاميذه الفقراء الذين لا يملكون شيئًا ليعلمهم ألا يخجلوا من فقرهم، مبررًا لهم لماذا لم يسمح لهم أن يملكوا شيئًا.
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    يقدم لنا القديس أمبروسيوس تفسيرًا رمزيًا لكلمات السيد المسيح: "مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" بالقول بأن الجمل يشير إلى شعوب الأمم (إش 30: 6) وثقب الإبرة يشير إلى طريق الصليب الضيق، وكأن دخول الأمم خلال طريق السيد المسيح الضيق لهو أيسر من دخول الأمة اليهودية التي تمثل الغنى من جهة تمتعها بالناموس والآباء والأنبياء والوعود الخ. إلى ملكوت الله!
    ويرى القديس كيرلس الكبير أن كلمة "جمل" هنا تشير إلى الحبال السميكة التي يستخدمها البحارة في السفن، هذه التي لا يمكن أن تدخل في ثقب إبرة.
    إذ سمع التلاميذ كلمات السيد المسيح "بهتوا إلى الغاية، قائلين بعضهم لبعض: فمن يستطيع أن يخلص؟ فنظر إليهم يسوع وقال: عند الناس غير مستطاع، ولكن ليس عند الله، لأن كل شيء مستطاع عند الله" [26-27]. لقد أدرك التلاميذ صعوبة الطريق بسبب إغراءات المال، لكن رب المجد كشف لهم أنه ليس شيء غير مستطاع لدى الله، فإن كان يسمح لأحد بالغنى، فإنه يقدر بنعمته أن يحول هذا الغنى للخير، كما حوّل غنى إبراهيم ويوسف وغيرهما لمجده. الحاجة إلى واحد، الله الذي يسند النفس، ويجتذبها من كل حبال الشر، ويهبها إمكانية العمل لحساب مملكة الله.
    يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [سبب قوله أن الله هو العامل، الكشف عن أن من يضعه الله في هذا الطريق (الغنى) يحتاج إلى نعمة عظيمة، مظهرًا أنه ستكون المكافأة عظيمة للغني الذي يتبع التلمذة للمسيح.]
    4. الترك والتبعية للمسيح
    إذ رأى التلاميذ الشاب لا يحتمل الوصية الخاصة بالترك مع التبعية للمسيح، تساءلوا ماذا يكون نصيبهم وقد تركوا كل شيء وتبعوه، إذ "ابتدأ بطرس يقول له: ها نحن تركنا كل شيء وتبعناك" [28]. لقد تركوا أمورًا قليلة وتافهة، لكنها تمثل كل شيء عندهم. تركوا بقلوبهم الكل وتبعوه. لذلك أجابهم السيد إجابة عامة، مشجعًا الدخول في الطريق الصعب، طريق التخلي عن كل شيء بقوله: "الحق أقول لكم، ليس أحد ترك بيتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًا أو امرأة أو أولادًا أو حقولاً لأجلي ولأجل الإنجيل، إلا ويأخذ مئة ضعف الآن في هذا الزمان: بيوتًا وإخوة وأخوات وأمهات وأولادًا وحقولاً مع اضطهادات، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية. ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين، والآخرون أولين" [29-31].
    v يبدو لي أنه بهذه الكلمات أراد أن يحدثهم عن الاضطهادات بطريقة غير مكشوفة، إذ يحدث أن يحاول كثير من الآباء أن يغروا أولادهم على الشر، وتغري النساء رجالهن.
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v لا يذهب جندي إلى معركة مع زوجته.
    القديس جيروم
    v لاحظ كيف دفع كل سامعيه إلى رجاء أكيد... مؤكدًا وعده بقسم، بقوله كلمة "الحق" قبل إعلانه عن الوعد...
    الأقوياء في الذهن، الذين يفضلون محبة المسيح، يتمسكون بالإيمان بشغف، ويسعون بحماس أن يقتنوا الانتساب لبيته خلال العلاقة الروحية، غير مبالين بالحروب والانقسامات التي يثيرها عليهم أقرباؤهم حسب الجسد. بهذا يترك الناس بيوتهم وأقرباءهم من أجل المسيح ليربحوا اسمه بكونهم يُدعون مسيحيين، بل وبالحري من أجل مجده، لأن اسمه غالبًا ما يعني مجده.
    لننظر بعد ذلك بأية كيفية من يترك بيته أو أباه أو أمه أو إخوته أو حتى زوجته يقبل أضعافًا في هذا الزمان الحاضر. هل يصير زوجًا لزوجات كثيرات أو يجد على الأرض آباء كثيرين عِوَض الأب الواحد، وهكذا بالنسبة للقرابات الجسدية؟ لسنا نقول هذا، إنما بالحري إذ نترك الجسديات والزمنيات نتقبل ما هو أعظم، أقول نتقبل أضعافًا مضاعفة لأمور كانت لدينا...
    كل واحد منا نحن الذين نؤمن بالمسيح ونحب اسمه إن ترك بيتًا يتقبل المواضع التي هي فوق. وإن ترك آبًا يقتني الآب السماوي. إن ترك إخوته يجد المسيح يضمه إليه في أخوة له. إن ترك زوجة يجد له بيت الحكمة النازل من فوق من عند الله، إذ كتب: "قل للحكمة أنتِ أختي، وأدع الفهم ذا قرابة" (أم 7: 4). فبالحكمة (كزوجة) تجلب ثمارًا روحية جميلة، بها تكون شريكًا في رجاء القديسين وتُضم إلي صحبة الملائكة. وإذ تترك أمك، تجد أمًا لا تقارن، أكثر سموًا، "أورشليم العليا التي هي أمنا (جميعًا) فهي حرة" (غل 4: 26)... فإن من يُحسب مستحقًا لنوال هذه الأمور يُحسب وهو في العالم سامٍ وموضع إعجاب، إذ يكون مزينًا بمجد من قبل الله والناس. هذه الأمور واهبها هو ربنا كلنا ومخلصنا، تحسب أضعاف مضاعفة بالنسبة للزمنيات والجسديات.
    القديس كيرلس الكبير
    v من يتبع المسيح تخف عنه الآلام العالمية والملذات الأرضية، متقبلاً إخوة وشركاء له في الحياة، يرتبط بهم ارتباطًا روحيًا، فيقتني حتى في هذه الحياة حب أفضل مئة مرة عن (الحب المتأسس على الرباط الدموي).
    بين الآباء والأبناء والإخوة والزوجات والأقارب يقدم الرباط لي مجرد القربى، لهذا فهو قصير الأمد وينحل بسهولة... أما الرهبان (إذ يتركون الزواج) يحتفظون بوحدة باقية في ألفة، ويملكون كل شيء في شركة عامة بينهم، فيرى كل إنسان أن ما لإِخوته هو له، وما له هو لإخوته، فإذا ما قارنا نعمة الحب التي لنا هكذا بالنسبة للحب الذي يقوم على مجرد الرباطات الجسدانية فبالتأكيد نجده أعذب وألذّ مئة ضعف.
    هكذا أيضًا نقتني من العفة الزيجية (حيث ترتبط النفس بالرب يسوع كعريس لها) سعادة تسمو مئات المرات عن السعادة التي تتم خلال إتحاد الجنس. وعوض الفرح الذي يختبره الإنسان بملكيته حقلاً أو منزلاً يتمتع ببهجة الغنى مئات المرات بكونه ابن الله يملك كل ما يخص الآب الأبدي، واضعًا في قلبه وروحه مثال الابن الحقيقي القائل: "كل ما للآب هو لي" (يو 16: 15)... إنه يربح لنفسه كل شيء، منصتًا كل يوم لإعلان الرسول: "كل شيء لكم" (1 كو 3: 22).
    الأب إبراهيم
    إذ حدثهم عن الترك من أجل الإنجيل أعلن لهم أنه هو أولاً يترك لأجلهم، مسلمًا نفسه لأحداث الصليب، حيث يسلمه الكتبة ورؤساء الكهنة للأمم فيهزأون به ويجلدونه ويتفلون عليه ويقتلونهk وفي اليوم الثالث يقوم [32-34].
    v لقد أظهر أنه يركض ليواجه آلامه، ولا يرفض الموت لأجل خلاصهم.
    v قال هذا ليثبت قلوب تلاميذه، حتى إذ يسمعون مقدمًا ما سيحدث يكونون في حالة أفضل مما لو سمعوا بعض الأحداث، بهذا لا ينزعجون عندما يحزنون؛ وأيضًا ليظهر لهم أنه يتألم باختياره، إذ يعرف الخطر الذي يلاحقه لا يهرب منه مع أن في قدرته أن يفعل ذلك... لكنه أخذ تلاميذه على إنفراد، إذ يليق إن يعلن سرّ آلامه لمن هم مقربين إليه جدًا.
    الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا
    v لقد عدّد لهم ما سيحدث له... حتى لا يضطربوا إذ تكون لهم الأحداث مفاجئة!
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v لكي يعد مخلص الكل أذهان تلاميذه مقدمًا أخبرهم بما سيحل به من آلام على الصليب، وموت في الجسد، وذلك قرب صعوده إلى أورشليم، كما أضاف أيضًا أنه يحب أن يقوم، ماسحًا الألم، طامسًا عار الآلام بقوة المعجزة (القيامة). فإنه لأمر مجيد يليق بالله أن يحطم قيود الموت ويرد الحياة. فقد حملت له القيامة شهادة انه هو الله وابن الله كما عبّر الحكيم بولس... بهذه الطريقة قطع عنهم الأفكار غير اللائقة مقدمًا ونزع كل فرصة للعثرة.
    القديس كيرلس الكبير
    5. ترك حب الرئاسات
    بدأ الإعلان عن الطريق الصعب بالكشف عن الوصية الصعبة، ثم أعلن لهم عن الحاجة إلى احتضان الأطفال والضعفاء بالحب الروحي العملي، وأيضًا تحدث عن التخلي، ليس فقط عن محبة المال، وإنما حتى عن العلاقات القرابية إن صارت عثرة في الطريق. والآن فإن أخطر صعوبة تواجه الخدام هي التخلي عن حب الرئاسات.
    "تقدم إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي قائلين:
    يا معلم، نريد أن تفعل كل ما طلبنا.
    فقال لهما: ماذا تريدان أن أفعل لكما؟
    فقالا له: اعطنا أن نجلس واحد عن يمينك،
    والآخر عن يسارك في مجدك" [35-37].
    يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ سمع التلاميذ المسيح يتكلم عن ملكوته كثيرًا ظنوا أن ملكوته يقوم قبل موته، والآن إذ هو يتحدث عن موته معلنًا لهم عنه مقدمًا. جاءه التلميذان ليتمتعا بكرامات الملكوت.] كما يقول [سؤال المسيح لهما: ماذا تريدان ليس عن جهل منه للأمر، وإنما ليلزمهما بالإجابة، فيفتح الجرح ويقدم له الدواء.]
    أجابهما السيد: "لستما تعلمان ما تطلبان" [38]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كأنه يقول لهما أنكما تتحدثان عن الكرامات بينما أتكلم أنا عن الصراعات والمتاعب. إنه ليس وقت المكافأة الآن بل هو وقت الدم والمعارك (الروحية) والمخاطر، لذلك أضاف: "أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا، وأن تصطبغا (تتعمدا) بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟" [38]. لقد سحبهما من طريق سؤالهما إلى الالتزام بالشركة معه لتزداد غيرتهما.] يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [لقد قصد بالكأس والصبغة (المعمودية) الصليب، الكأس هي الجرعة التي نتقبلها بواسطته بعذوبة، والمعمودية هي علة تطهيرنا من خطايانا. وقد أجاباه بغير إدراك قائلين له: "نستطيع"، إذ حسباه يتحدث عن كأس منظورة وعن المعمودية التي كان اليهود يمارسونها التي هي الغسالات قبل الأكل.]
    لقد تسرعا في الإجابة كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إذ ظنا أنهما ينالان كرامة الملكوت فورًا، لذلك أجابهما: "أما الكأس التي أشربها أنا فتشربانها، وبالصبغة التي أصطبغ بها أنا تصطبغان. وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أُعِدَ لهم" [39-40]. وكأنه يقول لهما ستنعمان بالآلام معي والاستشهاد أيضًا، لكن أمر تمتعكما بأمجاد الملكوت فهو أمر إلهي يوهب لكما لا حسب فكركما المادي إنما حسب خطة الله الخلاصية.
    في قوله "ليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم" يعلن دور الآب في يوم الرب العظيم، إذ هما يعملان معًا... يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [مع أنه هو الذي يدين، لكنه يظهر بهذه العبارة بنوته الأصلية.]
    يقول الإنجيلي: "ولما سمع العشرة ابتدأوا يغتاظون من أجل يعقوب ويوحنا" [41]، فقد دفعتهم المشاعر البشرية إلى الحسد. هذا هو المرض الذي يوجهه عدو الخير بين الخدام؛ حب الرئاسات والكرامة الزمنية. لهذا "دعاهم يسوع، وقال لهم: أنتم تعلمون أن الذين يحسبون رؤساء الأمم يسودونهم، وأن عظماءهم يتسلطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم، بل من أراد أن يصير فيكم عظيمًا، يكون لكم خادمًا، ومن أراد أن يصير فيكم أولاً، يكون للجميع عبدًا، لأن ابن الإنسان أيضًا لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم، ويبذل نفسه فدية عن كثيرين" [42-45].
    v لنتبع المسيح ربنا، فإن من يقول أنه يؤمن به يلزم أن يسلك كما سلك ذاك (1 يو 2: 6). لقد جاء المسيح ليخدم لا ليُخدم. لم يأت ليأمر وإنما ليطيع؛ لم يأتِ لكي تُغسل قدماه بل لكي يغسل هو أقدام تلاميذه. جاء لكي يُضرب لا ليضرب، يحتمل ضعفات الآخرين ولا يصفع أحدًا، ليُصلب لا ليصلب... إذن لنتمثل بالمسيح، فمن يحتمل الضعفات يتمثل به، وأما من يضرب الآخرين فيمتثل بضد المسيح.
    القديس جيروم
    6. الحاجة إلى تفتيح الأعين
    إذ كان السيد خارجًا إلى أريحا، منطلقًا إلى أورشليم ليدخل إلى الآلام ويحمل الصليب عنا التقى بأعميين، ذكر القديس مرقس احدهما بالاسم "بارتيماوس بن تيماوس". كان هذا الأعمى "جالسًا على الطريق يستعطى. فلما سمع أنه يسوع الناصري، ابتدأ يصرخ ويقول: يا يسوع ابن داود ارحمني. فانتهره كثيرون ليسكت، فصرخ أكثر كثيرًا: يا ابن داود ارحمني. فوقف يسوع وأمر أن يُنادي، فنادوا الأعمى قائلين له: ثق، قم، هوذا يناديك. فطرح رداءه وقام، وجاء إلى يسوع. فأجاب يسوع وقال له: ماذا تريد أن أفعل بك؟ فقال له الأعمى: يا سيدي أن أبصر. فقال له يسوع: اذهب، إيمانك قد شفاك. فللوقت أبصر، وتبع يسوع في الطريق" [46- 52].
    لهذا العمل الإلهي أهميته الخاصة، فمن جهة أنه تم في الطريق حيث كان السيد مسرعًا نحو الصليب، وكأنه أراد أن يعلن غاية آلامه تفتيح عيني البشرية الداخليتين، أي بصيرتها القلبية، لتعاين أمجاد ملكوته القائم على صلبه وقيامته. ومن جانب آخر جاء هذا العمل يعلنه الإنجيلي بعد رفض الشاب الغني التبعية للمسيح وانشغال التلاميذ بالمراكز الأولى والتمتع بالكرامات الزمنية. وكأن طريقه الصعب يحتاج إلى عمله الإلهي ليهب النفس استنارة داخلية، فتتعرف على ملامح الطريق وتسلك فيه. وقد قدم لنا الإنجيلي تفاصيل تفتيح عيني هذا الأعمى لما حمله هذا العمل من مفاهيم روحية عميقة:
    أولاً: تم تفتيح العينين عند أريحا على الطريق... ويرى القديس جيروم أن اسم المدينة ملائم للموقف، فإن معناه "قمر" أو "أناثيما"، أي "محروم"، حيث كان السيد منطلقًا إلى أورشليم ليحتمل الآلام والحرمان بالجسد لأجل خلاصنا.
    كان الأعمى جالسًا على الطريق يستعطى. فإن كان طريق العالم سهلاً وطريق الرب صعبًا، لكن الأول يفقد النفس بصيرتها وحيويتها فيجعلها كمن في الطريق خاملة بلا عمل، تجلس في خيبة أمل تستعطي الآخرين.
    ثانيًا: كانت صرخات الأعمى: "يا يسوع ابن داود" تعلن إيمانه به أنه المسيا المنتظر، الموعود به. إنه ابن داود الذي تترقبه الأجيال. يقول القديس كيرلس الكبير: [إذ تربى في اليهودية، وكان بحسب الميلاد من هذا الجنس لم تهرب من معرفته النبوات الواردة في الناموس والأنبياء بخصوص المسيح. لقد سمعهم يسبحون هذه العبارة من المزامير: "أقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه، من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك" (مز 132: 11). لقد عرف أيضًا أن الطوباوي إشعياء النبي قال: "ويخرج قضيب من جزع يسى وينبت (يزهر) غصن من أصوله" (إش 11: 1)، وأيضًا قال: "ها العذراء تحبل وتلد ابنًا، وتدعو اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا" (إش 7: 14؛ مت 1: 23). فإنه إذ آمن أن الكلمة بكونه الله تنازل بإرادته ليولد حسب الجسد من عذراء مقدسة، اقترب منه كما من الله، وقال له: "ارحمني يا ابن داود"... لقد شهد أيضًا لمجده بسؤاله عملاً لا يقوم به غير الله وحده.]
    ثالثًا: كانت الجموع تحيط بالسيد وتزحمه جسديًا، وعندما أراد الأعمى أن يلتقي به إيمانيًا لم يجد من الجموع إلا المقاومة، إذ قيل: "فانتهره كثيرون ليسكت"، وأمام هذه المقاومة: "صرخ أكثر فأكثر"، من واعز إيمانه الذي لا يُغلب.
    حتى في داخل الكنيسة حينما يود إنسان أن يلتقي بالسيد خلال الروح قد يجد مقاومة وروح النقد تثبط الهمم، لكن النفس التي تتمسك بالإيمان الحيّ تشعر باحتياجها للمخلص، فتزيدها المقاومة صلابة، ويزداد صراخها الداخلي أكثر فأكثر، فيكرمها السيد المسيح بدعوتها أن تقترب منه وتتمتع بحضرته كما بعمله الداخلي فيها. يقول القديس كيرلس الكبير: [لتفهموا من هذا يا أحبائي أن الإيمان يدخل بنا إلى حضرة المسيح، ويقدمنا إلى الله (الآب) فنُحسب مستحقين لكلماته.]
    رابعًا: إذ أمر السيد أن يُنادي، تحولت القوى المقاومة إلى قوة عاملة، إذ نادوه قائلين: ثق، قم، هوذا يناديك.
    إن كانت هذه الجموع تشير أيضًا إلى الجسد الذي كثيرًا ما يقاوم النفس حين تود الالتقاء مع مخلصها ببث روح الخمول والتراخي، لكن النفس المثابرة تستعطف المخلص فيحول الجسد إلى آلات برّ تعين النفس في لقائها مع الرب. لهذا يقول القديس يوحنا سابا: [يتنعم الجسد والنفس معًا في الرب بالمحبة والفرح.]
    خامسًا: طرح الأعمى رداءه وقام وجاء إلى يسوع. إنه تدريب يومي تقوي، فيه يطرح المؤمن أعمال الإنسان القديم كرداء، ويتمتع بالقيامة مع السيد ليكون دومًا معه وفي حضرته.
    سادسًا: سأله السيد: ماذا تريد أن أفعل بك؟ ليس من عدم معرفة، إنما ليعلن إيمانه أمام الجميع، وليؤكد أنه يعطي من يسألونه.
    سابعًا: تمتع بالبصيرة فتبع يسوع في الطريق، وكما يقول القديس جيروم:[أنتم أيضًا تستردون بصيرتكم أن صرختم إليه وطرحتم رداءكم القذر عنكم عند دعوته لكم... دعوة يلمس جراحكم ويمر بيديه على أعينكم، فإن كنتم قد وُلدتم عميان من البطن، وإن كانت أمهاتكم قد حبلت بكم بالخطية فهو يغسلكم بالزوفا فتطهرون، يغسلكم فتصيرون أبيض من الثلج (مز 51: 5، 7).]
    1 و قام من هناك و جاء الى تخوم اليهودية من عبر الاردن فاجتمع اليه جموع ايضا و كعادته كان ايضا يعلمهم
    2 فتقدم الفريسيون و سالوه هل يحل للرجل ان يطلق امراته ليجربوه
    3 فاجاب و قال لهم بماذا اوصاكم موسى
    4 فقالوا موسى اذن ان يكتب كتاب طلاق فتطلق
    5 فاجاب يسوع و قال لهم من اجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية
    6 و لكن من بدء الخليقة ذكرا و انثى خلقهما الله
    7 من اجل هذا يترك الرجل اباه و امه و يلتصق بامراته
    8 و يكون الاثنان جسدا واحدا اذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد
    9 فالذي جمعه الله لا يفرقه انسان
    10 ثم في البيت ساله تلاميذه ايضا عن ذلك
    11 فقال لهم من طلق امراته و تزوج باخرى يزني عليها
    12 و ان طلقت امراة زوجها و تزوجت باخر تزني
    13 و قدموا اليه اولادا لكي يلمسهم و اما التلاميذ فانتهروا الذين قدموهم
    14 فلما راى يسوع ذلك اغتاظ و قال لهم دعوا الاولاد ياتون الي و لا تمنعوهم لان لمثل هؤلاء ملكوت الله
    15 الحق اقول لكم من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله
    16 فاحتضنهم و وضع يديه عليهم و باركهم
    17 و فيما هو خارج الى الطريق ركض واحد و جثا له و ساله ايها المعلم الصالح ماذا اعمل لارث الحياة الابدية
    18 فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحا ليس احد صالحا الا واحد و هو الله
    19 انت تعرف الوصايا لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تسلب اكرم اباك و امك
    20 فاجاب و قال له يا معلم هذه كلها حفظتها منذ حداثتي
    21 فنظر اليه يسوع و احبه و قال له يعوزك شيء واحد اذهب بع كل ما لك و اعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء و تعال اتبعني حاملا الصليب
    22 فاغتم على القول و مضى حزينا لانه كان ذا اموال كثيرة
    23 فنظر يسوع حوله و قال لتلاميذه ما اعسر دخول ذوي الاموال الى ملكوت الله
    24 فتحير التلاميذ من كلامه فاجاب يسوع ايضا و قال لهم يا بني ما اعسر دخول المتكلين على الاموال الى ملكوت الله
    25 مرور جمل من ثقب ابرة ايسر من ان يدخل غني الى ملكوت الله
    26 فبهتوا الى الغاية قائلين بعضهم لبعض فمن يستطيع ان يخلص
    27 فنظر اليهم يسوع و قال عند الناس غير مستطاع و لكن ليس عند الله لان كل شيء مستطاع عند الله
    28 و ابتدا بطرس يقول له ها نحن قد تركنا كل شيء و تبعناك
    29 فاجاب يسوع و قال الحق اقول لكم ليس احد ترك بيتا او اخوة او اخوات او ابا او اما او امراة او اولادا او حقولا لاجلي و لاجل الانجيل
    30 الا و ياخذ مئة ضعف الان في هذا الزمان بيوتا و اخوة و اخوات و امهات و اولادا و حقولا مع اضطهادات و في الدهر الاتي الحياة الابدية
    31 و لكن كثيرون اولون يكونون اخرين و الاخرون اولين
    32 و كانوا في الطريق صاعدين الى اورشليم و يتقدمهم يسوع و كانوا يتحيرون و فيما هم يتبعون كانوا يخافون فاخذ الاثني عشر ايضا و ابتدا يقول لهم عما سيحدث له
    33 ها نحن صاعدون الى اورشليم و ابن الانسان يسلم الى رؤساء الكهنة و الكتبة و يحكمون عليه بالموت و يسلمونه الى الامم
    34 فيهزاون به و يجلدونه و يتفلون عليه و يقتلونه و في اليوم الثالث يقوم
    35 و تقدم اليه يعقوب و يوحنا ابنا زبدي قائلين يا معلم نريد ان تفعل لنا كل ما طلبنا
    36 فقال لهما ماذا تريدان ان افعل لكما
    37 فقالا له اعطنا ان نجلس واحد عن يمينك و الاخر عن يسارك في مجدك
    38 فقال لهما يسوع لستما تعلمان ما تطلبان اتستطيعان ان تشربا الكاس التي اشربها انا و ان تصطبغا بالصبغة التي اصطبغ بها انا
    39 فقالا له نستطيع فقال لهما يسوع اما الكاس التي اشربها انا فتشربانها و بالصبغة التي اصطبغ بها انا تصطبغان
    40 و اما الجلوس عن يميني و عن يساري فليس لي ان اعطيه الا للذين اعد لهم
    41 و لما سمع العشرة ابتداوا يغتاظون من اجل يعقوب و يوحنا
    42 فدعاهم يسوع و قال لهم انتم تعلمون ان الذين يحسبون رؤساء الامم يسودونهم و ان عظماءهم يتسلطون عليهم
    43 فلا يكون هكذا فيكم بل من اراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما
    44 و من اراد ان يصير فيكم اولا يكون للجميع عبدا
    45 لان ابن الانسان ايضا لم يات ليخدم بل ليخدم و ليبذل نفسه فدية عن كثيرين
    46 و جاءوا الى اريحا و فيما هو خارج من اريحا مع تلاميذه و جمع غفير كان بارتيماوس الاعمى ابن تيماوس جالسا على الطريق يستعطي
    47 فلما سمع انه يسوع الناصري ابتدا يصرخ و يقول يا يسوع ابن داود ارحمني
    48 فانتهره كثيرون ليسكت فصرخ اكثر كثيرا يا ابن داود ارحمني
    49 فوقف يسوع و امر ان ينادى فنادوا الاعمى قائلين له ثق قم هوذا يناديك
    50 فطرح رداءه و قام و جاء الى يسوع
    51 فاجاب يسوع و قال له ماذا تريد ان افعل بك فقال له الاعمى يا سيدي ان ابصر
    52 فقال له يسوع اذهب ايمانك قد شفاك فللوقت ابصر و تبع يسوع في الطريق
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:26 am

    الأصحاح الحادي عشر
    دخول أورشليم
    اعتدنا في هذا السفر أن نرى السيد المسيح المنسحب في الغالب من الجماهير، المُبكم الأرواح الشريرة لكي لا تخبر عنه، السائل المتمتعين بأشفيته ألا ينطقوا بشيء، لكننا في هذا الأصحاح نجده لأول مرة يعطي اهتمامًا للإعداد لدخوله أورشليم على نفس المستوى لإعداد للفصح (14: 13-16). إنه يدخل في موكب عظيم ارتجت له المدينة كلها، ولم يكن هذا العمل بقصد طلب مجد عالمي أو نوال كرامة أو سلطة، إنما هو موكب روحي يمس حياتنا الداخلية وخلاصنا الأبدي.
    1. موكب نصرته 1-10.
    2. شجرة التين العقيمة 11-14.
    3. غيرته على هيكله 15-19.
    4. يبوسة شجرة التين 20-26.
    5. سؤاله عن سرّ سلطانه 27-31.
    1. موكب نصرته
    في دراستنا للإنجيل بحسب متى تلامسنا مع السيد المسيح كملكٍ حقيقيٍ، جاء ليتربع على القلب خلال صليبه، فرأينا في دخوله أورشليم (مت 21) الموكب الملوكي الذي انطلق به السيد ليملك على خشبة الصليب، مقدمًا حياته عن شعبه. والآن في دراستنا لإنجيل مرقس الرسول ماذا نرى في هذا الموكب؟
    كانت الأصحاحات السابقة أشبه بدعوة لقبول السيد المسيح العامل بالألم، صاحب السلطان، يأمر الشياطين فتخرج ويلمس المرضى فتهرب الأمراض، الكل يخضع ويطيع. أما الآن فإنه منطلق إلى أورشليم ليحقق ما سبق وأعلنه مرة ومرات أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم. إنه يدخل إلى معركة ضد عدو الخير لحساب البشرية، ليهبها فيه قوة الغلبة والنصرة ويدخل بها إلى أورشليمه العليا ومقدساته السماوية، إلى حضن أبيه. انطلق بموكبٍ عظيمٍ، ليس اشتياقًا إلى مجد زمني، وإنما للإعلان عن موكب النصرة العام للكنيسة الثابتة فيه. بمعنى آخر أن هذا الموكب إنما هو موكب الكنيسة الجامعة منذ آدم إلى آخر الدهور، ينطلق خلال الاتحاد بالرأس ليقبل الحياة المتألمة وشركة الصلب، فينعم بالنصرة في الرب والقيامة به وفيه.
    "ولما قربوا من أورشليم إلى بيت فاجي وبيت عنيا عند جبل الزيتون
    أرسل اثنين من تلاميذه" [1].
    بدأ السيد نفسه يعد الموكب عندما اقتربوا من أورشليم إلى بيت فاجي وبيت عنيا، وكأن طريق آلامه وصلبه وبالتالي آلامنا وصلبنا معه ليس خطة بشرية ولا هو مجرد ثمرة لأحقاد الأشرار وتدابيرهم للمقاومة والقتل، إنما هو طريق يعد له الرب نفسه، ويسمح به لننال فيه قوة القيامة وبهجتها خلال الصليب. ما نلاقيه من آلام، وما نتعرض له من تجارب في حياتنا ليس محض صدفة أو قدر نسقط تحت نيره، إنما هو طريق يمهد له الرب لنسلك في موكب نصرته ونبلغ أورشليمه معه وفيه.
    بقوله: "ولما قربوا من أورشليم" يعلن أن الطريق مهما بدا لنا ضيقًا وكربًا لكنه قصير للغاية، فإن أورشليم السماوية ليست ببعيدة عنا بل هي قريبة منا جدًا، أو نحن صرنا قريبين منها جدًا بدخولنا موكب آلام المسيح، لهذا كانت كلمات السيد المسيح الأولى في كرازته: "قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (1: 15؛ مت 4: 17). وهذا ما أعلنه السابق له الذي أعد له الطريق، بقوله للشعب: "توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات" (مت 3: 2)، وهي ذات الكلمات التي وضعها السيد في أفواه تلاميذه حينما أرسلهم للكرازة (مت 10: 7).
    لقد جاء السيد المسيح ليقود موكب الصليب بنفسه، به صرنا قريبين من أورشليمه الحقيقية، ملكوته السماوي، لندخل به فيها، قائلين مع الرسول: "ولكن شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين، ويظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان" (2 كو 2: 14).
    أما بدء الموكب فهو قريتا "بيت فاجي وبيت عنيا"، لم يذكر قرية واحدة منها إنما يصر الإنجيلي على ذكر القريتين معًا، فإن رقم 2 كما يقول القديس أغسطينوس يشير إلى المحبة لله والناس، فبفلسين قدمت الأرملة كل حب قلبها في خزانة الرب، وبالدينارين أعلن السامري الصالح أعماق محبته للجريح. ونحن لا نقدر أن نبدأ موكب الصليب، ولن يكون لنا موضع في جسد السيد المسيح المتألم والممجد ما لم نبدأ بالقريتين، ونلتقي به في موكبه خلال الحب. الصليب ليس ظلمًا يسقط علينا، ولا تجربة تحل بنا، لكنه انفتاح القلب الداخلي بالحب لله والناس بلا تمييز ولا محاباة ليتسع للجميع فنحمل سمة المصلوب الذي قيل عنه: "ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه" (رو 5: 10). بالحب الحقيقي حتى للمقاومين والأعداء البشريين واتساع القلب للبشرية كلها يضمنا الروح القدس إلى موكب الصليب، لنمارس شركة الحب الإلهي خلال الألم، وننعم بالغلبة الروحية حين نرى أنفسنا وقد اشتهينا أن نجلس في آخر صفوف الموكب، لنفرح بالنفوس المتقدمة في الرب والممجدة به، قائلين مع الرسول بولس: "فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي" (رو 9: 3). هذا الذي إذ يرى شعب الله وقد دخل الموكب السماء يحسب مجدهم مجدًا له، وفرحهم فرحه، فيقول لهم بصدقٍ: "يا سروري وإكليلي" (في 4: 1).
    إن كانت "فاجي" تعني "الفك"، "وعنيا" تعني "العناء" أو الطاعة، فإننا ننطلق مع السيد في موكبه إن قبلنا الوصية الخاصة بالفك أو الخدّ الآخر، حين نحوله بالحب للضاربين (مت 5: 39)، وإن قبلنا بفرحٍ كل عناء وألم في طاعة كاملة لله، وكأن القريتين تشيران إلى حياة الحب العملي الممتزجة بالآلام.
    أما قوله "عند جبل الزيتون" فكما يرى كثير من الدارسين أن ارتباط الموكب بجبل الزيتون يعلن عن طبيعة هذا الموكب أنه "موكب مسياني". ثلاثة أمور أعطت لدخول السيد أورشليم فهمًا مسيحانيًا: ارتباطه بجبل الزيتون، وإرساله لإحضار جحش، والإشارة إلى مملكة داود. هذه الأمور الثلاثة كشفت عن طبيعة الموكب أنه ليس موكب رجل حرب وإنما موكب المسيّا المخلص، موكب الرب نفسه، كما سبق فأنبأ زكريا النبي: "تقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم من الشرق، فينشق جبل الزيتون من وسطه ونحو الشرق ونحو الغرب واديًا عظيمًا جدًا... ويأتي الرب إلهي وجميع القديسين معك" (زك 14: 4-5). فجبل الزيتون هو جبل أو تل الزيت الذي للدهن، يعلن عن مجيء الممسوح الذي يغرسنا كأشجار زيتون خضراء في بيت الله (مز 52: 9)، يغرسها على جبله المقدس كفردوس حقيقي في جنة عدن الروحية نحو الشرق (تك 2: Cool، فيشرق علينا بنور صليبه. لهذا كانت توقعات اليهود أن مجيء المسيا مرتبط بجبل الزيتون كما أكد ذلك المؤرخ اليهودي يوسيفوس في أكثر من موضع.
    لا ندهش مما حمله هذا الموكب من مواقف ومناظر رائعة وكثيرة، لكن الإنجيلي أعطى اهتمامًا خاصًا بإحضار الجحش الذي يركبه السيد، إذ يقول في شيء من التفصيل:
    "وقال لهما اذهبا إلى القرية التي أمامكم،
    فللوقت وأنتما داخلان إليها تجدان جحشًا مربوطًا،
    لم يجلس عليه أحد من الناس،
    فحلاه وأتيا به.
    وإن قال لكما أحد: لماذا تفعلان هذا؟
    فقولا: الرب محتاج إليه،
    فللوقت يرسله إلى هنا.
    فمضيا ووجدا الجحش مربوطًا عند الباب خارجًا على الطريق فحلاّه" [2-4].
    أرسل السيد بنفسه تلميذيه لإحضار الجحش الذي أعطاهما وصفًا لموضعه ولحالته، كما وضع في فمهما ما يقولان به لمن يسألهما عن تصرفهما. فقد حمل هذا كله مفاهيم روحية تمس موكب نصرتنا من جهة:
    أولاً: اهتمام الإنجيلي بإبراز دخول السيد المسيح راكبًا على جحش، يعلن أن موكب السيد هو موكب أصحاب العيون المفتوحة، فقد أعتاد الرومان أن يلتفوا حول القادة أصحاب السلطان الذين لهم المركبات الحربية العنيفة، بينما ترقب كثير من اليهود في القائد الجديد أن يأتي بموكبه من السماء، وكما قال الحاخام يوشيا بن لاوي (حوالي سنة 250م) إن كان إسرائيل مستحقًا فيأتي المسيا راكبًا سحاب السماء أم كان غير مستحق فيأتي في تواضع راكبًا أتانًا. أما الإنجيلي مرقس فيقدم لنا على خلاف النظريتين السابقتين، يقدم لنا المسيا راكبًا على جحش حتى يستطيع أصحاب العيون النقية وحدهم أن يدركوا حقيقة القادم إلى أورشليم، بكونه ذاك الذي تنبأ عنه زكريا النبي أنه يأتي راكبًا على أتان وجحش ابن أتان (زك 9: 9). هذا ما أوضحه القديس يوحنا الإنجيلي إذ علق على دخول السيد المسيح راكبًا على جحش بقوله: "وهذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولاً، ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه، وأنهم صنعوا هذه له" (يو 12: 16)، وكأنه حتى التلاميذ لم يدركوا حقيقة الموكب قبل انفتاح أعينهم بالروح القدس ليفهموا أسرار المسيا وتحقيق النبوات في شخصه.
    ثانيًا: يتحدث السيد المسيح عن الجحش الذي طلبه: تجدان جحشًا مربوطًا لم يجلس عليه أحد من الناس". فإن كان كثير من آباء الكنيسة قد رأوا في الأمم وقد دخلت إلى الحياة الحيوانية وغباوة الجحش بسبب انحرافاتهم ورجاساتهم المُرَّة، فقد قبل السيد هذه الأمم لتكون عرشًا له، وكأنها قد صارت له "سحاب السماء" الذي يأتي قادمًا عليه.
    يصفه السيد المسيح أنه مربوط، فقد ظن الرومان أنهم أحرار أصحاب السلاطين في العالم، ولم يدركوا أنهم في حاجة إلى تلاميذ السيد المسيح يكرزون لهم بإنجيل الخلاص لكي يفكوا رباطاتهم الداخلية، ويصيروا عرشًا إلهيًا يحل الرب عليه. أما قوله "لم يجلس عليه أحد" فكما يقول العلامة أوريجينوس أن الأمم لم يسبق لهم عبادة الله الحيّ، ولا تسلموا شريعته، ولا عرفوا مواعيده كما تمتع اليهود، إنهم بلا خبرة روحية وكأنه لم يجلس عليهم أحد. ولعل تعبير "لم يجلس عليه أحد" يعلن عن طبيعة الموكب أنه ديني سماوي روحي إلهي، فالكهنة والعرافون إذ رأوا ما حلّ بالفلسطينيين بسبب تابوت العهد؛ قالوا: "أعطوا إله إسرائيل مجدًا لعله يخفف يده عنكم... فالآن خذوا واعملوا عجلة واحدة جديدة وبقرتين مرضعتين لم يعلهما نير، واربطوا البقرتين إلى العجلة... وخذوا تابوت الرب، واجعلوه على العجلة... وأطلقوه فيذهب" (1 صم 6: 7). هكذا عرف كهنة الأمم والعرافون أن الموكب الإلهي يتطلب عجلة جديدة وبقرتين لم يعلهما نير،الأمر الذي يعرفه داود النبي الذي طلب من منتخبي إسرائيل: "أركبوا تابوت الله على عجلة جديدة" (2 صم 6: 3). وعندما أراد إليشع النبي أن يطرح ملحًا في المياه الردية لإصلاحها كرمز للسيد المسيح الذي يصلح العالم احتاج إلى صحن جديد يضع فيه الملح (2 مل 2: 20). وهكذا النفس التي يسكنها الرب لتكون عروسًا له يلزم أن تكون عذراء (مت 25: 1) ليست لآخر غيره. ولهذا السبب وهب السيد المسيح كنيسته روحه القدوس الذي ينزع الإنسان القديم ويهب الإنسان الجديد الذي على صورة خالقه ليكون بالحق عرشًا جديدًا لله لم يجلس عليه أحد. حتى إن أخطأنا وفتحنا باب القلب لآخر، فإن عمل الروح القدس هو التجديد المستمر حتى يجد الرب القلب جديدًا على الدوام، ليس من يقتحمه ولا من يغتصبه، إنما يكون عرشًا يملك عليه وحده لا يجلس عليه آخر.
    ثالثًا: كتب القديس أثناسيوس الرسول ميمرًا خاصًا بإرسالية التلميذين لحلّ الجحش بكونها إرسالية رمزية لفك رباطات الأمم من الرجاسات الوثنية والدنس، إذ قال: [يا أحبائي، حلّ الجحش موهبة! إنها موهبة تعطي للعظماء، لا عظمة الجسد، بل عظمة الإيمان والمحبة والعقل والفضيلة، مثلما شُهد به عن موسى أنه صار عظيمًا في شعبه... فإنه من كان عظيمًا يقدر أن يحل الجحش!... ليتني أكون مثلهما أستطيع أن أفك قيود الحاضرين لأن كل واحد منا مقيد بقيود الخطية كما شهد الكتاب قائلاً إن كل أحد مربوط بجدائل خطاياه. لنبتهل إذن لكي يرسل الرب يسوع تلاميذه إلينا فيحلوننا من القيود المكبلين بها جميعًا، إذ بعضنا مقيد بحب الفضة وآخر بقيود الزنا، وآخر بالسكر، وآخر بالظلم.]
    هكذا يرى القديس أثناسيوس في هذا العمل صورة رمزية للتمتع بالحل من الخطايا خلال السلطان الرسولي، وذلك حسب وصية السيد المسيح وبكلمته. الحلّ هو موهبة إلهية وعطية يقدمها الله نفسه خلال كهنته!
    رابعًا: "وجد الجحش مربوطًا عند الباب خارجًا على الطريق" [4]. لقد وجدناه خارجًا عند الباب على الطريق، وكأنه يمثل الابن الضال الذي اشتهى أن ينطلق من بيت أبيه، فخرج خارجًا وصار كمن هو على قارعة الطريق ليس من يضمه إليه ولا من يهتم به. على أي الأحوال جاء المسيا كمن خرج من سمواته وهو مالئ السماء والأرض، وانطلق إلى ذاك الذي عند الباب خارجًا على الطريق ليمسك به بالحب ويضمه إليه ويرده إلى البيت من جديد.
    يرى القديس أثناسيوس الرسولي في هذا الأمر صورة رمزية للإنسان الأول، آدم، الذي طرد من الفردوس فصار كمن في قرية محاذية لأورشليم، يقف عند الطريق لا يقدر بذاته أن يرجع إلى جنة عدن، إذ يقول: [لقد أُرسلا ليحلا الجحش، لأن حضور مخلصنا ووده للبشر إنما هو استدعاؤنا ثانية من القرية المحاذية إلى أورشليم المدينة السمائية، لأنه حسب ظني أنه من أجل المعصية الصائرة من آدم أُخرج من الفردوس ونُقل إلى القرية المحاذية، لأن الله أخرج آدم وأسكنه بإزاء جنة النعيم.]
    ويقول القديس أمبروسيوس: [وجداه مربوطًا عند الباب لأن من هو ليس في المسيح يكون خارجًا في الطريق، أما من كان في المسيح فلا يكون خارجًا.]
    خامسًا: طلب السيد المسيح من تلميذيه أن يقولا: "الرب محتاج إليه". يليق بصاحبه أن يقدمه للرب مادام الرب محتاج إليه، كما قدمت الأرملة فلسيها اللذين من أعوازها، لأن الرب يطلب من اعوازها لا من فضلاتها. إنه محتاج إلى قلوبنا، لنرد له حبه بالحب.
    يرى القديس أثناسيوس الرسولي أنه لم يكن للجحش صاحب واحد بل أصحاب كثيرون، لعله يقصد بذلك الخطايا التي ملكت عليه، فصار عبدًا لها وفي قبضة يدها. لكن متى طلب الرب ماله لا تستطيع الخطايا ولا الشياطين إلا أن تستسلم، بل وتهرب!
    نقتطف هنا بعض عبارات سجلها لنا القديس أثناسيوس في هذا الشأن:
    [كان للجحش أصحاب كثيرون، لأن أصحاب الجحش قالوا للتلاميذ: لِمَ تحلوا الجحش؟
    ولعلهم قالوا لهم: أما تبصرون يا قوم كيف هو مربوط وهو مسلم إلينا فلِمَ تأخذوه منا؟ إنه يساعدنا في عملنا، لِمَ تنزعوا أملنا...؟ أنكم تريدون أن تعدمونا هذا، وهذا إن انحل من القيود فنحن لا محالة نُقيد عوضًا عنه، وإن عتق هذا فنحن نُشجب بدله، لأن الشياطين كانوا خائفين لما أبصروا الجحش انحل، واضطربت القوى المضادة لما أتى ربنا يسوع المسيح وعلموا بقدومه. تفرقوا وفزعوا لما سمعوا الرب يقول لتلاميذه قد أعطيتكم سلطانًا تدسوا الحيات والعقارب وعلى كل قوة العدو. رهبوا لما سمعوا يقول انطلقوا وتلمذوا كل الأمم، وعمدهم بسم الآب والابن والروح القدس، وخشوا لئلا يكون هذا هو الذي ينير الظلمة، لأنهم سمعوا النبي قائلاً: الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا.]
    [خيرات عظيمة منحنا الرب إياها لأنه لم يحل قيودنا من الخطية فقط بل منحنا سلطانًا أن ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو لأن الشرير وضابطي ظلمة هذا العالم أسرونا فقيدونا وربطونا بقيود لا تنحل ولم يكونوا يسمحون لنا أن نسلك الطرق الصالحة، كنا معهم مقيدين وهم أيضًا بحذائنا جلوس. قوم أشرار وسادة قساة لكن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح أقبل ليعطي إطلاقًا للمأسورين والبصر للعميان.]
    [قال أصحاب الجحش للتلاميذ: لِمَ تحلّون الجحش؟ فأجاب التلاميذ أن صاحبه محتاج إليه... انظر إلى إجابة التلاميذ الحكيمة فإن أصحاب الجحش الكذبة لما سمعوا أن صاحب الجحش الحقيقي في حاجة إليه ولوا ظهورهم ولم يجيبوا بل أسرعوا إلى رئيسهم الشرير ليخبروه بالأمور التي عرضت... هناك المؤامرة على الرب، لأن هناك التأمت القوى الرديئة، هناك محفل الأشرار كي يتم قول النبي: "قامت ملوك الأرض والرؤساء اجتمعوا معًا على الرب وعلى مسيحه" لأن الأبالسة قالوا لرئيسهم الشرير ماذا نصنع؟ الجحش قد حُل ومضى إلى صاحبه، ومن الآن ليس تحت طاعتك ولا تملكه. فكر إبليس ماذا يصنع بيسوع واجتمع الفريسيون والكهنة إلى دار قيافا، واشتركوا في الرأي على المسيح ليهلكوه... فإذ قد تحررنا من استعباد الشيطان فلنعرف المحسن إلينا ربنا يسوع المسيح له المجد إلى الأبد آمين.]
    يقول القديس أمبروسيوس: [لم يكن له الصاحب الواحد بل كثيرون. لقد ربطه غرباء لكي يمتلكونه، لكن المسيح حله لكي يحتفظ به، إذ هو يعلم أن العطايا (الحلّ) أقوى من القيود.] ويقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [الذين منعوهما هم الشياطين، وهم أضعف من التلاميذ.]
    سادسًا: من هما هذان التلميذان الذي أرسلهما السيد ليحلا البشرية إلا الكرازة بالخلاص خلال العهدين القديم والجديد، فقد وهب الرب شعبه كلمته لتدخل بنا إلى التمتع بالمصالحة، في العهد القديم خلال الرموز والظلال، وفي العهد الجديد خلال الحق.
    لعل إرسال تلميذين يشيران إلى "الحب"، فنحن نعلم أن رقم 2 يشير إلى "الحب"، إذ لا يستطيع أحد أن يتمتع بالحل من خطاياه ما لم يكن إيمانه عاملاً بالمحبة! إن أحببنا الله والناس، إنما ننال غفران خطايانا، وننعم بالدخول إلى أحضان الله بالمحبة! لهذا يقول الكتاب: "ويل لمن هو وحده" (جا 4: 10)، فعند خروج الشعب من مصر قادة اثنان (موسى وهرون)، وأيضًا عندما أرسل يشوع ليتجسس أرض الموعد أرسل اثنين، وتابوت الرب كان يُحمل بعصوين، والرب نفسه كان يكلمهم خلال كاروبين، ونحن نسبح للرب بالذهن والروح، وفي إرسالية التلاميذ أرسلهم السيد المسيح اثنين اثنين.
    إذ أحضر التلميذان الجحش يقول الإنجيلي: "ألقيا ثيابهما فجلس عليه، وكثيرون فرشوا ثيابهم في الطريق" [7-8].
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:27 am

    وقد رأينا أن وضع الثياب تحته يشير إلى قبوله ملكًا عليهم كما حدث مع ياهو بن يهوشفاط (2 مل 9: 13). ولعل هذا التصرف أيضًا يشير إلى ما فعله الرسل مع الأمم، فقد ألقوا عليهم ثيابهم، أي تعاليمهم الرسولية والحياة الفاضلة في الرب وتفسير الكتب المقدسة لكي تستر حياتهم بعد عريّ هذا زمانه، فيصيرون عرشًا لله يجلس عليه ويملك. هذه الثياب لا تزال الكنيسة تلقيها على كل قلبٍ متعرٍ مرتعش بردًا لتحوله كرسيًا للسيد يستريح عليه! أما فرش الثياب في الطريق تحت قدميه فيشير إلى خضوع الجسد للرب بعد أن كان خاضعًا للشهوات الرجسة. كثيرون فرشوا ثيابهم في الطريق من أجل الرب، فالشهداء فرشوا أجسادهم خلال قبولهم سفك دمائهم من أجل الإيمان كطريق يسلك عليه الرب خلال البسطاء الذين قبلوا الإيمان، وأيضًا النساك الروحيون فرشوا أجسادهم بالنسك الروحي الإنجيلي، فصارت حياتهم طريقًا يسير الرب عليه عبر الأجيال، وهكذا الكارزون والعلمانيون حتى الأطفال يقدرون أن يلقوا بثيابهم تحت قدمي الرب في الطريق ليسير عليها.
    يقول القديس أمبروسيوس: [فرش التلاميذ ثيابهم الخاصة تحت خطوات المسيح إشارة للإنارة في كرازتهم بالإنجيل، لأنه كثيرًا ما أشارت الملابس في الكتب الإلهية إلى الفضائل.]
    يكمل الإنجيلي حديثه هكذا: وآخرون قطعوا أغصانًا من الشجر، وفرشوها في الطريق. والذين تقدموا والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين: أوصنا، مبارك الآتي باسم الرب" [8-9]. قلنا أن الذين تقدموا موكب السيد هم آباء العهد القديم وأنبياؤه، والذين تبعوه هم رجال العهد الجديد ورسله وتلاميذه، فالكل - رجال العهدين - التفوا حوله يطلبون خلاصه. الأولون ساروا معه خلال الرموز وكلمة النبوة، والآخرون يسيرون معه خلال الكرازة بالإنجيل، لكنه موكب واحد مركزه المسيح الواحد، الذي يحلّ في وسط كنيسته الممتدة منذ بدء الخليقة إلى نهاية الدهور.
    ويرى الأب ثيؤفلاكتيوس أن هذا الموكب خاص بالسيد المسيح يتحقق داخل النفس المؤمنة بالأعمال الفاضلة في الرب، فلا يكفي أن نحتفل به بالأعمال السابقة التي سلكنا فيها من أجله، وإنما يتحقق الاحتفال أيضًا بدوام العمل الروحي كأعمال لاحقة لحساب مجد الرب.
    على أي الأحوال فإن هذا الموكب يذكرنا بعيد المظال، حيث كانت الجماهير تخرج إلى الحقول كل يوم من أيام العيد لترجع إلى الهيكل في موكب عظيم تحمل أغصان الشجر، وكانت تجتمع حول المذبح لتلوح بها في هتافات جماعية مفرحة وتهليلات روحية طالبين من الرب خلاصه، قائلين: "أوصنا" أو "هوشعنا".
    حقًا لم يكن يوم أحد الشعانين موافقًا عيد المظال اليهودي، لكن الشعب وهو لا يدري كان يرى في السيد المسيح تحقيقًا لكل نبواتهم، فيه يتحقق الفصح بكونه الذبيحة الفريدة التي تعبر بهم لا من عبودية فرعون، بل من أسر إبليس إلى حرية مجد أولاد الله، وفيه يتحقق عيد المظال، فيحملون سعف النخيل وأغصان الشجر، ويترنمون بليتوريجية العيد. ففي المسيح ننعم ببهجة عيد المظال حيث ندرك أننا نعيش كغرباء ونزلاء في جسد أشبه بمظلة من العشب تنتهي لننعم به جسدًا روحانيًا في يوم الرب. ونسكن في مسكن أبدي غير مصنوع بيد، كقول الرسول: "لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السماوات بناء من الله بيت غير مصنوع بيد أبدي" (2 كو 5: 1).
    كانت الجماهير تمسك بأغصان الشجر كما في عيد المظال، والتي كانت تسمى بالفعل "أوصنا" أو "هوشعنا" لارتباطها بصرخات الشعب، طالبين خلاص الله وعونه.
    كان الكل يهتف للسيد المسيح بصرخات ليتورجية عيد المظال التي كانت تدوي حول المذبح. وكأن الجماهير وهي تعيد بعيد المظال الحقيقي ترى في المسيح المذبح والذبيحة، فتتهلل إذ جاء وقت خلاصها. ولعل المرتل قد رأى ذات المنظر حين ترنم بذات الصرخات الليتورجية حين قال: "هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح فيه. آه يا رب خلصنا (أوصلنا)! آه يا رب أنقذ (أوصنا)! مبارك الآتي باسم الرب! باركناكم من بيت الرب! الرب هو الله، وقد أنار لنا. أوثقوا الذبيحة بربط إلى قرون المذبح" (مز 118: 24-26). لقد عيّد المرتل عيد المظال حين أنار الله عينيه فرأى الرب هو الله، وأدرك سرّ الذبيحة التي أُوثقت بربط إلى الصليب "قرون المذبح".
    لكي يُظهر الإنجيلي أن الموكب خاص بالمسيا المنتظر قدم أحد علاماته الرئيسية وهو ارتباطه بداود النبي، إذ كانت أحد الجماهير تقول: "مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب، أوصنا في الأعالي" [10]. إنه موكب المسيا الموعود به بكونه ابن داود، وهو موكب سماوي، إذ جاء من هو "في الأعالي". إنها مملكة الله نفسه! يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [دعوا مملكة المسيح مملكة داود، لأن المسيح جاء من نسل داود، كما أن داود يُشير إلى صاحب اليدّ القوية، إذ من يده قوية كيد الرب الصانعة عجائب هذا مقدارها!]
    والعجيب أن السيد المسيح لم يهرب من الموكب، ولا منع الجموع من دعوته ملكًا، معلمًا إياهم أنه ملك، لكن ليس من هذا العالم ولا على مستوى أرضي، إنما هو ملك سماوي طريقه الصليب والموت. لقد جاءت هتافات الجماهير متناغمة مع كلمات رئيس الملائكة جبرائيل يوم الحبل بالسيد المسيح: "يعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية" (لو 1: 32-33).
    أما قطع سعف النخيل وأغصان الشجر واستخدامها في موكب السيد المسيح فشير إلى اقتطافنا كلمات الآباء الروحية وتعاليمهم الأصيلة من أفواههم بكونهم النخيل الروحي والأشجار السماوية المغروسة في فردوس الكنيسة الحية، نستخدمها في موكب السيد المسيح الداخل إلى أورشليم قلبنا الداخلي. يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [ليتنا نفرش أيضًا طريق حياتنا بالأغصان التي نقطفها من الأشجار، أي نتمثل بالقديسين الذين هم أشجار مقدسة. من يمتثل بهم في فضائلهم يكون كمن قطع أغصانًا لنفسه.]
    2. شجرة التين العقيمة
    أمران صنعهما السيد المسيح عند دخوله أورشليم، هما تطهير الهيكل ولعن شجرة التين، وهما في الحقيقة عملان متكاملان يحملان معنى واحد. ألا وهو هدم السيد المسيح للحرفية القاتلة التي تمس الإنسان القديم لإقامة هيكل جديد أساسه العمل الروحي العميق والمتجدد.
    إذ تساءل كثير من الدارسين عن السبب الذي لأجله لعن السيد شجرة التين كرست الكنيسة قراءتها يوم اثنين البصخة (أسبوع الآلام) وليلة الثلاثاء حول "شجرة التين" هذه لتعلن عن المفاهيم اللاهوتية الروحية التي تمس هذه الشجرة.
    شجرة التين في المفهوم الإنجيلي ترمز لإسرائيل (إر 8: 13؛ هو 9: 10؛ يوئيل 1: 7؛ حز 17: 24؛ مي 7: 1-6)... هذه الشجرة - إسرائيل - إذ رفضت مسيحها المخلص سقطت تحت لعنة الجحود، هذه اللعنة لم تحل بهم سريعًا، وإنما ثمرة جحود طويلة، بدأ منذ نشأتها حتى مجيء المخلص. هذا ولم يقف الله مكتوف الأيدي أمام ما حلّ بإسرائيل القديم، فقد أقام إسرائيل الجديد شجرة التين المثمرة.
    أبرزت قراءات يوم الاثنين من البصخة المقدسة وليلة الثلاثاء الأمور التالية:
    أولاً: بدأت القراءات بإعلان الله كخالق للعالم (تك1-2)، فإن كانت شجرة التين قد يبست، إنما هي شجرة من عمل يدّي الخالق الذي يحبها ويعتز بها، ولا يشتهي سوى خلاصها، أما سرّ يبوسها فهو إصرار على الجحود، حرمان نفسها بنفسها عن الله مصدر حياتها.
    إن كانت قصة شجرة التين ترعب النفس، إذ تخشى السقوط تحت اللعنة، لكن الكنيسة ترفع قلبنا بالرجاء نحو المخلص، بكونه الخالق ومجدد طبيعتنا، لا ينتقم لنفسه ولا يحمل من نحونا إلا كل حب. إن أردنا الخلاص نجد الأذرع الأبدية القديرة تنتظرنا لتنشلنا وتجدد حياتنا.
    ثانيًا: ربما نتساءل إن كان الله هو خالق الشجرة فلماذا يلعنها؟ وتأتي الإجابة في بدأ النبوات من نفس يوم الاثنين بإعلان أن الله قد فصل النور عن الظلمة (تك 1)، وكأن ما حّل بالشجرة من لعنة إنما هو ثمر طبيعي لعزل الخير عن الشر، لذلك جاءت القراءات تركز على روح التمييز أو الإفراز لنكون كخالقنا الصالح نميز الخير عن الشر. يقول إشعياء النبي: "ويل للقائلين للخير شرًا، وللشر خيرًا، الجاعلين الظلام نورًا، والنور ظلامًا، القائلين عن الحلو مرًا، وعن المرّ حلوًا" (إش 5: 20). كما حذرتنا القراءات من الخلط بين عبادة الله والعجل الذهبي، كما فعل بنو إسرائيل (خر 32).
    الله المحب لا يطيق هلاك خليقته لذا يدعونا دائمًا للخلاص من السقوط تحت اللعنة برجوعنا إليه فيرجع هو إلينا (زك 1: 1)، هاربين من اللعنة التي جبلناها لأنفسنا بدخولنا في الله ملجأنا.
    سرّ اللعنة أو اليبوسة هو فقدان الحكمة الحقيقة، لذا جاءت القراءات في ساعات يوم اثنين البصخة عن الشجرة اليابسة توجه أنظارنا إلى ضرورة اقتناء الحكمة (ابن سيراخ 1؛ إش 5؛ حك 1: 1-9؛ أم 1). "لا تدخل في نفس شريرة ولا تحل في جسم خاطيء" (حك 1)، فإن كانت إسرائيل قد تدنست نفسًا وجسدًا لا تجد الحكمة لها موضعًا فيه، فيفقد إسرائيل بركته وتحل به اليبوسة.
    ثالثًا: إن كان السيد قد نطق بالحكم فصارت الشجرة تحت اللعنة بسب جحودها وشرها، فإن القراءات تؤكد حقيقة علاقة السيد بشعبه، فتدعوه "حبيب كرمه" (إش 5: 1) ، كما يقول الرب: "ضعوا في قلوبكم أني أحببتكم" (مل 1)، ويؤكد: "لأن إسرائيل صغير وأنا أحببته" (هو 10). في مرارة يقول: "كم مرة أردت أن أجمع بنيكِ، كما يجمع الطائر فراخه تحت جناحيه، فلم تريدوا" (لو 13).
    إن كان الله لا يطيق الطلاق، لكن إسرائيل المحبوب لديه كعروس قد ألزمه أن يكتب له الطلاق (إش 50: 1-3).
    هكذا لم تسقط الشجرة تحت اللعنة عن تسرع في الحكم، فإن مصدر الحكم هو خالقها وأب الكل، المشتاق أن يضم أولاده تحت جناحيه، والعريس السماوي الذي لا يطيق طلاق عروسه. لكن ما حدث هو من عمل الشجرة ذاتها، حكمت على نفسها بنفسها.
    يمكننا أيضًا أن نضيف بأن هذا العمل فريد في حياة السيد المسيح، فلم نسمع قط أنه لعن شجرة أخرى أو سمح بتأديب قاسي على إنسان، لكننا نراه في الأناجيل كلها السيد المترفق والمتحنن، الذي يشعر بضعفات الخطاة ويسندهم حتى يقوموا، فإن جاءت هذه القصة الواحدة وتكررت في الأناجيل إنما لتؤكد أنه وهو السيد المترفق الذي جاء ليخلص لا ليدين، هو أيضًا الديان! إنه يود ألا يسقط أحد تحت اللعنة واليبوسة لذا لم يلعن سوى هذه الشجرة.
    رابعًا: في صلاة الساعة التاسعة يوم اثنين البصخة يذكر سقوط الإنسان في الفردوس وطرده من هنا (تك 2-3)، وكأن الكنيسة تعلن أن الله قد غرس شجرة التين هذه "إسرائيل" كما في فردوس إلهي لتحيا مثمرة بالروح والحق، فإن كانت قد حرمت نفسها بنفسها من الثمر الروحي فلا يجوز بقاءها بعد فيه بل تُطرد وتسقط تحت اللعنة. وقد جاءت في عظة القديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين: [الرب لم يغرس في الفردوس الأشجار الصالحة وغير الصالحة، بل غرسه من الأشجار الصالحة فقط، ولم يغرس فيه أشجارًا غير مثمرة أو رديئة الثمر. وليس هذا فقط، بل والناس أنفسهم الذين جعلهم هناك عندما خالفوا لم يحتملهم بل أخرجهم منه، فمن هذا اعملوا أيها الإخوة الأحباء أنه لا يجب أن تُملأ مساكن الله المقدسة من الناس الأشرار والصالحين كما في العالم المملوء من الخطاة والظالمين والقديسين والأنجاس، ولكن الذين يخطئون لا يتركهم فيها، بل يخرجهم. أنا أعرف أن الأرض كلها هي للرب، فإن كان بيته كباقي الأرض، فما هي ميزته إذن على غيره؟ فإن كنت وأنا الكاهن أعمل الشر كما يعمله الأشرار على الأرض، فلا يحق لي أن أدعى كاهنًا.]
    بعد أن قدمنا لقصة شجرة التين العقيمة حسبما قدمتها لنا الكنيسة في أسبوع الآلام نعود إلى نص الإنجيل مرقس:
    "فدخل يسوع أورشليم والهيكل،
    ولما نظر حوله إلى كل شيء،
    إذ كان الوقت قد أمسى،
    خرج إلى بيت عنيا مع الاثنى عشر" [11].
    كان الموكب متجهًا إلى أورشليم، إلى الهيكل، فإنه يريد أن يقود شعبه إلى مقدساته السماوية خلال المذبح الذي بالهيكل، أي خلال الصليب. ولما كان الهيكل هو مقدسه "نظر حوله إلى كل شيء"... فهو الإله الغيور الذي لا يطيق في بيته فسادًا أو شرًا، بل عيناه تجولان وتفحصان كل شيء لتفرز المقدسات عن النجاسات وتطرد الأخيرة. ونظر حوله لعله يطلب من يستضيفه في أورشليم فلم يجد.
    إذ جاء وقت المساء لم يجد الرب راحته في أورشليم كلها بالرغم من اتساعها وسكنى الكثيرين من رجال الدين فيها، لكنه وجد راحته مع تلاميذه في قرية صغيرة هي "بيت عنيا" أو بيت العناء أو بيت الطاعة. هذه هي البقية القليلة التي تحتمل العناء، وتقبل الصليب خلال الطاعة، فيجد الرب راحته مع تلاميذه في حياتهم.
    "وفي الغد لما خرجوا من بيت عنيا جاع.
    فنظر شجرة تين من بعيد عليها ورق،
    وجاء لعله يجد فيها شيئًا،
    فلما جاء إليها لم يجد شيئًا إلا ورقًا،
    لأنه لم يكن وقت التين.
    فأجاب يسوع وقال لها:
    لا يأكل أحد منك ثمرًا بعد إلى الأبد" [12-14].
    لقد جاع السيد المسيح، وكما يقول القديس أغسطينوس: [أي شيء يجوع إليه المسيح أو يعطش سوى أعمالنا الصالحة؟] لقد جاع عبر الأجيال مشتهيًا أن يجد ثمرًا مفرحًا للسماء، لكن شجرة التين، أي الأمة الإسرائيلية التي قدم لها كل الإمكانيات للإثمار أنتجت ورقًا ظاهرًا دون ثمر.
    يتساءل البعض: لماذا طلب السيد المسيح ثمرًا في غير أوانه، وإذ لم يجد لعن الشجرة؟
    يجيب البعض أن فلسطين قد عُرفت بنوعين من شجرة التين، فإنه وإن كان الوقت ليس وقت تين بوجه عام، لكن وجود الورق على الشجرة يعني أنها من النوع الذي ينتج ثمرًا مبكرًا، وأنه مادام يوجد ورق كان يجب أن تحمل الثمر. ولعل في هذا الأمر أيضًا إشارة إلى حالة العالم في ذلك الحين، فإنه لم يكن وقت تين، إذ كان العالم حتى ذلك الحين لا يحمل ثمرًا روحيًا حقيقيًا، لأنه لم يكن قد تمجد السيد بصليبه، ليقدم ثمر طاعته للآب. وكان يليق بالأمة اليهودية وقد سبقت العالم الوثني في معرفة الله واستلام الشريعة والنبوات أن تقدم ثمرًا، فأخرجت أوراقًا بلا ثمر، لذا استحقت أن تجف لتحل محلها شجرة تين العهد الجديد المثمرة.
    يقول القديس كيرلس الأورشليمي أن السيد المسيح يعرف تمامًا أنه ليس وقت للتين، لكنه جاء لا ليلعن الشجرة في ذاتها، إنما لينزع اللعنة التي حلت بنا بلعنه للأوراق التي بلا ثمر.
    ويجيب القديس يوحنا الذهبي على التساؤل: كيف يأمر السيد بيبوسة شجرة التين ولم يكن وقت للتين؟ قائلاً أنه لأمر تافه أن نهتم بلعن شجرة ولا نتأمل ما قصده الرب بهذا العمل المعجزي لنمجده!
    3. غيرته على هيكله
    إذ دخل السيد أورشليم اتجه إلى هيكله لنراه يمسك سوطًا (يو 2: 16) ليطهره من البائعين والمشترين من الصيارفة وباعة الحمام. اعتدنا في الأصحاحات السابقة أن نرى السيد المسيح في وداعته ورقته وحنانه يترفق بالجميع ويحتضن الأطفال. أما الآن فنراه حازمًا كل الحزم مع مفسدي هيكله، إنه يحقق ما قد صنعه رمزيًا بشجرة التين، بطرده الأشرار من الهيكل.
    نستطيع أن نتفهم موقف السيد إن تأملنا القراءات الكنسية الخاصة بالساعتين اللتين تليان أحد الشعانين (التاسعة والحادية عشر) وأيضًا الساعات الخاصة بليلة الاثنين من البصخة المقدسة، فإنها وإن كانت تدور حول "تطهير السيد للهكيل" تكشف ماذا يعني ذلك الأمر، هذه التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
    أولاً : إن كان السيد قد دخل أورشليم راكبًا على جحش لم يجلس عليه أحد من الناس [2]، إنما يريد أن يقيم كل شيء جديدًا. أراد أن يحطم أعمال الإنسان القديم تمامًا ليقيم فينا هيكله الجديد، الإنسان الجديد الذي يتجدد حسب صورة خالقه (كو 3: 10). فبينما كان اليهود وخاصة قياداتهم المختلفة قد انشغلت بمظاهر العبادة الخارجية، فامتلأ الهيكل من الصيارفة وباعة الحمام، كانت عين الرب تتجه إلى إقامة هيكله جديدًا في النفوس خلال ذبيحته الفائقة، فنسمع صفنيا النبي يقول: "لأن الرب قد أعد ذبيحته وقدس مدعويه... انتقم من جميع الذين يتظاهرون على الأبواب الخارجية الذين يملأون بيت الرب إلههم ظلمًا وخبثًا" (صف 1). وكأن الله لا يبالي بكثرة العدد الذين يتجمهرون عند الأبواب الخارجية بشكليات العبادة وتقديم تقدمات بلا روح، لكنه يود أن يسحب الكل إلى ذبيحته، ويعلن تقديس مدعويه بدمه الطاهر!
    ويرى القديس كيرلس الكبير أن اليهود وقد انشغلوا بالطقس الموسوي في عبادتهم في الهيكل لم يمارسوه بالروح بل بالحرف الجامد، فجاء الرب يهدم الحرف ليقيم الروح الجديد.
    ثانيًا: أن كان طرد باعة الحمام وقلب موائد الصيارفة قد سبب حزنًا ومرارة في قلوب الكثيرين، إنما يحول الله هذا المرارة إلى عذوبة، والحزن إلى تهليل، وذلك بإقامة الإنسان الجديد المقدس بالدم عوض الإنسان القديم الذي تحطم، لذا جاء في نبوة الساعة الأولى "صوت صارخ من باب المذبوحين وتهليل في الباب الثاني" (صف 1). أما سرّ تحويل الحزن إلى تهليل فهو حبة الحنطة التي تموت بدفنها لتقوم حاملة ثمارًا جديدة بفيضٍ (يو 12).
    ثالثًا: إن كان السيد قد صنع سوطًا ظاهرًا لتطهير الهيكل، ففي الحقيقة أرسل روحه القدوس الناري الذي يحرق أعمال الإنسان القديمة، ويهب في المعمودية الإنسان الجديد، ويبقى عاملاً على الدوام ليحطم فينا إنساننا الترابي الأرضي يقيمنا سمائيين، لذا جاء في نبوات الساعة الثالثة قول صفنيا النبي: "بنار غيرته تفنى الأرض كلها" (صف 1). إنه في غيرته يرسل روحه الناري، فيفنى فينا ما هو أرضي، ليقيم فينا ما هو ساوي.
    رابعًا: كان يعمل في الهيكل بسلطانٍ، فلم يستطع أحد أن يقاومه إذ يقوم بتطهير الهيكل. وقد جاءت نبوة الساعة التاسعة تكشف عن سرّ طرد الأشرار من هيكله، ألا وهو شرهم نفسه وفسادهم، إذ قيل بميخا النبي: "قم انطلق لأنه ليست هذه هي راحتك، لقد هلكتم هلاكًا من أجل النجاسة وهربتم وليس من يطردكم" (مي 2: 3-10) إن كان السيد قد طردهم لكن في الحقيقة دخوله إلى هيكله أفسد على الأشرار بهجتهم الزمنية، فلم يعد الهيكل موضع راحة، صاروا هاربين وليس من يطردهم إلا شرهم الذي فعلوه وإصرارهم على عدم التوبة.
    خامسًا: من هم باعة الحمام إلا رجال الدين الذين يبيعون مواهب الروح القدس (ورمزه الحمامة) بالمال، حيث تستخدم السيمونية في السيامات (أي نوال الدرجات الكهنوتية مقابل المال)، أو تستغل خدمة الله الروحية للمكسب المادي أو الأدبي.
    باعة الحمام أيضًا هم الذين يبيعون ما نالوه في مياه المعمودية - عمل الروح القدس - بسبب شهوات الجسد وارتكاب الخطايا، فيفقدون الطهارة ويستحقون الطرد من الهيكل. أما الصيارفة فهم الذين يبيعون كلمة الله بمالٍ، أي يستخدمون الكرازة بالحق لنفع زمني.
    يعلق القديس أمبروسيوس على طرد الباعة من الهيكل، قائلاً: [الله لا يريد أن يكون هيكله موضعًا لتلاقي الباعة بل مسكنًا للقداسة، معلمًا ألا تُعطى وظيفة الكهنوت بمال بل توهب مجانًا. تأمل تخطيط الرب لهذا الأمر: ابتدأ يُخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون والصيارفة الذين كانوا يطلبون الغنى دون تمييز بين الخير والشر. مال الرب هو الكتب الإلهية، لأنه عندما سافر وزع الوزنات على العبيد (سلمهم كلمته) (مت 25: 14؛ لو 19: 13)، ولعلاج الجريح قُدم ديناران لصاحب الفندق (لو 10: 35)، لأنه بالعهدين تُشفى جراحاتنا (فطرد الصيارفة الأشرار إنما يشير إلى طرد القيادات الدينية التي تقتني الكتب المقدسة لتتاجر فيها لحسابهم الخاص)... ينذرنا أيضًا بطرد باعة الحمام، إذ لا يجوز لمن نالوا نعمة الروح القدس أن يتاجروا فيها، فقد قال: "مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا" (مت 10: Cool. لما ظن سيمون أنه يستطيع ان يشتري موهبة التقديس بفضه أجابه بطرس: "لتكن فضتك معك للهلاك لأنك ظننت أن تقتني موهبة الله بدراهم" (أع 8: 20).]
    4. يبوسة شجرة التين
    في الصباح تطلع التلاميذ إلى شجرة التين فوجدوها يابسة، وفي دهشة قال بطرس: "يا سيدي انظر! التينة التي لعنتها قد يبست. فأجاب يسوع، وقال لهم: ليكن لكم إيمان بالله. لأني الحق أقول لكم أن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر ولا يشك في قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له" [21-23].
    يرى الدارسون أن الجبل المتحرك يشير إلى كل ما هو صعب، هذا وكان الحاخامات اليهود يحسبون من يفسر نصًا كتابيًا صعبًا محركًا الجبل.
    ما هو هذا الجبل الذي بالإيمان ينتقل وينطرح في البحر إلا شخص ربنا يسوع المسيح، الجبل غير المقطوع بيدين، الذي يملأ الأرض كلها (دا 3: 35، 45). فبالإيمان ينتقل إلى النفس، كما إلى البحر ويقيم فيها. ولعل هذا الانتقال يشير إلى انتقاله من الأمة اليهودية إلى بحر الشعوب الأممية ليقيم في وسطها، ويجعل منها كنيسة له مقدسة.
    يحدثنا القديس كيرلس الأورشليمي عن فاعلية الإيمان بقوله: [الإيمان يصنع معجزات داخل النفس في لحظات سريعة. هذه الذي تستنير به وتتمتع برؤية الله، وقدر الإمكان تتطلع إليه وتبلغ أطراف المسكونة. إنها تنظر الدينونة ونوال المكافأة الموعود بها قبل أن ينتهي هذا العالم.]
    إن كانت الصلاة النابعة عن قلب مؤمن تنقل الجبل الإلهي إليه ليعطي بحره الداخلي هدوءً وسلامًا، فلكي تكون الصلاة فعّاله ومستجابة يقول السيد: "ومتى وقفتم تصلون فاغفروا إن كان لكم على أحد شيء لكي يغفر لكم أيضًا أبوكم الذي في السماوات زلاتكم" [25]. بمعنى آخر إن كان يلزم لاستجابة الصلاة أن تنبع عن قلب مؤمن إيمانًا عمليًا، فعلامة هذا الإيمان العملي هو الغفران للآخرين فيما هو عليهم، فننال غفران أبينا لنا، وتتنقى قلوبنا... لقد أراد الرب أن تكون الاستجابة في أيدينا فإن سمعنا للآخرين يسمع الله لنا، وما نحكم به عليهم يُحكم علينا، وكما يقول القديس كبريانوس: [لم يعد هناك أي أساس للعذر... عندما تُدان بذات حكمك، فتنال ما تفعله أنت.]
    لكي ننعم بنوال طلبتنا يلزم أن يرتبط إيماننا بالحياة المقدسة في الرب، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كيف أؤمن أنني أنال طلبتي؟ بعدم سؤالي شيئًا يضاد ما هو مستعد أن يهبه، أو سؤال شيء غير لائق بالملك العظيم، أو شيء زمني، بل أطلب البركات الروحية كلها، وأيضًا إن كنت اقترب إليه بدون غضبٍ وبأيدٍ طاهرة، أيدٍ مقدسة، أيدٍ تُستخدم في العطاء المقدس، اقترب إليه هكذا فتنال طلبتك دون شك.]
    5. سؤاله عن سرّ سلطانه
    اضطرب رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ إذ رأوه بمفرده استطاع أن يطهر من كل الصيارفة وباعة الحمام والمفسدين، عاملاً بسلطان ومهابة، فجاءوا إليه يسألونه: "بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن أعطاك هذا السلطان حتى تفعل هذا؟" [28]. بمعنى آخر من أقامك معلمًا أو من سامك رئيس كهنة؟ وضعوا هذا السؤال ليصطادوه بكلمة، فإن قال أنه سلطانه الذاتي يمسكوه كمجدفٍ، وإن قال أنه من آخر يتشكك الناس فيه، إذ رأوه يعمل أعمالاً إلهية! لذلك أجابهم السيد المسيح على سؤالهم بسؤال بخصوص معمودية يوحنا، هل من السماء أم من البشر، وإذ وجدوا أنفسهم قد سقطوا كما في فخ لم يجيبوا بما في قلوبهم.
    يقول القديس كيرلس الكبير: [اقتربوا إليه بشرٍ يسألونه: "من أعطاك هذا السلطان؟. ماذا يعني هذا؟ يقولون: أنك تعلم في الهيكل وأنت من سبط يهوذا لا تُحسب بين الخدام كالكهنة الذين يخدمون الهيكل، فماذا تعلم بما هو كريه لوصايا موسى ولا تتفق مع الشريعة التي أُعطيت لنا قديمًا؟ لنقل للناطقين بهذا: هل هذا العمل لدغ ذهنكم، وأثار فيكم الحسد البغيض؟ اخبروني: أتتهمون معطي الناموس أنه مفسد؟... أخبروني أيخضع الله لناموسه؟ هل وضع وصاياه التي نطق بها خلال أنبيائه القديسين لأجلنا أم لأجل نفسه؟... لقد قال الله بوضوح (خلال أنبيائه) أن شرائع موسى (الطقسية) تنتهي وتقوم شريعة جديدة يقدمها المسيح: "ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا، ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب" (إر 31: 31-32). لقد وعد بعهد جديد، وكما قال الحكيم بولس: "فإذ قال جديدًا عتق الأول، وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال" (عب 8: 13). فإذ شاخ القديم كان بالضرورة أن يحتل الجديد موضعه، وقد تحقق هذا لا بواسطة أحد الأنبياء القديسين بل بالحري بواسطة رب الأنبياء.]
    يرى أيضًا القديس كيرلس الكبير أن السيد المسيح قدم لهم سؤالاً بخصوص معمودية يوحنا، إذ اعتاد اليهود أن يتهموا الأنبياء الحقيقيين أنهم كذبة. فإذ ارتبك الفريسيون وخافوا من اتهام يوحنا أنه نبي كاذب توقفوا عن الإجابة، فأعلنوا أنهم لا يطلبون الحق، ولا يستحقون أن يتعرفوا عليه، لهذا لم يجيبهم السيد على سؤالهم أيضًا. ويقدم لنا القديس أغسطينوس تعليلاً لعدم إجابة السيد سؤالهم بقوله: [أغلقوا الباب على أنفسهم بادعائهم الجهل لما يعرفون، لهذا لم يفتح لهم لأنهم لم يقرعوا، إذ قيل "اقرعوا يفتح لكم" (مت 7: 7). أما هم فليس فقط لم يقرعوا، إنما أنكروا ما يعرفونه، فأحكموا غلق الباب في وجوههم.]
    1 و لما قربوا من اورشليم الى بيت فاجي و بيت عنيا عند جبل الزيتون ارسل اثنين من تلاميذه
    2 و قال لهما اذهبا الى القرية التي امامكما فللوقت و انتما داخلان اليها تجدان جحشا مربوطا لم يجلس عليه احد من الناس فحلاه و اتيا به
    3 و ان قال لكما احد لماذا تفعلان هذا فقولا الرب محتاج اليه فللوقت يرسله الى هنا
    4 فمضيا و وجدا الجحش مربوطا عند الباب خارجا على الطريق فحلاه
    5 فقال لهما قوم من القيام هناك ماذا تفعلان تحلان الجحش
    6 فقالا لهم كما اوصى يسوع فتركوهما
    7 فاتيا بالجحش الى يسوع و القيا عليه ثيابهما فجلس عليه
    8 و كثيرون فرشوا ثيابهم في الطريق و اخرون قطعوا اغصانا من الشجر و فرشوها في الطريق
    9 و الذين تقدموا و الذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين اوصنا مبارك الاتي باسم الرب
    10 مباركة مملكة ابينا داود الاتية باسم الرب اوصنا في الاعالي
    11 فدخل يسوع اورشليم و الهيكل و لما نظر حوله الى كل شيء اذ كان الوقت قد امسى خرج الى بيت عنيا مع الاثني عشر
    12 و في الغد لما خرجوا من بيت عنيا جاع
    13 فنظر شجرة تين من بعيد عليها ورق و جاء لعله يجد فيها شيئا فلما جاء اليها لم يجد شيئا الا ورقا لانه لم يكن وقت التين
    14 فاجاب يسوع و قال لها لا ياكل احد منك ثمرا بعد الى الابد و كان تلاميذه يسمعون
    15 و جاءوا الى اورشليم و لما دخل يسوع الهيكل ابتدا يخرج الذين كانوا يبيعون و يشترون في الهيكل و قلب موائد الصيارفة و كراسي باعة الحمام
    16 و لم يدع احدا يجتاز الهيكل بمتاع
    17 و كان يعلم قائلا لهم اليس مكتوبا بيتي بيت صلاة يدعى لجميع الامم و انتم جعلتموه مغارة لصوص
    18 و سمع الكتبة و رؤساء الكهنة فطلبوا كيف يهلكونه لانهم خافوه اذ بهت الجمع كله من تعليمه
    19 و لما صار المساء خرج الى خارج المدينة
    20 و في الصباح اذ كانوا مجتازين راوا التينة قد يبست من الاصول
    21 فتذكر بطرس و قال له يا سيدي انظر التينة التي لعنتها قد يبست
    22 فاجاب يسوع و قال لهم ليكن لكم ايمان بالله
    23 لاني الحق اقول لكم ان من قال لهذا الجبل انتقل و انطرح في البحر و لا يشك في قلبه بل يؤمن ان ما يقوله يكون فمهما قال يكون له
    24 لذلك اقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلون فامنوا ان تنالوه فيكون لكم
    25 و متى وقفتم تصلون فاغفروا ان كان لكم على احد شيء لكي يغفر لكم ايضا ابوكم الذي في السماوات زلاتكم
    26 و ان لم تغفروا انتم لا يغفر ابوكم الذي في السماوات ايضا زلاتكم
    27 و جاءوا ايضا الى اورشليم و فيما هو يمشي في الهيكل اقبل اليه رؤساء الكهنة و الكتبة و الشيوخ
    28 و قالوا له باي سلطان تفعل هذا و من اعطاك هذا السلطان حتى تفعل هذا
    29 فاجاب يسوع و قال لهم و انا ايضا اسالكم كلمة واحدة اجيبوني فاقول لكم باي سلطان افعل هذا
    30 معمودية يوحنا من السماء كانت ام من الناس اجيبوني
    31 ففكروا في انفسهم قائلين ان قلنا من السماء يقول فلماذا لم تؤمنوا به
    32 و ان قلنا من الناس فخافوا الشعب لان يوحنا كان عند الجميع انه بالحقيقة نبي
    33 فاجابوا و قالوا ليسوع لا نعلم فاجاب يسوع و قال لهم و لا انا اقول لكم باي سلطان افعل هذا
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:28 am

    الأصحاح الثاني عشر
    مقاومته في أورشليم
    دخل السيد المسيح إلى أورشليم ليحمل الصليب من أجلنا، فتجمعت القيادات الشريرة وتكاتفت ضده، إذ في صراحته كشف لهم عن فساد رعايتهم وحبهم للسلطة، مفحمًا إياهم. لكنه وسط هذا الجو الصعب وُجدت أرملة مجهولة فتحت قلبها البسيط بالحب لله، فقدمت أعظم من الجميع، فلسين هما كل أعوازها.
    1. الكرامون المغتصبون 1-12.
    2. سؤال بخصوص الجزية 13-17
    3. الصدوقيون والقيامة 18-27.
    4. الكتبة والوصية 28-40.
    5. الأرملة المحبة والفلسان 41-44.
    1. الكرامون المغتصبون
    إذ سّد السيد المسيح أفواه مجربيه بسؤالهم عن معمودية يوحنا أراد أن يظهر شرهم ومقاومتهم له وما تحمله من نتائج بتقديمه مثل الكرامين المغتصبين، ويُلاحظ في هذا المثل الذي سبق لنا الحديث عنه في تفسير مت 21: 33 الآتي:
    أولاً: لعل أول ما يلفت أنظارنا في المثل أنه يشَّبه الله الآب بإنسان غارس كرم، إذ يقول: "إنسان غرس كرمًا، وأحاطه بسياج، وحفر حوض معصرة، وبنى برجًا حصينًا، وسلمه إلى كرامين وسافر" [1]. محبة الله للإنسان فائقة، فهو خليقته الأرضية الفائقة والمدلّلة، وهبها صورته مثاله وحتى بعد معاندتها بحث عنها وجرى وراءها، وقدم لها كل إمكانية للعودة إلى أحضانه، مقدمًا ابنه فدية عنها، والآن يشبّه الله الآب بالإنسان، الأمر الذي فيه تُعلن عن نظرته المكرمة للإنسان.
    ثانيًا: أبرز المثل تقديس الله الإنسانية، فإذ يشَّبه نفسه بالإنسان الذي غرس كرمًا يقول، "سلمه إلى كرامين وسافر" [1]. لا بمعنى ترك المكان، إذ هوحاضر في كل موضع، ولا تُنزع رعايته عن كرمه إذ هو مهتم بكل صغيرة وكبيرة، إنما "سافر" بمعنى ترك الكرامين يعملون بكمال حريتهم، أعطاهم المسئولية كاملة علامة حبه للنضوج مع تقديره للحرية الإنسانية، فقد أقام كرامين ليعملوا كرجال ناضجين مسئولين أمامه.
    ثالثًا: في هذا المثل أعلن السيد المسيح لمقاوميه أنه ليس فقط يعرف ما بداخلهم من روح مقاومة للحق، وإنما يعرف مقدمًا ما سيحل به منهم بكونه الوارث الذي لا يطيقه الكرامون الأردياء. فهو لا يخاف اضطهادهم له، بل جاء لكي يكمل كأسهم الشرير، وينزع عنهم الكرم ليُسلم إلى آخرين [9]. لقد دعا نفسه بالحجر المرفوض من البنائين، لكن هذا الرفض لا يقلل من شأنه، إذ صار رأس الزاوية [10].
    يرى القديس أغسطينوس في هذا المثل أنه إذ ثار الأشرار على الابن الوارث، وأرادوا قتله لم يقاوم، بل قال: "أنا اضطجعت" (مز 3: 5). نام مسلمًا جسده في أيدي مضطهديه ليسمروه على الصليب، ويطعنوه بالحربة في جنبه لكي تقوم الكنيسة فيه كما قامت حواء من جنب آدم عندما كان في سُبات.
    رابعًا: قدم لنا كثير من الآباء تفسيرًا تفصيليًا لهذا المثل، وقد سبق لي ترجمة تفسير القديس كيرلس الكبير له في دراستنا لإنجيل متى مع بعض آباء آخرين. لذا أكتفي هنا بعرض آراء آباء آخرين. ففي نص منسوب للقديس جيروم [الكرمة هي بيت إسرائيل، والسور هو حراسة الملائكة، والبرج هو الهيكل، والكرامون هم الكهنة]، بينما يرى الآب ثيؤفلاكتيوس أن [السور هو الشريعة التي منعت امتزاجهم بالغرباء.]
    ويقدم لنا القديس أمبروسيوس التعليق التالي:
    [يذكر إشعياء بوضوح أن كرم رب الجنود هو بيت إسرائيل (إش 5: 7)، موجد هذا الكرم هو الله الذي سلمه وسافر بعيدًا، لا بمعنى أن الرب سافر إلى مكان آخر، إذ هو دائمًا حاّل في كل مكان، لكنه يظهر وجوده واضحًا جدًا في الذين يحبون، ويظل بعيدًا عن الذين يتركونه.
    يذكر إنجيل متى أنه أحاطه بسياج (مت 21: 33؛ مر 12: 1)، أي قوّاه بسياج العناية الإلهية ليحفظه من هجوم الوحش الروحي.
    حفر معصرة، لأن أسرار آلام المسيح تبدو كالخمر الجديدة... وقد ظن الجمع أن التلاميذ سكارى حين نالوا الروح القدس (أع 2: 13). حفر حوض معصرة لكي يُسكب فيه الثمر الداخلي.
    بنى برجًا، إذ وهبهم الناموس.
    في زمن الإثمار أرسل عبيده؛ حسنًا فعل إذ أرسلهم في زمن الإثمار لا زمن الحصاد، لأن اليهود لم يقدموا أي ثمر... ولم تمتلئ معاصر اليهود من الخمر، بل سُفك دم نابوت في هذه الكرمة (1 مل 21: 13)، وتنبأ دمه أنه سيكون لهذه الكرمة شهداء كثيرون... أرسل الله كثيرين، فردهم اليهود بلا كرامة ولا منفعة، لا يحملون منهم ثمرًا. أخيرًا أرسل إليهم ابنه الوحيد، فأرادوا التخلص منه بكونه الوارث، فأنكروه وقتلوه صَلْبًا.]
    انتقل القديس أمبروسيوس من الحديث عن اليهود ككرم الرب الذي أهمله قادته الروحيون إلى الحديث عن النفس أو حياة المؤمن في كنيسة العهد الجديد بكونها كرم الرب الذي قدم له السيد كل إمكانيات للإثمار. وها هو يطلب الثمر! فمن كلماته:
    [اعتاد الكرَّام الرحوم أن يهتم بهذا الكرم ويشذّبه وينقيه مما تكدس من كتل الحجارة. تارة يحرق بالشمس خبايا (شهوات) جسدنا، وأخرى يروي الكرم بالمطر، ويسهر عليه حتى لا تنبت الأرض شوكًا ولا يكسوها أوراق كثيرة، فيضغط غرور الكلمات الباطلة على الفضائل وينزع نموها، ويبطل نضوج البساطة وكل سمة صالحة.
    ليحفظنا الله من أجل نهاية هذا الكرم الذي يسنده الرب المخلص، حارسًا إياه ضد كل خداع الدهر بسياج الحياة الأبدية...
    هوذا حصادنا! ففي غمار السعادة والأمان يملأ البعض أحشاءهم الداخلية من عنب الكرم اللذيذ. وليدقق آخرون في هبات السماء، وليبصر الكثيرون ثمار البركات الإلهية عند أقدام إرادتهم بعد خلع نعالهم فيصبغوا أقدامهم العارية بالخمر الذي ينهمر عليهم، لأن الموضع الذي هم فيه أرض مقدسة (حز 3: 5)...
    سلام لك أيها الكرم الثمين من أجل هذا الحارس، فقد تقدست بدم الرب الثمين، وليس بدم نابوت، ولا بدم أنبياء بلا حصر.
    مات نابوت ولم يتهاون في ميراث آبائه، أما أنت فلأجلنا غرست استشهاد جموع الشهداء، ولأجلنا ذاق الرسل صليب الرب، لهذا أثمروا إلى أقاصي الأرض.]
    2. سؤال بخصوص الجزية
    في دراستنا لإنجيل متى (22: 15-22) رأينا القادة اليهود وقد أدركوا أن أمثال السيد المسيح تكشف جراحاتهم الخفية لم يلجأوا إلى الطبيب الحقيقي لإبرائهم، بل تكاتفوا معًا بالأكثر على مقاومته، فاتفق بعض من الفريسيين والهيرودسيين أن يسألوه بخصوص الجزية، هل تقدم لقيصر أم لا، حتى إذا ما رفض تقديمها حُسب مثير فتنة ضد الدولة الرومانية، وإن قبل تقديمها نفرت منه الجموع، وفقدت ثقتها فيه كمخلص لهم من المستعمر الغريب الجنس. وقد جاءت إجابة السيد المسيح تمس أعماق نفوسنا من جهة الآتي:
    أولاً: يقول القديس أمبروسيوس: [يعملنا الرب في هذا المكان الحكمة في إجابتنا على الهراطقة أو اليهود. يقول في موضع آخر: "كونوا حكماء كالحيات" (مت 10: 16). ويفسر الكثيرون هذه العبارة هكذا: كما كانت الحية النحاسية (عد 21: Cool تعلن عن صليب المسيح الذي نزع سم الحية الشريرة، هكذا يليق بنا أن نكون حكماء كالمسيح، بسطاء كالروح (رمزه الحمامة).]
    ثانيًا: لقد ظن هؤلاء الأشرار أنه يهين السلطات، فيجدوا فرصة لتسليمه، والعجيب أن السيد بحكمة حث سامعيه على الخضوع للسلطان الزمني في الرب، وتقديم الكرامة لمن له الكرامة، والجزية لمن لهم الجزية (رو 7: 1-7)، ومع ذلك كان اتهامه أمام بيلاطس: "إننّا وجدنا هذا يفسد الأمة، ويمنع أن تُعطي جزية لقيصر، قائلاً أنه هو مسيح ملك" (لو 23: 2). وفي هذا لم يدافع السيد عن نفسه. لقد قدم مبدأ الخضوع للسلطات، ليس عن خوف، ولا للدفاع عن نفسه، وإنما كمبدأ يمارسه المسيحي حتى وإن أُتهم بخلاف ما يمارس!
    ثالثًا: يرى كثير من القديسين أن مبدأ "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" [17]، وإن كان في معناه الظاهر يعني التزام المؤمنين بتقديم واجباتهم بأمانة نحو الدولة والحاكم، لا عن خوف، ولا عن مضض، وإنما كتنفيذ للوصية الإلهية، فإن هذا المبدأ يحمل فهمًا روحيًا عميقًا. إن كانت نفوسنا تحمل صورة الله، نصير نحن عملته يتقبلها بفرح. وإن حملت صورة العالم نصير عملة العالم، ولا يجد الرب له فينا موضع راحة أو سرور.
    يقول القديس أمبروسيوس: [طلب دينارًا وسألهم عن الصورة، لأن صورة الله تختلف عن صورة العالم. هكذا ينذرنا الرسول: "كما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضًا صورة السماوي" (1 كو 15: 49)... لا تجد صورة قيصر في بطرس القائل ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك (مر 3: 13)، ولا تجدها عند يعقوب ولا يوحنا لأنهما ابنا الرعد، لكنك تجدها في البحر. إن كان بطرس لا يحمل صورة قيصر، فلماذا دفع الجزية؟ إنه لم يدفعها مما له (بل من البحر) حيث أرجع للعالم ما كان للعالم. وأنت أيضًا إن أردت أن لا يكون لقيصر شيء عليك فلا تقتني ما للعالم بل اقتن البركات... إن أردت ألا تكون مدينًا للملك الأرضي أترك كل أموالك واتبع المسيح.]
    رابعًا: يقول العلامة أوريجينوس في هذا المبدأ الإلهي أنه يليق بنا أن نقدم للجسد (قيصر) جزيته أي ضرورياته، أما لله فنهبه نفوسنا مقدسة بالكامل.
    3. الصدوقيون والقيامة
    من هؤلاء الصدوقيون الذين جاءوا إلى السيد المسيح يجربوه؟ هم فرقة يهودية دينية أرستقراطية، رأى بعض الربانيين أنهم ينتسبون إلى مؤسس فرقتهم صادوق الذي عاش حوالي عام 300 ق.م، لكن الرأي السائد أنهم ينتسبون إلى صادوق رئيس كهنة في عصر داود وسليمان، وفي عائلته حُفظت رئاسة الكهنوت حتى عصر المكابيين، فدُعي خلفاؤه وأنصاره صدوقيين. هذه الفرقة كما يقول المؤرخ يوسيفوس كانت مناقضة للفريسيين، كانوا متعلمين وأغنياء أصحاب مراكز. كانوا يحتلون مركز القيادة في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، في العصرين الفارسي واليوناني. أحبوا الثقافة اليونانية، واهتموا بالسياسة أكثر من الدين، وكان من أثر هذا إنهم أنكروا قانونيه أسفار العهد القديم بخلاف أسفار موسى الخمسة، كما استخفوا بالتقليد على خلاف الفريسيين الذين حسبوا أنفسهم حراسًا لتقليد الشيوخ.
    ظن الصدوقيون أن أسفار موسى الخمسة ليس فقط لا تذكر شيئًا عن القيامة من الأموات، وإنما ما جاء بخصوص الزواج الناموسي حينما يموت رجل فتلتزم زوجته أن ترتبط بأخيه أو وليه متى كانت بلا أطفال، حتى تنجب للميت طفلاً يرثه ويقيم اسمه؛ ظنوا في هذا إعلانًا وتأكيدًا لعدم القيامة من الأموات. وكما يقول سفر الأعمال: "لأن الصدوقيين يقولون أنه ليس قيامة و ملاك ولا روح، وأما الفريسيون فيقرون بكل ذلك" (أع 23: Cool.
    إتفق الصدوقيون مع الفريسيين على مقاومة السيد، لكن كل واحد بطريقته. جاءه الصدوقيون يقدمون له قصة خيالية، فيها يتصورون امرأة تزوجت ومات رجلها دون أن تنجب أولادًا، فتزوجت أخاه وإذ مات تزوجت بالأخ الثاني فالثالث حتى السابع، ولم تنجب، وآخر الكل ماتت المرأة أيضًا، ففي القيامة متى قاموا لمن منهم تكون زوجة، لأنها كانت زوجة للسبعة؟
    جاءت إجابة السيد المسيح مزدوجة:
    أولاً: في العدد 25 لم يظهر لهم غباوتهم بإنكار القيامة، وإنما في فهمهم للقيامة، فقد تعلق قلبهم بالسياسة والعالم فحسبوا القيامة حياة زمنية مادية، مع أنه "متى قاموا لا يُزوِّجون ولا يَتزوًّجون، بل يكونون كملائكة في السماوات" [25]. لا وجه للمقارنة بين حياة نعيشها هنا حسب الجسد بفكر مادي، وحياة ننتظرها على مستوى ملائكي سماوي.
    ثانيًا: إذ ظنوا أن أسفار موسى الخمسة تنكر القيامة، أكدها لهم من ذات الأسفار، حيث دعت إبراهيم وإسحق ويعقوب أحياء بعد موتهم بنسب الله لهم. يقول: "أفما قرأتم في كتاب موسى في أمر العليقة كيف كلمه الله قائلاً: أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب. ليس هو إله أموات بل إله أحياء" [26-27].
    يعلق القديس كيرلس الكبير على تصرف الصدوقيين هذا بقوله:
    [اقتربوا من المسيح مخلصنا كلنا، الذي هو الحياة والقيامة، وكانوا يسعون لتحطيم القيامة بكونهم أناسًا متكبرين وغير مؤمنين، اخترعوا قصة مشحونة جهلاً، ونظموا افتراضات جامدة، بها سعوا بطريقة شريرة وعنيفة أن يفسدوا رجاء العالم كله. نحن نؤكد أن رجاء كل العالم في القيامة من الأموات التي المسيح هو بكرها وأول ثمارها، لذلك إذ يجعل الحكيم بولس قيامتنا تقوم على قيامة السيد يقول: "لأنه إن كان الموتى لا يقومون، فلا يكون المسيح قد قام" (1 كو 15: 16)، كما يقدم فكرًا عكسيًا فيقول: "إن كان المسيح يُكرز به أنه قام من الأموات، فكيف يقول قوم بينكم ليس قيامة أموات؟" (1 كو 15: 12). الذين قالوا بهذا هم الصدوقيون الذين نتحدث عنهم الآن.
    على أي الأحوال كان سؤال الصدوقيون بلا معنى، السؤال برمته لا يتفق مع الكتب المقدسة الموحى بها، وجاءت إجابة مخلصنا تؤكد تمامًا غباوة قصتهم وتجعلنا نستخف بوهمهم والفكرة التي يقوم عليها هذا الوهم...
    قال الله عن الذين رقدوا: "من يدّ القبر أفديهم، من الموت أخلصهم، أين دينونتك يا موت؟ أين شوكتك يا قبر؟" (هو 13: 14 الترجمة السبعينية). الآن ما يقصده بدينونة الموت وشوكته قد أخبرنا به الطوباوي بولس بقوله: "أما شركة الموت فهو الخطية، وقوة الخطية هي الناموس" (1كو 15: 56)، إذ يقارن الموت بالعقرب، شوكتها هي الخطية وبسمها تقتل النفس. يقول أن الناموس هو قوة الخطية، إذ في موضع آخر يعترض: "بل لم أعرف الخطية إلا بالناموس" (رو 7: 7)، "إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدٍ" (رو 4: 15). لهذا السبب يستبعد مؤمنيه من وصاية الناموس الذي يدين ويبطل شوكة الموت التي هي الخطية، فإنه إذ ينزع الخطية بالتبعية يرحل الموت معها، إذ الموت صادر عنها وبسببها جاء إلى العالم.
    إذ أعطى الله وعدًا: "من يدّ القبر أفديهم، من الموت أخلصهم اتفق الأنبياء الطوباويون مع هذا المرسوم العلوي، فتحدثوا معنا لا برؤيا قلبهم ولا بمشيئة إنسان بل عن فم الله كما هو مكتوب (راجع إر 23: 16) إذ يعلن الروح القدس المتكلم فيهم حكم الله وإرادته القديرة غير المتغيرة في كل أمر. يحدثنا إشعياء النبي: "تحيا أمواتك، يقوم الذين في القبور، سيبتهج الذين في الأرض، لأن طلك يشفيهم" (إش 26: 19 الترجمة السبعينية). على ما أعتقد أن الطل هو قوة الروح القدس واهب الحياة، أو تلك الفاعلية التي تبطل الموت، الصادرة عن الله والحياة.
    يقول أيضًا داود الطوباوي في المزامير عن الذين على الأرض: "تأخذ روحهم فيموتون وإلى ترابهم يعودون. ترسل روحك فتخلقهم وتجدد وجه الأرض" (مز 104: 29). ألم تسمع عن عمل الروح القدس ونعمته واهبة الحياة، هذا الذي سيجدد وجه الأرض؟ فإنه يقصد بوجه الأرض جمالها، وبجمال طبيعة البشر عدم الفساد، إذ قيل: "يُزرع في فساد ويُقاوم في عدم فساد، يزرع في هوان ويقاوم مجد، يزرع في ضعف ويقاوم قوة" (1 كو 15: 42-43). مرة أخرى يؤكد لنا إشعياء النبي أن الموت الذي دخل بسبب الخطية لا يستعيد قوته على سكان الأرض أبديًا، إنما يبطل خلال قيامة المسيح من الأموات، حيث يجدد المسكنة، ويردها إلى ما كانت عليه، كما هو مكتوب: "خلق الله كل شيء في عدم فساد" (حك 1: 4)، قائلاً: "يُبلع الموت إلى الأبد، ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه، وينزع عار شعبه عن كل الأرض" (إش 25: Cool. عار الشعب هو الخطية، إذ تُنزع يبطل الموت ويرحل الفساد من وسط الشعب، وإذ ينتهي الموت تُنزع دموع كل أحد ويتوقف النحيب، فلا توجد علة بعد للبشر من جهة البكاء والنحيب.
    هكذا لدينا الكثير من الأسانيد في تفنيد جحود اليهود، لكننا لننظر إلى ما قاله لهم المسيح: حقًا إن أبناء هذا العالم الذين يعيشون الحياة الجسدانية العالمية مليئة بالشهوات من أجل الإنجاب، لذا يزوَّجون ويزوَّجون، أما الذين يبلغون الحياة المختارة المكرمة والحاملة كل سمو والمتأهلة للقيامة المجيدة العجيبة فبالضرورة تفوق حياة البشر في هذا العالم. إنهم يعيشون في حضرة الله كقديسين، يصيرون مساوين للملائكة، أبناء الله. إذ تُنزع عنهم كل شهوة جسدية ولا يكون للذة الجسد موضع فيهم بل يتشبهون بالملائكة القديسين يمارسون الخدمة الروحية لا المادية كأرواح مقدسة، وفي نفس الوقت يتأهلون لمجدٍ كذاك الذي يتمتع به الملائكة.
    برهن المخلص على جهل الصدوقيين المطّبق، مقدمًا لهم موسى معلمهم الديني كمعلم بالقيامة من الأموات بطريقة واضحة تمامًا، إذ يقدم لنا الله القائل في العليقة: "أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب". إله من هو أن كان هؤلاء - كما يظنون - لا يعيشون بعد؟إنه إله أحياء، لذلك سيقومون عندما تجلبهم يمين الله القدير، ليس وحدهم بل وكل الذين هم على الأرض. عدم الإيمان بهذا يليق بجهل الصدوقيين، لا بمحبي المسيح. أما نحن فنؤمن بالقائل: "أنا هو القيامة والحياة" (يو 11: 25)، هذا الذي يقيم الأموات: "في لحظة، في طرفة عين عند البوق الأخير، فإنه سيبوق، فيُقام الأموات عديمي الفساد ونحن نتغير" (1 كو 15: 52). سيغيرنا مخلصنا كلنا إلى عدم الفساد، إلى المجد والحياة غير الفاسدة، هذا الذي به وله المجد والحمد والسلطان مع الله الآب والروح القدس إلى أبد الأبد، آمين.]
    المفهوم الرمزي للمرأة التي تزوجت سبعة رجال
    في دراستنا لحديث السيد المسيح مع الصدوقيين أثناء دراستنا لإنجيل متى (22: 23-33)، رأينا هذه المرأة التي تزوجت السبعة إخوة ولم تنجب تشير إلى الكنيسة التي عاشت زمانًا (رقم 7) بأعمال الناموس. لكنها لم تأتِ بثمر روحي حتى ماتت عن أعمال الناموس لتحيا بالنعمة على مستوى ملائكي روحي. ويقدم لنا أحد النصوص المنسوبة للقديس جيروم تفسيرًا رمزيًا آخر، جاء فيه [من هي هذه المرأة التي لم تنجب من الإخوة السبعة والتي ماتت في النهاية إلا المجمع اليهودي الذي فارقه الروح السباعي (إش 11: 2) الذي ملأ السبعة آباء البطاركة، والتي لم يُترك لها نسل إبراهيم أي يسوع المسيح! فمع أنه وُلد لهم لكنه وُهب للأمم! لقد ماتت هذه المرأة عن المسيح، فلا ترتبط في القيامة بأي واحد من البطاركة السبعة، وإني أقصد برقم سبعة صحبة المؤمنين جميعًا. على العكس هذا قيل بإشعياء أن سبع نساء يمسكن برجلٍ واحدٍ (إش 4: 1)، أي السبعة كنائس التي يحبها الرب وينتهرها ويؤدبها، فتتعبد له بإيمان واحد.]
    4. الكتبة والوصية
    "فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون،
    فما رأى أنه أجابهم حسنًا، سأله:
    أية وصية هي أول الكل.
    فأجابه يسوع: أن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل،
    الرب إلهنا رب واحد.
    وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك،
    هذه الوصية الأولى.
    وثانية مثلها، هي تحب قريبك كنفسك،
    ليس وصية أعظم من هاتين" [28-32].
    إن كان الفريسيون والصدوقيون والهيرودسيون قد جاءوا إلى السيد بخبثٍ ليجربوه، كي يصطادوه بكلمة كمثير فتنة ضد الحاكم الروماني أو ككاسرٍ للناموس الموسوي، فإن محاوراتهم للسيد جذبت كثيرين للتمتع بمفاهيم جديدة، الأمر الذي أثار هذا الكاتب ليقدم سؤالاً كثيرًا ما تناقش فيه رجال الدين المتعلمون خاصة الكتبة، ولعله أيضًا في عرضه السؤال أراد أن يجرب السيد (مت 22: 34-35؛ لو 10: 25)، إذ حسبه يميز بين وصايا الناموس وبعضها البعض، أو يقدم وصية من عنده كأعظم مما ورد في الناموس. وإن كان السيد لم يوبخ هذا الكاتب بل بالحري أجابه بحكمة إلهية فائقة مقدمًا أساسًا روحيًا لمفهوم الوصية، يمكن تلخيصه في الآتي:
    أولاً: أن الوصايا تمثل وحدة واحدة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، فبينما يطلب الكاتب وصية أول الكل يقدم السيد المسيح وصيتين على مستوى واحد، ملتحمتين معًا، تمسان علاقتنا بالله خلال إيماننا به واعترافنا بوحدانيته، وحبنا له بلا حدود، وعلاقتنا بقريبنا الذي نحبه كأنفسنا. وقد كشف لنا إنجيل لوقا من هو قريبنا بمثل السامري الصالح (لو 10).
    بمعنى آخر لا انفصال بين الإيمان بالله والاعتراف به وبين حبنا له، ولا انفصال بين علاقتنا بالله وعلاقتنا بإخوتنا. وكأن الوصية هي تمتع بسمة حياة داخلية يعيشها الإنسان في أعماقه وتُعلن خلال إيمانه وشوقه نحو الله ومعاملاته مع الناس.
    في نص منسوب للقديس جيروم جاء: [هذا السؤال يمثل وحدة مشكلة عامة للمتعلمين في الناموس، وهو أن الوصايا الواردة في الخروج واللاويين والتثنية مختلفة. وقد قدم السيد وصيتين وليس وصية واحدة وكأنهما ثديان على صدر العروس بهما تنتعش طفولتنا... لقد أشار إلى أول الوصايا العظمى التي يجب على كل واحد منا أن يعطيها المكان الأول في قلبه، كأساس للتقوى، وهي معرفة وحدة اللاهوت والاعتراف بها مع ممارسة العمل الصالح الذي يكمل بحب الله والقريب.]
    ثانيًا: إن كان الحب هو جوهر الوصية، فإن هذا الحب ليس تصرفًا خارجيًا نبرزه فحسب، إنما يمثل حياة تمس كل إمكانياتنا، وتمس كياننا "نحب من كل النفس"، وتمس عواطفنا وأحاسيسنا الداخلية "من كل القلب"، وتمس فكرنا "من كل الفكر" وأيضًا تمس تصرفاتنا الظاهرة "من كل قدرتك". وكأن الحب يعني تقديس الإنسان بكليته بروح الله القدوس ليحمل صورة طبيعة خالقه في داخله، بكون "الله محبة" (1 يو 4: Cool، نحمل حياته وسماته عاملة في النفس والقلب والفكر والجسد وكل الطاقات والمواهب!
    الوصية هي تمتع وتجاوب مع روح الله القدوس الذي يشكلنا على الدوام، ويرفعنا من مجد إلى مجد، لعلنا نبلغ قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13).
    يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [انظر كيف يعدد كل قوى النفس، إذ توجد القوة الحية في النفس التي شرحها بقوله "من كل النفس"، لهذه القوة ينسب الغضب والرغبة هذه التي يجب تسليمها للحب الإلهي. كما توجد قوة أخرى تسمى "القوة الطبيعية"، ولها يُنسب النمو والانتعاش، والتي يجب أيضًا تسليمها لله إذ قيل: "من كل قلبك". وأيضًا قوة ثالثة هي العليقة والتي تدعى "الفكر" التي يجب تسليمها أيضًا بالكامل.]
    على أي الأحوال يبدو أن خلافًا دار بين فئات اليهود أنفسهم، فالبعض ركز على أهمية الشرائع الطقسية خاصة تقديم الذبائح، والآخر على الجانب الإيماني، وثالث على الجانب السلوكي العملي. وقد جاء السيد المسيح ليؤكد الحاجة إلى تغيير شامل في النفس والقلب والفكر مع تجاوب كل طاقات الإنسان وإمكانياته مع هذا التغير الداخلي. وقد أعجب الكاتب بالإجابة، قائلاً: "بالحق قلت لأنه (الله) واحد وليس آخر سواه. ومحبته من كل القلب، ومن كل الفهم، ومن كل النفس ومن كل القدرة، ومحبة القريب كالنفس هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح" [32-33]. أجابه السيد: "لست بعيدًا عن ملكوت الله" [34]، لكنه لم يقل له: "في داخلك ملكوت الله"، إذ عرف الكاتب ملامح الطريق، لكن لم يكن قد دخله بعد ولا تمتع به.
    المسيح كابن داود وربه:
    إذ توقفت الحوارات كقول الإنجيلي: "ولم يجسر أحد بعد ذلك أن يسأله" [34]، بدأ السيد يحدث الجماهير من خلال كلمات الكتبة أنفسهم ليكشف لهم عن طريق خلاصهم به، إذ يقول الإنجيلي:
    "ثم أجاب يسوع وقال وهو يعلم في الهيكل:
    كيف يقول الكتبة أن المسيح ابن داود؟
    لأن داود نفسه قال بالروح القدس:
    قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك.
    فداود نفسه يدعوه ربًا، فمن أين هو ابنه؟" [35-37]
    يتحدث الآن السيد المسيح عن نفسه علانية ولأول مرة ليعلن الآتي:
    أولاً: أنه المسيا ابن داود وفي نفس الوقت ربه. تعرف عليه داود منذ أجيال طويلة، لا من ذاته وإنما بالروح القدس إنه موضوع النبوات ومشتهى الآباء!
    ثانيًا: إن كانت القوى قد تكاتفت لا لمحاورته فحسب، وإنما أيضًا لقتله صلبًا، فإنهم يقاومون الآب أيضًا الذي يضع الأعداء تحت قدمّي الابن، ليس عن ضعف في الابن، وإنما عن وحدة العمل بين الآب والابن. وكأن السيد يطالبهم قبل الدخول في أحداث الطريق أن يراجع كل إنسان نفسه لئلا تسحبه الأحداث ليصير مقاومًا للحق ومعاندًا لله. أما قوله "اجلس عن يميني" فيعني أنه يحمل قوته، ولا يعني تفاوتًا في الكرامة. فإن كان الآب يخضع الأعداء تحت قدمي الابن، فالابن أيضًا يخضع الأعداء تحت قدمي الآب، إذ يمجد أباه على الأرض (يو 15: 4).
    يقول القديس أمبروسيوس: [كل ما للآب هو للابن.. نحن نميز الآب عن الابن في اختلاف الأقانيم لكنهما واحد في القدرة، الواحد في الآخر... مجد الآب لا يضمحل في الابن، وجمال الابن أن يرى فيه كمال الآب، إنهما واحد في القدرة.] ويقول القديس كيرلس الكبير: [ونحن أيضًا نضع ذات السؤال لفريسي الأزمنة الأخيرة (النساطرة)، ليت هؤلاء الذين ينكرون أن المولود من القديسة العذراء هو بعينه ابن الله الآب وأنه هو الله، مقسمين المسيح إلى ابنين، ليشرحوا لنا كيف يكون ابن داود ربه، ليس لربوبيه بشرية بل لاهوتية. فإن جلوسه عن يمين الآب هو تأكيد وعربون المجد الأسمى. فإذ لهما عرش واحد لهما كرامة واحدة، والمتوجان بكرامة واحدة لهما طبيعة واحدة.]
    ثالثًا: إن كان السيد قد أُتهم باتهامات كثيرة أثناء خدمته، لكنه يتمجد بخضوع أعدائه تحت قدميه في يومه العظيم، وكما يرى القديس كيرلس الكبير أن السيد المسيح قصد بهذا الحديث أن يسحب قلوب تلاميذه من الفكر الفريسي الذي يهتم بالمجد الزمني ليطلبوا المجد الأبدي مع مسيحهم. بمعنى آخر إن كان السيد قاومه كثيرون في خدمته للبشرية وإعلان مجده الأبدي، هكذا من يتبعه يحتمل المقاومات هنا من أجل الأبديات. لهذا السبب، يكمل الإنجيلي حديثه هكذا:
    "وقال لهم في تعليمه:
    تَحَرَّزوا من الكتبة الذين يرغبون المشي بالطيالسة، والتحيات في الأسواق.
    والمجالس الأولى في المجامع،
    والمتكآت الأولى في الولائم.
    الذين يأكلون بيوت الأرامل، ولِعِلَّةٍ يُطيلون الصلوات.
    هؤلاء يأخذون دينونة أعظم" [38-40].
    حذر تلاميذه من أن يضعوا قلوبهم في ثيابهم أي في المظاهر الخارجية، فقد اعتاد أن يخفي بعض رجال الدين اليهودي شرهم وخبثهم تحت الزيّ الخارجي، فينالون الكرامة الزمنية وهم يحملون قلوب ذئبية. لهذا نجد القديس يوحنا الذهبي الفم كثيرًا ما يوبخ نفسه، قائلاً: "عجبي من أسقف يخلص!"، حتى يكون - وهو رئيس أساقفة - في حذرٍ دائمٍ من ذاته. بمعنى آخر ثياب الكهنوت في ذاتها لا تبرره، بل بالحري تدينه إن لم يحمل في قلبه مجدًا داخليًا. بذات الروح قال الراهب المتوحد القديس يوحنا سابا: [يا رجل الله حتى متى بالسواد فقط (ربما قصد الزي الرهبنة) تعزى نفسك؟ كن كلك لهيبًا وأحرق جميع الذين حولك لترى المجد الخفي داخلك]، [ويل لي، لأني إلى الآن أعزي نفسي بالسواد فقط.]
    يقول القديس ثيؤفلاكتيوس: [لقد اعتادوا أن يسيروا مرتدين ثيابًا مكرمة لكي ينالوا تكريمًا عظيمًا بسببها، ويتبعون نفس الأمر في أشياء كثيرة تقودهم للمجد الزمني.]
    وما يقوله السيد المسيح بخصوص الرغبة في المشي بالطيالسة يذكره بخصوص الرغبة في التمتع بتحيات الناس ونوال المتكآت الأولى، وفي إطالة الصلوات عمدًا. غير أن السيد لم يهاجم الملبس في ذاته، ولا تحيات الناس، ولا الجلوس في المتكآت الأولى أو إطالة الصلوات، إنما هاجم الفكر الداخلي والشهوة العميقة للتصرف هكذا من أجل المجد الباطل، بينما يحمل الإنسان قلبًا قاسيًا حتى يستبيح لنفسه أن يأكل حق الأرامل.
    5. الأرملة المحبة والفلسان
    إن كانت كل قوى القيادات اليهودية قد تكاتفت معًا لمقاومة السيد، فقد وُجدت أرملة فقيرة مملوءة حبًا لله والناس قدمت كل أعوازها - أي فلسين - في خزانة الهيكل، فحسبها الرب أفضل من مقدمي الذهب الكثير والفضة، إذ قال: "الحق أقول لكم أن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا في الخزانة. لأن الجميع من فضلتهم ألقوا، وأما هذه فمن إعوازها ألقت كل ما عندها كل معيشتها" [44-43].
    في نص منسوب للقديس جيروم يرى الكاتب في نفسه أنه هو الأرملة الفقيرة إذ يقدم في قلوب الناس كما في خزانة الهيكل فلسين هما الشرح المبسط للإيمان التابع عن العهدين القديم والجديد، يجد له مكانًا في قلوب سامعيه بالروح القدس ليترجمه الروح إلى حياة عملية في الفكر والقول والعمل.
    ويرى الأب ثيؤفلاكتيوس هذه المرأة رمزًا للنفس المؤمنة التي ترملت إذ مات رجلها الأول الذي باعت نفسها له أي إبليس، وتقدمت لعريسها الجديد بالفلسين أي النفس والجسد، تقدمهما خلال التواضع والنسك، تهبه كل حياتها ليعمل فيها.
    ويرى القديس أغسطينوس في الفلسين (رقم 2) إشارة للحب، فإننا لا نستطيع نقترب إلى مقدسات الله، ولا يتطلع الرب إلى تقدماتنا أن لم تنبع عن قلب متسم بالحب لله والناس. بالحب ننعم بالمقدسات وتكريم الرب لنا.
    هذا وقد فتحت هذه الأرملة الباب أمام جميع المؤمنين لإدراك مفهوم العطاء الحقيقي. إنه عطاء القلب الداخلي الذي يفرح قلب الله، وليس مجرد العطاء الظاهر، فمن كلمات الآباء في هذا الشأن:
    v ألم تفق (هذه الأرملة) فيض غناك بسبب استعدادها الداخلي؟ كتب الحكيم بولس شيئًا من هذا النوع: "لأنه إن كان النشاط موجودًا (الإرادة حاضرة)، فهو مقبول على حسب ما للإنسان، لا على حسب ما ليس له" (2 كو 8: 12). ليس فقط الغني ينال نعمة من الله بتقديمه ثمرًا للإخوة، فإن مخلص الجميع يقبل ذبيحته، وإنما أيضًا يهب نعمة للذي يقدم قليلاً لأنه يملك القليل، ولا يخسر الأخير شيئًا بسبب قلة ما يملكه. فإن الله ناظر الكل يمدح استعداده الداخلي ويقبل نيته ويجعله مساويًا للغني، بل بالحري يهبه إكليلاً أعظم كرامة مما للغني.
    القديس كيرلس الكبير
    v أتقول ليس لك قدرة على تقديم أعمال رحمة؟... فَلَكَ لسان، أيا كان فقرك فلك قدمان بهما تزور المريض وتفتقد في السجن. لك سقف تستقبل تحته غرباء. ليس هناك عذر قط لمن لا يمارس عمل الرحمة.
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v ما اشترت به الأرملة بفلسين اشتراه بطرس بتركه الشباك (مت 4: 20)، وزكا بتقديمه نصف أمواله (لو 19: Cool.
    v أي شيء يا إخوة أكثر قدرة من أنه ليس فقط زكا اشترى ملكوت السماوات بنصف أمواله (لو 19: Cool، وإنما اشترته الأرملة بفلسين، ليملك الاثنان نصيبًا متساويًا؟ أي شيء أقدر من هذا أن ذات الملكوت الذي يتأهل له الغني بتقديم كنوزه يناله الفقير بتقديم كأس ماء بارد! (مت 10: 42)
    v قليل هو مالها، لكن عظيم هو حبها.
    القديس أغسطينوس
    v من يقدم نفسه لله إنما يقدم كل شيء له دفعة واحدة.
    v مع كونها أرملة فقيرة، لكنها كانت أغنى من كل شعب إسرائيل.
    v مثل هذه التقدمات لا تُقدر بوزنها، بل بالإرادة الصالحة التي قُدمت بها.
    القديس جيروم
    1 و ابتدا يقول لهم بامثال انسان غرس كرما و احاطه بسياج و حفر حوض معصرة و بنى برجا و سلمه الى كرامين و سافر
    2 ثم ارسل الى الكرامين في الوقت عبدا لياخذ من الكرامين من ثمر الكرم
    3 فاخذوه و جلدوه و ارسلوه فارغا
    4 ثم ارسل اليهم ايضا عبدا اخر فرجموه و شجوه و ارسلوه مهانا
    5 ثم ارسل ايضا اخر فقتلوه ثم اخرين كثيرين فجلدوا منهم بعضا و قتلوا بعضا
    6 فاذ كان له ايضا ابن واحد حبيب اليه ارسله ايضا اليهم اخيرا قائلا انهم يهابون ابني
    7 و لكن اولئك الكرامين قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله فيكون لنا الميراث
    8 فاخذوه و قتلوه و اخرجوه خارج الكرم
    9 فماذا يفعل صاحب الكرم ياتي و يهلك الكرامين و يعطي الكرم الى اخرين
    10 اما قراتم هذا المكتوب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار راس الزاوية
    11 من قبل الرب كان هذا و هو عجيب في اعيننا
    12 فطلبوا ان يمسكوه و لكنهم خافوا من الجمع لانهم عرفوا انه قال المثل عليهم فتركوه و مضوا
    13 ثم ارسلوا اليه قوما من الفريسيين و الهيرودسيين لكي يصطادوه بكلمة
    14 فلما جاءوا قالوا له يا معلم نعلم انك صادق و لا تبالي باحد لانك لا تنظر الى وجوه الناس بل بالحق تعلم طريق الله ايجوز ان تعطى جزية لقيصر ام لا نعطي ام لا نعطي
    15 فعلم رياءهم و قال لهم لماذا تجربونني ايتوني بدينار لانظره
    16 فاتوا به فقال لهم لمن هذه الصورة و الكتابة فقالوا له لقيصر
    17 فاجاب يسوع و قال لهم اعطوا ما لقيصر لقيصر و ما لله لله فتعجبوا منه
    18 و جاء اليه قوم من الصدوقيين الذين يقولون ليس قيامة و سالوه قائلين
    19 يا معلم كتب لنا موسى ان مات لاحد اخ و ترك امراة و لم يخلف اولادا ان ياخذ اخوه امراته و يقيم نسلا لاخيه
    20 فكان سبعة اخوة اخذ الاول امراة و مات و لم يترك نسلا
    21 فاخذها الثاني و مات و لم يترك هو ايضا نسلا و هكذا الثالث
    22 فاخذها السبعة و لم يتركوا نسلا و اخر الكل ماتت المراة ايضا
    23 ففي القيامة متى قاموا لمن منهم تكون زوجة لانها كانت زوجة للسبعة
    24 فاجاب يسوع و قال لهم اليس لهذا تضلون اذ لا تعرفون الكتب و لا قوة الله
    25 لانهم متى قاموا من الاموات لا يزوجون و لا يزوجون بل يكونون كملائكة في السماوات
    26 و اما من جهة الاموات انهم يقومون افما قراتم في كتاب موسى في امر العليقة كيف كلمه الله قائلا انا اله ابراهيم و اله اسحق و اله يعقوب
    27 ليس هو اله اموات بل اله احياء فانتم اذا تضلون كثيرا
    28 فجاء واحد من الكتبة و سمعهم يتحاورون فلما راى انه اجابهم حسنا ساله اية وصية هي اول الكل
    29 فاجابه يسوع ان اول كل الوصايا هي اسمع يا اسرائيل الرب الهنا رب واحد
    30 و تحب الرب الهك من كل قلبك و من كل نفسك و من كل فكرك و من كل قدرتك هذه هي الوصية الاولى
    31 و ثانية مثلها هي تحب قريبك كنفسك ليس وصية اخرى اعظم من هاتين
    32 فقال له الكاتب جيدا يا معلم بالحق قلت لانه الله واحد و ليس اخر سواه
    33 و محبته من كل القلب و من كل الفهم و من كل النفس و من كل القدرة و محبة القريب كالنفس هي افضل من جميع المحرقات و الذبائح
    34 فلما راه يسوع انه اجاب بعقل قال له لست بعيدا عن ملكوت الله و لم يجسر احد بعد ذلك ان يساله
    35 ثم اجاب يسوع و قال و هو يعلم في الهيكل كيف يقول الكتبة ان المسيح ابن داود
    36 لان داود نفسه قال بالروح القدس قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى اضع اعداءك موطئا لقدميك
    37 فداود نفسه يدعوه ربا فمن اين هو ابنه و كان الجمع الكثير يسمعه بسرور
    38 و قال لهم في تعليمه تحرزوا من الكتبة الذين يرغبون المشي بالطيالسة و التحيات في الاسواق
    39 و المجالس الاولى في المجامع و المتكات الاولى في الولائم
    40 الذين ياكلون بيوت الارامل و لعلة يطيلون الصلوات هؤلاء ياخذون دينونة اعظم
    41 و جلس يسوع تجاه الخزانة و نظر كيف يلقي الجمع نحاسا في الخزانة كان اغنياء كثيرون يلقون كثيرا
    42 فجاءت ارملة فقيرة و القت فلسين قيمتهما ربع
    43 فدعا تلاميذه و قال لهم الحق اقول لكم ان هذه الارملة الفقيرة قد القت اكثر من جميع الذين القوا في الخزانة
    44 لان الجميع من فضلتهم القوا و اما هذه فمن اعوازها القت كل ما عندها كل معيشتها
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:31 am

    الأصحاح الثالث عشر
    علامات المنتهى
    دخل السيد المسيح إلى أورشليم ليعلن حبه لنا عمليًا بالصليب، لكي يدخل بنا إلى أورشليمه السماوية وينعم علينا بأمجاده الأبدية.
    في الأصحاحات السابقة تلمسنا عمل السيد المسيح الذي جاء ليهدم الإنسان القديم الترابي، ويقيم فينا الإنسان الجديد الروحي الذي على صورة خالقه. بنفس الروح إذ يتحدث عن مجيئه الأخير يكشف عن هدم الأبنية القديمة لننعم ببناء أبدي غير مصنوع بيد. أما علامات المنتهى الواردة هنا، فقد سبق شرحها خلال فكر الآباء عند دراستنا لإنجيل متى (ص 24)، وقد جاءت هنا بذات الترتيب والفكر:
    1. هدم الهيكل القديم 1-2.
    2. ظهور مسحاء كذبة 3-6.
    3. قيام حروب وحدوث كوارث 7-8.
    4. حدوث مضايقات 9-13.
    5. رجسة الخراب 14.
    6. وصايا للدخول في الملكوت 15-18.
    7. الضيقة العظمى 19-20.
    8. ظهور أنبياء كذبة 21-23.
    9. انهيار الطبيعة 24-25.
    10. مجيء ابن الإنسان 26-27.
    11. مثل شجرة التين المخضرة 28-29.
    12. تأكيد مجيئه 30-31.
    13. عدم معرفة الساعة 32.
    14. الدعوة للسهر 33-37.
    مقدمة
    جاء هذا الحديث الخاص بعلامات المنتهى في جلسة خاصة للسيد مع تلاميذه وحدهم، في لقاء هادىء بعد دخوله أورشليم وتطهيره الهيكل ولعن شجرة التين، خاصة وأن أحداث الآلام والصلب كانت قد اقتربت جدًا، فما غاية هذا الحديث؟
    يمكننا أن نتعرف على غاية هذا الحديث الودي من خلال قراءات يوم الثلاثاء من البصخة المقدسة (أسبوع الآلام)، حيث ركزت الكنيسة نظر أولادها في هذا اليوم على مجيء السيد المسيح الأخير.
    أولاً: لعل ما يلفت نظرنا في قراءات الساعة الأولى من هذا اليوم ما أعلنه الله في سفر الخروج (ص19) أنه حمل شعبه كما على أجنحة النسور لا لينقلهم من أرض العبودية وينطلق بهم إلى أرض الموعد، بل ينقلهم إليه هو شخصيًا، إذ يقول: "وأنا حملتكم على أجنحة النسور، وجئت بكم إليّ" (خر 19: 4).
    لعل التلاميذ إذ رأوا السيد المسيح حازمًا كل الحزم في تطهير الهيكل، وفي لعنه شجرة التين تملكهم روح اليأس، وخشي كل منهم لئلا يكون نصيبهم كشجرة التين، لهذا جاء حديثه هنا يطمئن التلاميذ، أنه يعد لهم سماواته مقدمًا لهم علامات مجيئه، وإن كانت مرة لكنها مطمئِنة. إن كان قد حمل آباءهم كما بأجنحة النسور ليجيء بهم إليه، فإنه يرسل لهم روحه القدوس ليحملهم فوق كل الأحداث لينعموا بلقائه الأخير على السحاب.
    يؤكد لنا السيد: "أنتم من أسفل وأما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم، وأما أنا فلست من هذا العالم" (يو 8: 23). كأنه يؤكد لنا أننا غير قادرين بذواتنا أن نرتفع إليه لنلتقي معه على سحاب السماء، لكنه هو من فوق يقدر أن يضمنا إليه، فيجعلنا حاملين سمته: "لست من هذا العالم". به ترتفع قلوبنا التي تصير ليست من هذا العالم، أي تحمل سمته، فتدخل معه في شركة أمجاده. لعله أيضًا أراد أن يعلن بعلامات المنتهى المرة أنه سمح بها لكي يدفعنا دفعًا إلى الانطلاق من هذا العالم، أي نخلع عنا محبة الزمنيات، ونترك سمتنا أننا من هذا العالم، فنقدر أن نلتقي مع ذاك الذي ليس من هذا العالم.
    حقًا إن العلامات التي قدمها لتلاميذه مرهبة جدًا، لكن إشعياء النبي يقول: "لولا أن رب الجنود أبقى بنا بقية صغيرة لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة" (إش 1: 9). وكأن التلاميذ هم البقية الصغيرة التي تعجز عن الخلاص بذاتها لكن مراحم رب الجنود تترفق بها. بمعنى آخر ملكوته السماوي قد أُعد للبقية الصغيرة التي يهتم الله نفسه بها، إذ يقول: "لا تخف أيها القطيع الصغير لأن أباكم قد سرّ أن يعطيكم الملكوت" (لو 12: 32).
    هكذا أبرزت القراءات اهتمام الله نفسه بتقديم الملكوت. ولعل سرد السيد المسيح لتلاميذه علامات مجيئه بما تحمله من مرارة إنما ليعلن لهم أنه يعرف أن الطريق ضيق للغاية وكرب، لكنه في يديه، أو هم في قبضة يده يحفظهم حتى يجتاز بهم وينطلق بهم إليه.
    ثانيًا: عرض السيد المسيح لعلامات المنتهى على تلاميذه ليس فقط يؤكد لهم دور الله نفسه واهتمامه بملاقاتهم معه على السحاب، وإنما دور المؤمنين أيضًا. جاءت هذه العلامات تحمل في مجملها هدمًا تامًا للحياة الزمنية بل وللطبيعة إعلانًا لحياة أفضل أبدية.
    حملت قراءات الساعة الثالثة من يوم الثلاثاء من البصخة المقدسة تحذيرًا من الشبع من هذا العالم والاهتمام ببناء بيوت جميلة (تث Cool، تدفعنا نحو اختيار طريق خدمة الرب حيث تنتظرنا التجارب (ابن سيراخ 2: 1)، وتؤكد لنا أنه لا يُترك حجر على جدر إلا ويُنقض (مت 24). كأن الكنيسة وهي تقدم لنا علامات المنتهى ترسم لنا الطريق الإنجيلي للتمتع بالمسيح القادم على السحاب فتطالبنا ألا تمتليء بطوننا الداخلية بسكر هذا العالم وملذاته، ولا يرتبك ذهننا ببناء بيوت أرضية ونزينها كمن يستقر على الأرض أبديًا، إنما بالحري نمسك بصليب ربنا يسوع المسيح لنحمل التجارب بقلب متسع، ونهدم كل حجر في داخلنا، ليقيم الله فينا بناءً جديدًا يليق بنفوس منطلقة نحو أورشليم العليا، تتحد بعريس سماوي.
    ثالثًا: السيد المسيح في حديثه مع تلاميذه عن علامات المنتهى، بالرغم مما قدمه من طريق طويل وشاق للغاية لكنه بسلطان ألهب قلوبهم غيرة للدخول فيه؛ لهذا السبب تقدم لنا الكنيسة في قراءات يوم الثلاثاء من البصخة قصتين غاية في الأهمية: لقاء إيليا مع الله وسماعه صوته الإلهي لا خلال الريح العاصف الشديد ولا الزلزلة ولا النار بل خلال النسيم الهادئ اللطيف (1 مل 19: 4-9)، وتمتع نوح بالخلاص في الفلك وسط الطوفان. تمثل قصة إيليا الحاجة إلى الغيرة المقدسة للقاء مع الله، لكنها غيرة ملتهبة داخلية تقوم خلال النفس الهادئة في الرب، التي تحمل سماته حيث لا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع (إش 42: 2؛ مت 12: 19). أما فلك نوح فيلتحم بغيرة إيليا ليترجم أعماقنا الداخلية واشتياقنا القلبي لملاقاة الرب إلى عمل جاد، فنقبل صليب الرب عمليًا كمن يدخل الفلك مع عائلته وحيواناته وطيوره لينعم باللقاء مع الله وسط هياج العالم الشديد والطوفان المهلك للكثيرين. هذا الفلك يمثل البيت الجديد الذي نقطنه هنا فيحملنا، مرتفعًا بنا فوق المياه، لذلك جاءت القراءات تحدثنا عن بيت الحكمة (أم 9: 1-11) المؤسس على الأعمدة السبعة التي هي أعمال الروح القدس.
    بمعنى آخر، لكي نلتقي بربنا يسوع القادم على السحاب يليق بنا ونحن هنا على الأرض أن نتدرب بالروح القدس الذي فينا أن نسكن الفلك الذي يرفعنا إلى فوق، وأن نقطن الجبال العالية، إذ يقول النبي: "أصعد على جبل عال يا مبشر صهيون" (إش 40: 9) كما جاء في نبوات ذات اليوم، حينئذ ننعم مع دانيال (ص 7) برؤية السيد القادم على السحاب.
    رابعًا: أخيرًا لكي تلهب الكنيسة شوقنا للتمتع بهذا اللقاء الأبدي تحدثنا عن بهاء المجد الذي ننعم به حينذاك، فتقتبس في قراءاتها ما قاله إشعياء: "نور القمر كنور الشمس" (إش 30: 26)، وما قاله السيد نفسه: "كل من له يعطى فيزداد" (مت 25: 29). بمعنى آخر ما نناله من بهاء داخلي هنا يكون عربونًا لبهاء أعظم أبدي، فإن صرنا بالرب قمرًا نصير هناك شمسًا، وإن صار لنا مكافأة داخلية فإن ما يُعطى لنا هنا يزداد هناك.
    بجانب هذا الفكر الكنسي تجاه ما ورد في هذا الأصحاح نود أن نوضح سمات أخرى لهذا المقال:
    أولاً: يُعتبر ما ورد في هذا الأصحاح أحد المقالين الطويلين للسيد المسيح في هذا الإنجيل، الأول ورد في الأصحاح الرابع (1-34). وقد لاحظ بعض الدارسين في المقال الذي بين أيدينا أنه اختلف في طابعه عن بقية أحاديث السيد المسيح، فدعاه البعض "الرؤيا الصغيرة Little Apocalypse" وإن كان البعض الآخر رفض تمامًا هذه التسمية، متطلعًا إلى المقال أنه لم يقم على رؤيا معينة، إنما هو حديث مفتوح خاص بين السيد المسيح العالم بالأسرار وتلاميذه.
    ثانيًا: لا يستطيع القارئ المعاصر - مهما كانت قراءاته أو معرفته - أن يدرك أثر هذا الحديث على نفسية الإنسان اليهودي في أيام السيد المسيح من جهة خراب الهيكل، فقد كان الهيكل هو كل شيء في حياته، يمثل ملكوت الله وعلامة حلول الله في وسط شعبه ورضاه عليه. يتعلق اليهودي بالهيكل تمامًا، ويحسب أي مساس به علامة غضب الله الشديد نحو شعبه كله! لهذا كان لائقًا أن يكشف الرب عن دمار العالم المادي كله كطريق تمهيدي لمجيء المسيح الأخير على السحاب، ودمار الهيكل المادي لإقامة هيكل الرب الروحي.
    ثالثًا: هذا المقال في حقيقته لم يقدمه السيد لنتعرف على الأزمنة والأوقات، ولا كعملٍ نبوي به نتعقب الأحداث، لكنه مقال يكشف عن أسرار المستقبل جاء بقصد عمل رعوي، فيه يحث السيد المسيح كنيسته على الجهاد المستمر وتخطي العقبات التي تقوم على الدوام حتى مجيئه، كما يحذرنا من المسحاء والأنبياء الكذبة، ويوصينا بالسهر الدائم ترقبًا لمجيئه!
    رابعًا: أخيرًا يرى كثير من الدارسين أنه "حديث ختامي" أو "وداعي" قدمه السيد المسيح لأربعة من خاصته، كما اعتاد بعض آباء وأنبياء العهد القديم أن يفعلوا هكذا قبيل موتهم مثل إسحق (تك 27)، ويعقوب (تك 49)، وموسى (تث 31: 28 الخ، 32)، ويشوع (يش 24)، وصموئيل (1صم 12)، وداود (1أي 28-29)، وطوبيا (طو 14).
    هذا الحديث الوداعي الخاص - إن صح تسميته - بجانب حديثه الوداعي العام لتلاميذه (يو14-16) يختلف تمامًا عن كل حديث وداعي قديم قدمه أحد الآباء أو الأنبياء قبل موته. فاسحق ودّع ابنيه في شيخوخته وهو فاقد البصر لا يميز يعقوب من عيسو، أما يسوع رب المجد فيحدث تلاميذه قبل الصلب بقوة معلنًا أن قوات الظلمة لن تحطم خطته لخلاص البشرية، فاتحًا بصيرتهم الداخلية لمعاينته قادمًا على السحاب ليحملهم إلى مجده. ويعقوب يتحدث مع أبنائه لتأسيس شعب الله على الأرض، أما رب المجد فيعُلن تأسيس ملكوته الأبدي. وموسى يوصي شعبه بعد أن حُرم من الدخول معهم إلى أرض الموعد، أما يسوع المسيح فيأتي ليحملهم إلى مجده الفائق. وهكذا بقية الآباء والأنبياء، ما قد عجزوا عن تقديمه لأنفسهم اشتهوه لإخوتهم وأولادهم وشعبهم، أما السيد المسيح فهو الرأس المنطلق إلى أمجاده ليحمل مؤمنيه جميعًا إلى حضن أبيه في قوة.
    الآن نعود إلى النص الإنجيلي راجيًا الرجوع إلى تفسير الأصحاح الرابع والعشرين من إنجيل معلمنا متى البشير منعًا من التكرار، مشتاقًا أن يلهب الرب أعماقنا جميعًا لشهوة الالتقاء معه عند مجيئه إلينا في اليوم العظيم.
    1. هدم الهيكل القديم
    "وفيما هو خارج من الهيكل، قال له واحد من تلاميذه:
    يا معلم، انظر ما هذه الحجارة؟ وما هذه الأبنية.
    فأجاب يسوع وقال له: أتنظر هذه الابنية العظيمة؟
    لا يُترك حجر على حجر لا يٌنقض" [1-2].
    هذا السؤال قدمه أحد التلاميذ فيما كان السيد المسيح يخرج من الهيكل، فقد كانت أبنية الهيكل العظيمة بملحقاته تشغل ذهن اليهود كعلامة رضا الرب عنهم. لقد بدأ بناء الهيكل الثاني في عهد زرُبابل بسماح كورش ملك الفرس الذي أحسن لليهود وسمح لهم بالعودة من السبي والبدء في بناء الهيكل في القرن السادس ق.م، وقد امتاز الهيكل الجديد عن القديم بضخامته وإن كان أقل منه في الفخامة. وفي أيام هيرودس قبل ميلاد السيد المسيح، حوالي سنة 20 ق.م. بدأت عملية ترميم ضخمة بقيت حتى حوالي سنة 60م أي قبل خرابه بحوالي سبع سنوات كما يقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس، موقعه حاليًا الحرم الشريف أو قبة الصخرة في مدينة أورشليم القديمة.
    تم هذا التساؤل فيما كان السيد "يخرج" من الهيكل، أما سرّه فغالبًا أن هذا التلميذ أراد أن يسمع من فم معلمه ما جال في خواطر التلاميذ أن السيد جاء ليطهر الهيكل حتى يجعله مركز مملكته وقصره الملوكي، من خلاله يملك على العالم. فجاءت إجابة السيد المسيح تحطم خواطرهم المادية تمامًا، على نقيض ما كانوا يتوقعون، فقد استغل السيد المسيح هذا السؤال ليعُلن لتلاميذه عن إزالة الهيكل تمامًا، وخراب أورشليم، بل ونهاية العالم المادي كله حتى يسحب قلوبهم إلى الملكوت الروحي والمجد السماوي الأخروي.
    يقول القديس كيرلس الكبير: [توقع (التلاميذ) أن يُعجب بالمنظر حين يراه، لكنه هو الله، عرشه السماء. أقول في لطفه لم يعطِ اهتمامًا للأبنية الأرضية بكونها تافهة بل وتُحسب كلا شيء تمامًا، إن قورنت بالمواضع العلوية. لقد أوقف الحوار الخاص بهذه الأبنية ووجهه إلى ما هو لازم لنفعهم. إن كان الهيكل بالنسبة لهم يستحق أن ينال كل الإعجاب، لكنه في الوقت المناسب يُخرب من أساساته حين يهدمه الرومان وتُحرق أورشليم بالنار، فينال إسرائيل جزاءه لقتله الرب، فقد حلت بهم هذه الأمور بعد صلب المخلص.]
    لكن السيد وهو ينطق بهذا لا يطلب الانتقام¡ ولا يشتهي خراب مقاوميه، إنما بكونه كلمة الله يُعلن حقيقة الأحداث حتى يكشف لتلاميذه معالم الطريق. فمن جهة يلزمهم ألا يربطوا قلوبهم بحجارة وأبنية بل بهيكل روحي داخلي يسكنه الرب ويقيم فيه ملكوته ومن جهة أخرى يلزم هدم الحجارة من الفكر الحرفي فلا نسلك بالناموس حرفيًا بل ننعم به بالروح خلال هدم الحرف القاتل. أخيرًا فإنه يلزم أن ننعم بهدم هيكل إنساننا القديم تمامًا ولا يترك عمل من أعماله أو حجر على حجر إلا وينقض. هذه هي خبرتنا في مياه المعمودية حيث يحطم روح الله القدوس إنساننا القديم لكي لا يكون له أثر في حياتنا. فإن سلكنا بروح الله يقوم في داخلنا البناء الروحي الجديد الذي من عمل نعمة الله المجانية، أما إن عادت قلوبنا تطلب ما هو وراء يصير في داخلنا هيكل الخطية القديم وتتحول حياتنا إلى عمود ملح كامرأة لوط ونفقد بهاء ملكوت الرب فينا وأمجاده الفائقة.
    يقول القديس أمبروسيوس: [تشير هذه الكلمات إلى هيكل سليمان وهدمه بواسطة الأعداء قبل زمن الدينونة، لأنه لا يوجد عمل لأيدينا إلا ويتآكل ويُقاوم فيهلك أو تلتهمه النيران. وتشير أيضًا إلى مجمع يهودي... حيث يُهدم الهيكل المادي المنظور الذي للناموس المادي، وأيضًا الفصح المادي المنظور... ويصبح الهيكل روحيًا، والناموس روحيًا، والفصح أيضًا روحيًا.]
    2. ظهور مسحاء كذبة
    "وفيما هو جالس على جبل الزيتون تجاه الهيكل،
    سأله بطرس ويعقوب ويوحنا وأندراوس على انفراد:
    قل لنا متى يكون هذا؟
    وما هي العلامة عندما يتم جميع هذا؟
    فأجابهم يسوع وابتدأ يقول: انظروا لا يضلكم أحد.
    فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين: أني أنا هو،
    ويضلون كثيرين" [3-6].
    كان حديث السيد المسيح عن خراب الهيكل فرصة ليتحدث مع أربعة من تلاميذه على انفراد حديثًا خاصًا، هؤلاء الأربعة هم الذين اختارهم السيد ودعاهم للتلمذة قبل بقية التلاميذ، دعاهم اثنين فاثنين. وكما سبق فرأينا أنهم يمثلون الفرس المنطلقة بالمركبة الإلهية نحو السماء، أي المرتفعة بالكنيسة كمركبة نارية ملتهبة تنطلق من مجدٍ إلى مجدٍ نحو الحضن الإلهي. أو يمثلون أربعة حجارة حية أقامها السيد لبناء كنيسته الحيةّ. ولعل هؤلاء الأربعة يشيرون إلى الفضائل الأربعة اللازمة للكنيسة لتتمتع بمعرفة أسرار مجيئه الأخير: بطرس يشير إلى صخرة الإيمان، ويعقوب أي التعقب يشير إلى الجهاد أو المصارعة بلا توقف، ويوحنا أي الله حنان يشير إلى نعمة الله وحنانه، وأنداروس يعني "الجدية" أو "الرجولة" يشير إلى الانطلاق نحو الأبدية في جدية بلا تراخي. بمعنى آخر تمتع هؤلاء التلاميذ الأربعة بهذا الحديث الإلهي الخاص بمجيئه حتى ننعم نحن به إن كان في داخلنا هؤلاء الأربعة: الإيمان الذي يرفعنا عن الأرضيات نحو المسيّا المخلص، الجهاد العملي النابع عن إيماننا بالذي أحبنا، نعمة الله التي تتكئ عليها لتنقلنا من الأرضيات وترفعنا إلى الأبديات وأخيرًا الجدية في الطريق، إذ لا يعمل الله في المتهاونين.
    وقد تم هذا الحديث حين كان السيد المسيح جالسًا على جبل الزيتون تجاه الهيكل، ولم يكن هذا بلا معنى، فجبل الزيتون هو الجبل الذي يقف عليه الرب بقدميه في يوم الرب ليبيد الشر (زك 14: 4)؛ وهو الجبل الذي شرقي المدينة، عليه رفع الكاروبيم أجنحته وانطلق بالمركبة الإلهية لتفارق لا الهيكل وحده وإنما كل مدينة أورشليم (حز 11: 22-23). على هذا الجبل أعلن الرب مفارقته للهيكل القديم رافعًا أنظارنا إلى الهيكل الجديد الذي يقوم هو نفسه ببنائه في داخلنا، حيث يقيم ملكوته السماوي داخلنا.
    جبل الزيتون أيضًا هو كنيسة الله المقدسة التي يُغرس فيها المؤمنون كأشجار زيتون في بيت الرب، فيها يجلس الرب نفسه مع مؤمنيه ليحملهم إلى أسراره الإلهية الفائقة. يكشف لهم عن هدم الهيكل القديم، وقيام هيكل جديد في داخلهم لا يقدم ولا يشيخ، بل يتجدد على الدوام بروحه القدوس.
    أول علامة لمجيئه هي ظهور مسحاء وأنبياء كذبة لخداع البشرية، فيقيمون مملكة إبليس تحت ستار المسيح أو اسم الله. لعل السيد بدأ بها لخطورتها، ففي كل جيل يعمل عدو الخير بطرق كثيرة لخداع الكثيرين وسحبهم عن مملكة الله والتمتع بخلاصه.
    قدم لهم هذه العلامة في بداية حديثه عن نهاية الأزمنة وإعلان ملكوته الأبدي ليكشف لهم أن طريق الملكوت ضيق للغاية، يتطلب جهادًا لا ينقطع مع قوات الظلمة. فإن كان التلاميذ قد حزنوا حين سمعوا بخراب الهيكل تمامًا ونقض كل حجارته، فتساءلوا عن الزمان الذي يتحقق فيه ذلك، لعلهم ينعمون مع السيد في ملكوته ويكون لهم نصيب معه في الهيكل قبل خرابه الشامل سحب السيد المسيح قلوبهم من الحزن على هدم حجارة وأبنية إلى الاستعداد لمقاومة عدو الخير نفسه الذي يطلب هدم ملكوت الله في كل نفس. لذلك يقول معلمنا بولس الرسول: "أخيرًا يا إخوتي تقوّوا في الرب وفي شدة قوته، البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس، فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات" (أف 6: 10-12).
    كأن السيد المسيح يحذر تلاميذه طالبًا منهم ألا يرتبكوا بهدم الهيكل، بل بالحري يحذروا خداعات العدو الشرير الذي يقاوم تحت ستار اسم المسيح نفسه، مؤكدًا: "انظروا لا يضلكم أحد، فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين: إني أنا هو، ويضلون كثيرين".
    قال يوسيفوس المؤرخ اليهودي أن مزورين كثيرين وسحرة جذبوا إليهم كثيرين إلى البرية يخدعونهم، فمنهم من جنّ، ومنهم من عاقبه فيلكس الوالي. من بينهم ذلك المصري الذي ذكره الأمير حين قال لبولس الرسول: "أفلست أنت المصري الذي صنع قبل هذه الأيام فتنة، وأخرج إلى البرية أربعة الآلاف الرجل من القتلة؟" (أع 21: 38).
    إن كان كلمة الله يقدم كل الحب عمليًا ليجتذب النفوس إليه بالحق لتنعم بالاتحاد معه، فإن عدو الخير يخدع الكثيرين، ويضللَّهم بإرساله كثيرين يدعون التقوى ليضلوا النفوس، بل وأحيانًا يحملون اسم المسيح نفسه.
    يحذرنا الشهيد كبريانوس ليس فقط من عدو الخير الذي يختفي أحيانًا تحت اسم المسيح للخداع، وإنما من أنفسنا لئلا نحمل نحن اسم المسيح دون قوته، قائلاً: [كما أنه يخدع بالاسم وهو ليس المسيح حقيقة، هكذا من (يحمل الاسم) ولا يسكن في حق إنجيله والإيمان به لا يكون بحق مسيحيًا.]
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 6:32 am

    . قيام حروب وحدوث كوارث
    "فإن سمعتم بحروب وبأخبار حروب فلا ترتاعوا،
    لأنها لابد أن تكون.
    ولكن ليس المنتهى بعد.
    لأنه تقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة،
    وتكون زلازل في أماكن وتكون مجاعات واضطرابات.
    هذه مبتدأ الأوجاع" [8].
    هذه العلامة تسبق هدم الهيكل على يدّي تيطس الروماني، فقد التهبت المملكة الرومانية بنيران الحروب في الفترة ما بين صعود السيد المسيح وخراب الهيكل، منها الحرب التي اشتعلت في الإسكندرية حوالي عام 38م بين المصريين واليهود المقيمين فيها، والحرب التي نشبت في سلوكية وقُتل فيها خمسون ألفًا من اليهود. كما حدث هياج شديد بين اليهود والسامريين، وحدثت مجاعات كالتي تنبأ عنها أغابوس (أع 11: 28) وحدثت عام 49م. وتفشى وباء في روما عام 65م مات به ثلاثون ألفًا، كما حدثت زلازل في كريت عام 46م، وفي روما عام 51م، وفي أفاميا سنة 53م وفي لاذقية فريجية عام 60م، وفي أورشليم سنة 67م الخ.
    هذه العلامة من ظهور حروب وانقسامات وزلازل ومجاعات واضطرابات تسبق أيضًا نهاية العالم ومجيء السيد المسيح، فكلما اقترب اليوم الأخير شعر عدو الخير بانهيار مملكته وقيام ملكوت الله الأبدي في كنيسته السماوية يبذل كل طاقاته لسحب النفوس إليه وجذبهم عن السيد المسيح فيربكهم بأعمال بشرية محطمة للإنسان كالحروب وهياج الطبيعة نفسها كالزلازل والمجاعات، أما النفس الثابتة في المسيح فلا تضطرب، بل ترتفع فوق كل الأحداث الزمنية لتنعم بعربون ملكوته وتختبر سلامه الفائق.
    بنفس الفكر لا يطيق عدو الخير لقاءك مع مخلصك، فيثير حولك الكثير من الأحداث ليشغلك عنه ويحرمك من تجليه في قلبك. ليتك لا ترتبك بالحروب التي في داخلك ولا بالمجاعات والزلازل، بل ثق في السيد المسيح واهب السلام والشبع والراحة الحقيقية.
    يقول القديس أمبروسيوس: [بجوار الأوبئة والحروب والمجاعات نجد حروبًا أخرى يتعرض لها المسيحي هي حروب مختلف الشهوات والصراع بين الرغبات... فتارة تثيرنا الشهوة، وأخرى تشتعل العاطفة، وتارة يرعبنا الخوف، وأخرى تحاول أجناد الشر التي في السماويات (أف 6: 12) أن تخيفنا، أما الإنسان الشجاع فيقول: "إن قام عليّ جيش لا أخاف لأنك أنت معي" (مز 26: 3). يقف حتى وإن قام ضده جليات العملاق ليفترسه، يقوم وسط رعب الآخرين كداود المتواضع الذي ألقى أسلحة الملك على الأرض (1صم 17) وأمسك بمقلاع الإيمان الحقيقي، ليضع فيه حجر الإيمان الطاهر، به يكسر تجّبر المضطهد ويستهين بتهديداته، ولا يخشى سلطانه، فاستحق أن يتحدث عنه المسيح... يتقدم هذا الغالب الذي ضرب جليات بسيفه هو. يقبل الموت من أجل المسيح، فيهرب أمامه الفلسطينيون وتتقدم الفتيات كالنسور، وهن يقلن: "ضرب شاول ألوف وداود ربوات" (1 صم 18: 7). هذا دليل على أن الذين يغلبون هذا العالم سيسبقون الملوك.]
    4. حدوث مضايقات
    لا تقف العلامات عند الضيقة الخارجية العامة من حروب ومجاعات وأوبئة وزلازل، لكنها تدخل إلى ضيقة خاصة بالمؤمن نفسه، ليحمل صليب الرب، إذ يقول: "فانظروا إلى نفوسكم، لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس، وتُجلدون في مجامع، وتقفون أمام ولاة وملوك من أجلي شهادة لهم. وينبغي أن يُكرز أولاً بالإنجيل في جميع الأمم. فمتى ساقوكم ليسلموكم، فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا، بل مهما أُعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا، لأن لستم أنتم المتكلمين بل الروح القدس. وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت، والأب ولده. ويقوم الأولاد على والديهم ويقتلونهم. وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمي، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" [9-13].
    "المضايقات" بالنسبة لمؤمن ليست مجرد علامة وسط علامات كثيرة لمجيء السيد، إنما هي المناخ الحيّ الذي فيه يتجلى الرب المصلوب داخل القلب. فالضيق هو قبول صليب ربنا يسوع المسيح ليُعلن ملكوته داخلنا. الضيق ليس بالأمر العارض في حياة المؤمن لكنه يلازم المؤمن على الدوام حتى يعبر من هذا العالم كما من الضيقة العظيمة (رؤ 7: 14). هذا ما أعلنه لنا الرب بوضوح، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [نطق بهذا لكي بسماعهم عنه يستعدون لاحتمال الاضطهادات والشرور بصبر عظيم.]
    ويلاحظ في هذا الحديث الإلهي الآتي:
    أولاً: يقول الرب: "انظروا إلى نفوسكم"، بمعنى آخر مهما اشتدت الضيقة، وأيا كان مصدرها سواء من أصحاب سلاطين كالولاة والملوك أو من المقربين جدًا كالآباء والأبناء أو الإخوة فإن سرّ القوة أو الضعف يتوقف على أعماق النفس الداخلية. إن نظرنا بالإيمان إلى نفوسنا الداخلية نجد فيها رب المجد مالكًا بمجد داخلي وبهاء فلا تستطيع الضيقة أن تجتاز إلى نفوسنا بل تبقى في الخارج! يمكننا أن نقول إن انفتحت بصيرتنا على السماء الداخلية لا تقدر الأرض بكل خداعها وإمكانياتها أن تلحق بنا، بل يرفعنا الروح القدس فوق التراب ويحملنا أعلى من التيارات الزمنية ويحفظنا في سلام إلهي فائق.
    ثانيًا: إن كان الضيق يحل بالضرورة، فالكرازة بالإنجيل أيضًا لن تتوقف. وكأن ربنا يسوع يطمئننا أن عمل الله على الدوام يُقاوم، لكنه بالمقاومة يزداد قوة ويتجلى بأكثر بهاء.
    ثالثًا: يتحول الضيق إلى شهادة للمضايقين أنفسهم، ففيما يحسبون أنهم قادرون أن يكتموا صوت الحق بالسلطان الزمني والعنف، إذا بالحق يتجلى أمامهم، ويزداد صوته وضوحًا في فكرهم. هذا ما رأيناه حين أراد هيرودس أن يكتم أنفاس القديس يوحنا المعمدان، فصار صوت يوحنا يدوي في أذنيه حتى بعد استشهاده.
    رابعًا: إن مصدر الضيق الحقيقي ليس البشر، وإنما الحرب القائمة بين الله وإبليس، لهذا يليق بنا ألا نهتم بما نتكلم به، بل كما قال السيد: "لستم أنتم المتكلمون بل الروح القدس". روح الله هو قائد الكنيسة الذي أرسله الابن الصاعد إلى السماوات من عند أبيه ليتسلم تدبير الكنيسة وقيادتها.
    5. رجسة الخراب
    يقدم لنا السيد المسيح "رجسة الخراب" التي تحدث عنها دانيال النبي (دا 12: 11، راجع 9: 27، 11: 31) كعلامة خراب الهيكل، وأيضًا علامة من علامات نهاية الأزمنة ومجيء السيد المسيح الأخير. ويمكننا تلخيص الآراء في رجسة الخراب هكذا:
    أولاً: يرى بعض الآباء والدارسين أن رجسة الخراب تشير إلى دخول العدو بجنوده إلى الهيكل وتدنيسه قبل هدمه وحرق المدينة بالنار. يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [ربما يعني برجسة الخراب دخول الأعداء إلى المدينة بالقوة.]
    ثانيًا: جاء في سفر المكابيين الأول (1: 54) إلى تحقيق رجسة الخراب هذه عندما أقام أنتيخوس ابيفانيوس تمثال زيوس أولمبياس على مذبح المحرقة في الهيكل عام 167 ق.م (راجع أيضًا 2 مك 6: 2). ويرى البعض أن هذه الرجسة تكررت، فوضع بيلاطس تمثال قيصر في الهيكل، وحاول كالجولا Caligula أن يقيم لنفسه تمثالاً في هيكل أورشليم عام 40م تقريبًا، كما أقيم أيضًا تمثال لأدريان في قدس الأقداس نفسه لوقت طويل.
    ثالثًا: رفض فريق من المفسرين الرأيين السابقين إذ يروا أن النص اليوناني لا يشير إلى رجسة خراب خلال إقامة تمثال أو دخول جنود وثنيين، إنما إلى ظهور شخص حقيقي ضد المسيح يقيم نفسه إلهًا في الهيكل كقول الرسول بولس في الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي. وكأن هذه العلامة تشير إلى ظهور ضد المسيح الذي يقيم نفسه في هيكل الرب معبودًا.
    6. وصايا للدخول في الملكوت
    إذ قدم السيد لكنيسته علامات المنتهى من حلول ضيقات كالحروب والمجاعات والأوبئة والزلازل، وحلول مضايقات خاصة من أجل الكرازة بالإنجيل، وأعلن عن ظهور أنبياء كذبة ومسحاء خاصة ضد المسيح، وهبها وصايا خاصة تسندها في هذا الجو الصعب حتى يجتاز الضيقة المستمرة وتعبر به إلى ملكوته. سبق لنا الحديث عن هذه الوصايا في دراستنا لإنجيل متى الإصحاح الرابع والعشرين، لكننا نقول هنا أن هذا النص يحمل معنيين:
    أولاً: المعنى الحرفي، فقد قيل أن المسيحيين إذ رأوا علامات اقتراب خراب الهيكل هربوا من اليهودية وانطلقوا إلى الجبال كوصية سيدهم، فخلصوا من محاصرة تيطس لأورشليم ولم يسقطوا تحت الضيق الذي تمرر به اليهود.
    ثانيًا: المعنى الرمزي وهو لقاؤنا مع السيد المسيح القادم إلى قلوبنا ليتجلى كما على سحاب السماء، فيلزمنا أن ننطلق من يهودية الحرف القاتل إلى جبال الروح، لنعيش في حرية الإنجيل لا عبودية حرف الناموس. إن كان الرب يعلن لتلاميذه انه لا جدوى من مقاومة الرومان ولا من مسالمتهم ولا يمكن الاختفاء منهم في مدينة بل يلزم الهرب منهم على الجبال، هكذا يليق بنا إذ تشتد حروب الشيطان علينا ألا نقف أمامه ولا نهادنه بل نهرب إلى الرب نفسه بكونه الجبل المقدس الذي يحملنا فيه.
    في نص منسوب للقديس جيروم جاء: [هروبنا إلى الجبال يعني الصعود إلى أعالي الفضيلة حتى لا نهبط إلى أعماق الخطية.]
    هكذا من ارتفع إلى السطح، أي صعد على سلم الفضيلة، وصار على السطح، يرى مع الرسول بطرس الملاءة النازلة من السماء (أع 10: 11) لا يعود ينزل إلى الطبقات السفلى، ولا يطلب السفليات. بمعنى آخر من ارتفع فوق الأعمال الجسدانية وعاش في الروحيات يتنسم هواء الحرية النقي ويرى السماوات مفتوحة أمام عينيه فلا ينزل إلى مناقشاته القديمة ولا يطلب شهوات الجسد وأمور هذا العالم الزمني.
    هكذا من انطلق إلى حقل الكرازة فلا يرجع عن الخدمة ولا يعود يهتم بثوبه، أي بالجسديات.
    أما عن قوله "ويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام"، فيقول الأب ثيؤفلاكتيوس أنه يشير إلى ما فعلته اليهوديات في ذلك الوقت إذ طبخ النساء أطفالهن من شدة الجوع. ولعل الحبالى والمرضعات يشرن إلى النفوس التي لا تنضج بعد ولا أنجبت ثمار الروح، فلا تحتمل الضيقة ولا تقدر على الهروب بل تكون مثقلة كالحامل أو المرضعة.
    يُطلب منا أن نصلي ألا يكون هربنا في شتاء، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [يلزمنا أن نتجنب الخطية بحرارة لا ببرود وخمول.]
    7. الضيقة العظمى
    "لأنه يكون في تلك الأيام ضيق
    لم يكن مثله منذ ابتداء الخليقة التي خلقها الله إلى الآن ولن يكون.
    ولو لم يقصر الرب تلك الأيام لم يخلص جسد،
    ولكن لأجل المختارين الذين اختارهم قصّر الأيام" [19-20].
    حقًا إنها الضيقة العظمى التي يشهدها العالم بظهور ضد المسيح مقاومًا الكنيسة في العالم، لكنها ضيقة بسماح من الله لا تفلت من عنايته. يقصرّها الله من أجل مختاريه حتى لا تنهار نفوسهم.
    في العهد القديم كان الله يسمح بالضيقات تشتد لأجل توبة الساقطين، لكنه يعود فيترفق حتى لا تنحل الباقية التي التصقت بالرب وسط جيل ملتوٍ وشعب معاند. وفي أيام خراب الهيكل اشتدت الضيقة جدًا وقد وصفها المؤرخ يوسيفوس المعاصر لها بكلمات مرة وقاسية فذكر أن الرومان كانوا يأتون باليهود ويصلبونهم بالمئات في هزء وسخرية حتى ضاقت الساحات بالصلبان، واشتد الجوع بالنساء حتى طبخن أطفالهن. وكانوا يلقون بالكهنة عراة في الوحل ويقدمونهم طعامًا للحيوانات المفترسة. وقد قصرّ الرب الأيام من أجل المسيحيين الهاربين من اليهودية إلى الجبال حتى لا تلحق بهم. أما في أواخر الأيام حين يأتي ضد المسيح، فيحارب الكنيسة في كل موضع ولا يسمح لمؤمن أن يبيعٍ أو يشتري ما لم يضع سمة الوحش على جبهته أو يده اليمنى. ويقصرّ الله أيضًا الأيام من أجل المختارين.
    بنفس الروح في حياة كل واحد منا يسمح الله لنا بالضيق يشتد حتى الهزيع الأخير وحين نظن أنه لا نجاة، يتجلى على المياه محطمًا الأمواج، معلنًا ذاته لنا كمخلص للنفس والجسد معًا.
    8. ظهور أنبياء كذبة
    "حيئنذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هوذا هناك فلا تصدقوا.
    لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة،
    ويعطون آيات وعجائب لكي يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا.
    فانظروا أنتم، ها أنا قد سبقت وأخبرتكم بكل شيء" [21-23].
    هذا هو مركز الحديث، أن عدو الخير لا يتوقف عبر الأزمنة عن مقاومة ملكوت الله بكل قوة، خاصة في الأيام الأخيرة، مستخدمًا كل وسيلة للتضليل، كما فعل السحرة في أيام موسى. في الأيام الأخيرة يتفنن عدو الخير في عمل الآيات والعجائب لكي يضل لو أمكن المختارين، لكن الله يحفظ مختاريه.
    v كثيرون ينسبون لأنفسهم اسم المسيح ليخدعوا إن أمكن حتى المؤمنين.
    الأب ثيؤفلاكتيوس
    v عندئذ سُيحل الشيطان، فيعمل بكل قوته خلال ضد المسيح بطريقة باطلة ومدهشة... إنه يخدع الحواس الميتة بأوهام فيظهر كمن يعمل أعمالاً في الحقيقة هو لم يعملها؛ أو ربما يفعل عجائب حقيقية لكنها تضلل الناس عن الحق، إذ يحسبونها قوة إلهية.
    القديس أغسطينوس
    v لماذا يقول: "إن أمكن" كما لو كان يُشك فيهم مع أن الرب يعرف مقدمًا ما سيحدث؟ فإنه يحدث أحد أمرين: إن كانوا مختارين لا يمكن أن يضلوا وإن أمكن أن يضلوا فهم ليسوا مختارين... (قال هذا لإبراز مدى تضليل هؤلاء الكذبة).
    البابا غريغويوس (الكبير)
    9. انهيار الطبيعة
    "وأما في تلك الأيام بعد ذلك الضيق فالشمس تظلم،
    والقمر لا يعطى ضوءه.
    ونجوم السماء تتساقط،
    والقوات التي في السماوات تتزعزع" [24-25].
    يرى كثير من الآباء أن هذه الأمور تتحقق بطريقة حرفية قبيل مجيء السيد المسيح على السحاب، فينهار العالم المادي تمامًا ليظهر الملكوت السماوي الأبدي.
    جاءت هذه الصورة معلنة في سفر إشعياء النبي (ص 13: 9-13) تعلن عن يوم الرب القريب كيومٍ قاسٍ بسخط وحمو غضب، يبيد كل ما هو أرضي وما هو مادي! ولعله إذ يربط خراب الأرض وزعزعتها بزلزلة السماوات وفقدان كواكبها نورها، يود أن يعلن أن الذين في مجدهم حسبوا أنفسهم قد صاروا شمسًا أو قمرًا أو كواكب متلألئة لن يفلتوا من غضب الرب وإدانته لهم. هذا الفكر واضح ليس في إشعياء وحده ولكن في كثير من الأنبياء:
    "فإن نجوم السماوات وجبابرتها لا تبرز نورها. تظلم الشمس عند طلوعها، والقمر لا يلمع بضوئه، وأعاقب المسكونة على شرها والمنافقين على إثمهم، وأبطل تعظم المستكبرين وأضع تجبر العتاة... لذلكأزلزل السماوات، وتتزعزع الأرض من مكانها في سخط رب الجنود" (إش 13: 10-13).
    "ويفنى كل جند السماوات، وتلتف السماوات كدرج، وكل جندها ينتثر كانتثار الورق من الكرمة والسُقاط من التينة" (إش 34: 4).
    "وعند إطفائي إياك أحجب السماوات، وأظلم نجومها، وأغشي الشمس بسحاب، والقمر لا يعطي ضوءه، وأظلم فوقك كل أنوار السماء المنيرة، وأجعل الظلمة على أرضك يقول السيد الرب" (حز 32: 7-Cool. لعله هنا يشير إلى المؤمن وقد رفض نعمة الله بإصراره على الشر وقبوله خداعات العدو الشرير لم يعد مستحقًا أن يتمتع بنور شمس البرّ أي عمل المسيح فيه، ويحرم من نور القمر وضوئه أي من البركات الكنسية، كما يفقد التمتع بأنوار نجوم السماء إذ لا ينعم بشركة مع السمائيين أو القديسين. هكذا يفقد كل بركة وكل استنارة وتتحول أعماقه كما إلى أرض مظلمة لا ترى بصيصًا من النور السماوي.]
    "يكون في ذلك اليوم، يقول السيد الرب، إني أغيب الشمس في الظهر، وأقتم الأرض في يوم نور.وأحوّل أعيادكم نوحًا وجميع أغانيكم مراثي" (عا 8: 9-10).
    "قدامه ترتعد الأرض وترجف السماء. الشمس والقمر يظلمان، والنجوم تحجز لمعانها" (يؤ 2: 10).
    على أن الأحوال إذ يظهر السيد المسيح شمس البرّ، والكنيسة عروسه القمر السماوي، والمؤمنون كواكب أبدية، تختفي الشمس وتظلم القمر وتحجز النجوم لمعانها أمام هذا المنظر السماوي الأبدي الجديد.
    في نص منسوب للقديس جيروم يرى انهيار الطبيعة هنا هو انهيار روحي للنفوس التي قبلت ضد المسيح وسقطت تحت سلطانه الشرير ففقدت في حياتها كل استنارة داخلية، إذ يقول: [تظلم الشمس بسبب برود قلوبهم كما في فصل الشتاء، ولا يعطى القمر ضوءه بصفاء في ذلك الوقت، ونجوم السماء تحجز ضوءها عندما يختفي كل نسل إبراهيم الذي يشبّه بنجوم السماء (تك 22: 17)، وقوات السماء تثور للانتقام عندما يأتون مع ابن الإنسان في مجيئه.]
    10. مجيء ابن الإنسان
    "وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتيًا في سحاب بقوة كثيرة ومجد،
    فيرسل حينئذ ملائكته ويجمع مختاريه من الأربع الرياح
    من أقصاء الأرض إلى أقصاء السماء" [27].
    إذ ينحل العالم المنظور المادي يُعلن العالم الجديد غير المنظور السماوي وذلك بحضور كلمة الله المتجسد في سحاب بقوة كثيرة ومجد. يرى القديس أغسطينوس أن مجيئه في السحاب إنما يعني مجيئه في كنيسته كل يوم التي حملت السمة السماوية وارتفعت عن الفكر الزمني فصارت سحابًا سماويًا. يأتي الرب محمولاً على سحابة القديسين التي تحدث عنها الرسول بولس، قائلاً: "لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا" (عب 12: 1).
    يأتي رب المجد مع ملائكته كحصّادين يجمعون الثمار من أربع جهات المسكونة، ويرى القديس أغسطينوس أن الرب يجمع بملائكته آدم الذي سبق فتشتت في العالم فصار في المشارق والمغارب والشمال والجنوب، فكلمة آدم في اليونانية تحوي أربعة حروف هي الحروف الأولى للجهات الأربع:
    الشرق Amatole، الغرب Dysis، الشمال Arctos، الجنوب .Mesembria
    كأن الله يرى آدم وقد صار مبعثرًا في كل جهات المسكونة يجمعه ليرده لا إلى جنة عدن وإنما إلى الملكوت السماوي الأبدي.
    من كلمات الآباء عن هذا المجيء:
    v بحق نؤمن أنه سيأتي ليس فقط بذات الجسد، وإنما على السحاب، يأتي كما صعد إذ استقبلته سحابة عند صعوده (أع 10: 11).
    v رؤية ابن الإنسان (الناسوت) تظهر للأشرار، أما اللاهوت فلا يظهر إلا لأنقياء القلب وحدهم هؤلاء الذين يعاينونه الله (مت 5: Cool. لا يستطيع الأشرار أن يروا ابن الله بكونه مساويًا للآب، لكن ينظره الكل الأبرار والأشرار وهو يدين الأحياء والأموات.
    القديس أغسطينوس
    v لا يأتي المسيح خفية ولا بطريقة غامضة بل بكونه الله الرب، يأتي في مجد يليق باللاهوت ليحوّل كل شيء إلى ما هو أفضل. إنه يجدد الخليقة ويعيد تشكيل طبيعة الإنسان.
    القديس كيرلس الكبير
    11. مثل شجرة التين
    إذ قدم لنا العلامات الخاصة لمجيئه شبهها بأوراق شجرة التين التي متى ظهرت نعرف أن الصيف قريب. ما هو هذا الصيف الذي يقترب منّا إلا الأبدية التي تلتهب بنيران الحب الإلهي، ولا يعرف البرود الروحي له فيها موضعًا؟
    فهم كثير من الدارسين منذ عصر مبكر أن هذه الشجرة التي متى اخضر ورقها نعرف أن الصيف قريب هي الشعب اليهودي الذي صار كشجرة التينة التي سقطت تحت اللعنة بسبب جحودها (مر 15: 13-14). فإذ تعود إليها الحياة خلال عودتها للإيمان مرة أخرى في أواخر الدهور نعرف أن الزمان قد اقترب. هذا التفسير قام على كلمات الرسول بولس: "إن القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم، وهكذا سيخلص جميع إسرائيل" (رو 11: 25-26).
    جاءت أحداث وتصريحات كثيرة في الكتاب المقدس تعلن عن عودة اليهود في نهاية الأزمنة إلى قبول السيد المسيح بعد أن يكتشفوا خطأهم بصلبه ورفضهم إياه. فمن تلك الأحداث عودة مريم أخت موسى وهرون إلى المحلة بعد أن أصابهم البرص وبقيت سبعة أيام خارج المحلة ولم يرتحل الشعب حتى أُرجعت مريم (عد 12: 15). ففي رأي العلامة أوريجينوس أن مريم هنا تشير إلى الشعب اليهودي الذي أُصيب ببرص عدم الإيمان فصار خارج المحلة، حتى يعود في أواخر الدهور إلى المحلة من جديد مع كنيسة الأمم في العالم كله!
    12. تأكيد مجيئه
    أكد السيد المسيح مجيئه بقوله: "الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله. السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول" [30-31].
    تحقق قول السيد حرفيًا إذ شاهد بعض السامعين إن لم يكن جميعهم الأحداث الخاصة بخراب الهيكل وتحطيم أورشليم. أما بقية الأحداث فقد تحققت فعلاً بقبول الأمم للسيد المسيح في حياتهم وأنه قد جاء يعلن مجده في داخلهم.
    عبارة السيد المسيح التي بين أيدينا ألهبت الكنيسة في عصر الرسل، إذ حسبوا أنهم يعيشون في آخر الأزمنة بمعنى أنهم يشاهدون مجيئه على السحاب. وكان لهذا الإحساس أثر على حياتهم وسلوكهم وعبادتهم كما على مشاعرهم وأحاسيسهم، فعاش الغالبية بفكر إسخاتولوجي أي انقضائي؛ عاشوا على الأرض بأجسادهم أما قلوبهم فكانت في السماء.
    13. عدم معرفة الساعة
    قبل أن يختم حديثه بالدعوة للسهر أراد أن يوجه أنظار تلاميذه إلى عدم الانشغال بمعرفة الأزمنة والأوقات، إنما بالاستعداد بالسهر المستمر وترقب مجيئه، لهذا قال: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب" [32].
    هل يجهل السيد المسيح الساعة؟
    أولاً: يقول القديس أمبروسيوس أن السيد المسيح هو الديان وهو الذي قدم علامات يوم مجيئه لذا فهو لا يجهل اليوم. هذا وإن كان يوم مجيئه هو "السبت" الحقيقي الذي فيه يستريح الله وقديسوه فكيف يجهل هذا اليوم وهو "رب السبت" (مت 12: 18)؟
    ثانيًا: يرى القديس أغسطينوس أن السيد المسيح لا يجهل اليوم، إنما يعلن أنه لا يعرفه، إذ لا يعرفه معرفة من يبيح بالأمر. لعله يقصد بذلك ما يعلنه أحيانًا مدرس حين يُسأل عن أسئلة الامتحانات التي وضعها فيجيب أنه لا يعرف بمعنى عدم إمكانيته أن يُعلن ما قد وضعه، وأيضًا إن سُئل أب اعتراف عن اعترافات إنسان يحسب نفسه كمن لا يعرفها. يقول القديس أغسطينوس: [حقًا إن الآب لا يعرف شيئًا لا يعرفه الابن، لأن الابن هو معرفة الآب نفسه وحكمته، فهو ابنه وكلمته وحكمته. لكن ليس من صالحنا أن يخبرنا بما ليس في صالحنا أن نعرفه... إنه كمعلم يعلمنا بعض الأمور ويترك الأخرى لا يعرفنا بها. إنه يعرف أن يخبرنا بما هو لصالحنا ولا يخبرنا بالأمور التي تضرنا معرفتها.]
    كما يقول: [قيل هذا بمعنى أن البشر لا يعرفونها بواسطة الابن، وليس أنه هو نفسه لا يعرفها، وذلك بنفس التعبير كالقول: "لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم" (تث 13: 3)، بمعنى أنه يجعلكم تعلمون. وكالقول: "قم يا رب" (مز 3: 7)، بمعنى "اجعلنا أن نقوم"، هكذا عندما يُقال أن الابن لا يعرف هذا اليوم فذلك ليس لأنه لا يعرفه وإنما لا يظهره لنا.]
    بنفس الفكر يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بقوله "ولا ملائكة" يسد شفاهم عن طلب معرفة ما لا تعرفه الملائكة، وبقوله "ولا الابن" يمنعهم ليس فقط من معرفته وإنما حتى عن السؤال عنه.]
    هكذا أيضًا قال الأب ثيؤفلاكتيوس: [لو فقال لهم أنني أعرف الساعة لكنني لا أعلنها لكم لأحزنهم إلى وقت ليس بقليل لكنه بحكمة منعهم من التساؤل في هذا الأمر.] وقال القديس هيلاري أسقف بواتييه: إن السيد المسيح فيه كنوز المعرفة، فقوله إنه لا يعرف الساعة إنما يعني إخفاءه كنوز الحكمة التي فيه.
    ثالثًا: يرى القديس إيريناؤس أنه وإن كان السيد المسيح العارف بكل شيء لم يخجل من أن ينسب معرفة يوم الرب للآب وحده كمن لا يعرفه، أفلا يليق بنا بروح التواضع أن نقتدي به حين نُسأل في أمور فائقة مثل كيفية ولادة الابن من الآب أن نُعلن أنها فائقة للعقل لا نعرفها.
    14. دعوة للسهر
    ختم السيد المسيح حديثه عن مجيئه الأخير بدعوة تلاميذ لحياة السهر ترقبًا للقاء معه: "انظروا. اسهروا وصلوا، لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت. كأنما إنسان مسافر ترك بيته، وأعطى عبيده السلطان، ولكل واحد عمله، وأوصى البواب أن يسهر. اسهروا إذًا لأنكم لا تعلمون متى يأتي رب البيت، أمساء أم نصف الليل أم صياح الديك أم صباحًا. لئلا يأتي بغتة فيجدكم نيامًا" [33-36].
    يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [يعلمنا أمرين: السهر والصلاة، فإن كثيرين منا يسهرون لكنهم يقضون الليل في الشر.]
    يطالبنا السيد أن نسهر الليل كله لئلا يأتي السيد بغتة فيجدنا نيامًا، هنا يقسم الليل إلى أربعة أقسام كل قسم عبارة عن 3 ساعات (مساء، نصف الليل، صياح الديك، صباحًا)، وإن كان اليهود في فلسطين يفضلون تقسيمه إلى ثلاثة أقسام (لو 12: 38). على أي الأحوال واضح أن السهر الذي يسألنا السيد إياه يعني يقظة القلب الداخلي، ليقول المؤمن: "أنا نائمة وقلبي مستيقظ".
    1 و فيما هو خارج من الهيكل قال له واحد من تلاميذه يا معلم انظر ما هذه الحجارة و هذه الابنية
    2 فاجاب يسوع و قال له اتنظر هذه الابنية العظيمة لا يترك حجر على حجر لا ينقض
    3 و فيما هو جالس على جبل الزيتون تجاه الهيكل ساله بطرس و يعقوب و يوحنا و اندراوس على انفراد
    4 قل لنا متى يكون هذا و ما هي العلامة عندما يتم جميع هذا
    5 فاجابهم يسوع و ابتدا يقول انظروا لا يضلكم احد
    6 فان كثيرين سياتون باسمي قائلين اني انا هو و يضلون كثيرين
    7 فاذا سمعتم بحروب و باخبار حروب فلا ترتاعوا لانها لا بد ان تكون و لكن ليس المنتهى بعد
    8 لانه تقوم امة على امة و مملكة على مملكة و تكون زلازل في اماكن و تكون مجاعات و اضطرابات هذه مبتدا الاوجاع
    9 فانظروا الى نفوسكم لانهم سيسلمونكم الى مجالس و تجلدون في مجامع و توقفون امام ولاة و ملوك من اجلي شهادة لهم
    10 و ينبغي ان يكرز اولا بالانجيل في جميع الامم
    11 فمتى ساقوكم ليسلموكم فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون و لا تهتموا بل مهما اعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا لان لستم انتم المتكلمين بل الروح القدس
    12 و سيسلم الاخ اخاه الى الموت و الاب ولده و يقوم الاولاد على والديهم و يقتلونهم
    13 و تكونون مبغضين من الجميع من اجل اسمي و لكن الذي يصبر الى المنتهى فهذا يخلص
    14 فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة حيث لا ينبغي ليفهم القارئ فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية الى الجبال
    15 و الذي على السطح فلا ينزل الى البيت و لا يدخل لياخذ من بيته شيئا
    16 و الذي في الحقل فلا يرجع الى الوراء لياخذ ثوبه
    17 و ويل للحبالى و المرضعات في تلك الايام
    18 و صلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء
    19 لانه يكون في تلك الايام ضيق لم يكن مثله منذ ابتداء الخليقة التي خلقها الله الى الان و لن يكون
    20 و لو لم يقصر الرب تلك الايام لم يخلص جسد و لكن لاجل المختارين الذين اختارهم قصر الايام
    21 حينئذ ان قال لكم احد هوذا المسيح هنا او هوذا هناك فلا تصدقوا
    22 لانه سيقوم مسحاء كذبة و انبياء كذبة و يعطون ايات و عجائب لكي يضلوا لو امكن المختارين ايضا
    23 فانظروا انتم ها انا قد سبقت و اخبرتكم بكل شيء
    24 و اما في تلك الايام بعد ذلك الضيق فالشمس تظلم و القمر لا يعطي ضوءه
    25 و نجوم السماء تتساقط و القوات التي في السماوات تتزعزع
    26 و حينئذ يبصرون ابن الانسان اتيا في سحاب بقوة كثيرة و مجد
    27 فيرسل حينئذ ملائكته و يجمع مختاريه من الاربع الرياح من اقصاء الارض الى اقصاء السماء
    28 فمن شجرة التين تعلموا المثل متى صار غصنها رخصا و اخرجت اوراقا تعلمون ان الصيف قريب
    29 هكذا انتم ايضا متى رايتم هذه الاشياء صائرة فاعلموا انه قريب على الابواب
    30 الحق اقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله
    31 السماء و الارض تزولان و لكن كلامي لا يزول
    32 و اما ذلك اليوم و تلك الساعة فلا يعلم بهما احد و لا الملائكة الذين في السماء و لا الابن الا الاب
    33 انظروا اسهروا و صلوا لانكم لا تعلمون متى يكون الوقت
    34 كانما انسان مسافر ترك بيته و اعطى عبيده السلطان و لكل واحد عمله و اوصى البواب ان يسهر
    35 اسهروا اذا لانكم لا تعلمون متى ياتي رب البيت امساء ام نصف الليل ام صياح الديك ام صباحا
    36 لئلا ياتي بغتة فيجدكم نياما
    37 و ما اقوله لكم اقوله للجميع اسهروا
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 8:02 am

    الأصحاح الرابع عشر
    الإعداد للصليب
    في الأصحاح السابق جلس السيد المسيح على جبل الزيتون ليعلن لأربعة من تلاميذه علامات المنتهى، ساحبًا قلوبهم إلى سماواته، مؤكدًا لهم أنه يرعى مختاريه بالرغم مما يجتازونه من ضيقات خاصة في أواخر الدهور. وجاء الأصحاح الذي بين أيدينا يقدم لنا صورة للبشرية التي لا تطيق السيد المسيح فتريد أن تطرده. اجتمع رؤساء الكهنة مع الكتبة يطلبون قتله لكنهم خافوا الشعب؛ ووجد يهوذا التلميذ الفرصة سانحة لتسليم سيده من أجل قليل من الفضة. هكذا بينما يفتح السيد سماواته مشتاقًا أن يجمع الكل فيها، إذا بالقيادات الدينية حتى بين تلاميذه من يسلمه للموت.
    لكن وسط هذه الصورة المؤلمة وُجدت امرأة محبة تسكب الطيب كثير الثمن على رأس السيد ليمتلئ بيت سمعان الأبرص برائحته الذكية، ومع هذا لم تسلم هذه المرأة من النقد اللاذع.
    على أي الأحوال إذ اقترب الفصح كانت الأمور تجري نحو الصليب لذبح الفصح الحقيقي، القادر أن يعبر بنا خلال آلامه وموته إلى قوة قيامته:
    1. تدبير رؤساء الكهنة والكتبة قتله 1- 2.
    2. كسر قارورة الطيب 3-9.
    3. خيانة يهوذا 10-11.
    4. وليمة الفصح 12-16.
    5. إعلان عن الخيانة 17-21.
    6. تأسيس الأفخارستيا 22-26.
    7. إعلان عن شك التلاميذ فيه 27-31.
    8. ذهابه إلى جثيسيماني 32-42.
    9. القبض عليه 43-52.
    10.محاكمته دينيًا 53-65.
    11.إنكار بطرس 66-72.
    1. تدبير رؤساء الكهنة والكتبة قتله
    "وكان الفصح وأيام الفطير بعد يومين،
    وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه.
    لكنهم قالوا ليس في العيد، لئلا يكون شغب في الشعب" [1-2].
    يميز العهد القديم بين عيد الفصح وعيد الفطير، فكان خروف الفصح يُذبح في اليوم الرابع عشر من الشهر الأول في المساء، ويبدأ عيد الفطير في الخامس عشر لمدة أسبوع. لكن ارتبط العيدان معًا في ذهن اليهود وكأنهما صارا عيدًا واحدًا، لهذا يُستخدم تعبير "عيد الفطير" ليشمل الفصح أيضًا، كما يطلق اسم "الفصح" على عيد الفطير أيضًا.
    لقد اتفق رؤساء الكهنة والكتبة على تدبير خطة لقتل السيد المسيح بعد العيد خوفًا من الجماهير، ولم يدركوا أن السيد المسيح قد جاء فصحًا عن العالم، بل هو الفصح الحقيقي ذُبح في العيد. كان رب المجد يتمم خطته الخلاصية بفرح وسرور مستهينًا بالخزي ليقبل كل نفس إليه، وكان قادة الفكر اليهودي يتممون خطتهم للخلاص منه وطرده لا من أورشليم، بل من الأرض كلها، بقتله!
    مساكين هم رؤساء الكهنة والكتبة، فقد التهبت قلوبهم بالحسد، فلم ينشغلوا بالإعداد الروحي لعيد الفصح. إذ كان يليق بهم أن يرشوا الكتاب المقدس بالدم وأيضًا قوائم أفكارهم، ويضعوا الخيط القرمزي على باب صلواتهم ويربطوه على قلوبهم، فيدركوا أن السيد المسيح الذي ظهر في أيامهم هو الفصح الحقيقي.
    خلال حسدهم الشرير لم يتعرفوا على الحمل الحقيقي، ولا فهموا الذبيحة الرمزية التي بين أيديهم بكل أسرارها، هذه التي أدركها الآباء وعاشوها. ففي نص منسوب للقديس جيروم جاء [لقد رُمز لآلام المسيح وخلاص الشعب من الجحيم بذبيحة الحمل وعبور الشعب البحر منطلقين من مصر. لقد افتقدنا (في عيد الفصح) حين كان القمر في كماله إذ لم يكن في المسيح أي نصيب للظلمة. لنأكل جسد الحمل الذي بلا عيب، هذا الذي ينزع خطايا العالم، لنأكله في بيت واحد، أي في الكنيسة الجامعة المرشوشة بالحب والحاملة سلاح الفضيلة.]
    كان رؤساء الكهنة والكتبة يدبرون قتله ولم يدركوا أنهم حتى في شرهم يتممون خطة السيد المسيح الذي حدد بنفسه يوم آلامه ليصلب في عيد الفصح!
    2. كسر قارورة الطيب
    "وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص وهو متكئ
    جاءت امرأة معها قارورة طيب نادرين خالص كثير الثمن،
    فكسرت القارورة وسكبته على رأسه" [3].
    كان السيد في بيت عنيا، أي في بيت العناء أو الألم، عيناه تنظران إلى الصليب بسرور، كقول الرسول بولس: "الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب 12: 2). وكان يرى التحركات الضخمة والسريعة بين جميع القيادات اليهودية المتضاربة، تعمل معًا لأول مرة بهدف واحد، هو الخلاص منه! وسط هذا الجو المّر وُجدت امرأة استطاعت أن تلتقي به في بيت سمعان الأبرص لتقدم حبها الخالص وإيمانها الحيّ العملي، لتتقبل من السيد مديحًا ومجدًا أبديًا!
    التقت بالسيد في بيت سمعان الأبرص، وقد دُعي هكذا لأنه كان أبرصًا وطهره السيد، وقد حمل هذا الاسم تذكارًا لما كان عليه ليمجد السيد المسيح الذي طهّره.
    ولعل بيت سمعان الأبرص يشير إلى الكنيسة التي ضمت في داخلها من الشعوب والأمم أولئك الذين سبقوا فتنجسوا ببرص الخطية وقد طهرههم السيد بدمه المبارك! في هذه الكنيسة توجد امرأة، لم يذكر الإنجيلي اسمها ولا مركزها إذ هي تشير إلى كل نفس صادقة في لقائها مع السيد.
    تشير قارورة الطيب الناردين الخالص كثير الثمن إلى الحب الداخلي، حب النفس لمخلصها، هذا الذي رائحته تملا الكنيسة كلها وترتفع إلى السماوات عينها، إن كسرت القارورة، أي احتمل الإنسان الألم وقبل الموت اليومي من أجل المصلوب.
    إن كان اسم السيد المسيح دهن مهراق (1: 2)، فاحت رائحته الذكية حين أُهرق دمه مجتازًا المعصرة وحده، فإن الكنيسة بدورها تقدم حياتها مبذولة كقارورة طيب منكسرة لتعلن رائحة محبتها الداخلية.
    أما عن سكب الطيب على رأس السيد، ففي نص منسوب للقديس جيروم قيل أن المرأة سكبت الطيب من القدمين حتى بلغت الرأس، لكن الإنجيلي حسبها سكبته على رأسه. ولعل ذلك يشير إلى نظرة السيد المسيح إلى أعمال المحبة أنها جميعًا تقدم لحسابه. فما قدمه للفقراء والمساكين والمرضى والمسجونين والمتضايقين والحزانى من أعمال محبة إنما يتقبله السيد المسيح نفسه كرأسٍ الكل. بمعنى آخر نحن نسكب الطيب على الأعضاء فيُنسب هذا العمل إلى الرأس، ويحسبنا سكبناه عليه.
    لم يطق يهوذا محب الفضة هذا العمل الكنسي المفرح، إذ كان يود أن يُقدم ثمن القارورة له ليضعه في الخزانة لحساب الفقراء فينهبه. لهذا أثار تبرمًا وسط المحيطين به، إذ يقول الإنجيلي: "وكان قوم مغتاظين في أنفسهم، فقالوا: لماذا كان تلف الطيب هذا؟ لأنه كان يمكن أن يُباع هذا بأكثر من ثلاث مئة دينار ويعطى للفقراء وكانوا يؤنبونها" [5].
    لم يهتم يهوذا أنه يفقد حياته كلها وخلاصه الأبدي، لكنه أثار نفوس التلاميذ لأجل ما يراه فقدانًا بالنسبة لأكثر من ثلاثمائة دينار!
    في نص منسوب للقديس جيروم ورد التفسير للقصة بمفهوم رمزي، إذ قيل:
    [سمعان الأبرص يعني العالم الذي كان دنسًا (أبرصًا بعدم الإيمان) لكنه تحوّل إلى الإِيمان. المرأة بقارورة الطيب إيمان الكنيسة القائلة: "أفاح نارديني رائحته" (نش 1: 12). دُعي ناردين خالص بكونه الإِيمان الثمين. البيت الذي امتلأ من رائحته هو السماء والأرض. أما كسر القارورة فهو كسر الشهوات الجسدية عند الرأس الذي به تشكّل الجسد كله، فقد تنازل الرأس وأخلى ذاته حتى يستطيع الخاطيء أن يبلغ إليه. هكذا انطلقت المرأة من القدمين إلى الرأس، ونزلت من الرأس إلى القدمين، أي بلغت بالإِيمان إلى المسيح وأعضائه.]
    لقد حسب يهوذا هذا الطيب خسارة، لأن يساوي أكثر من ثلاثمائة دينار، ولم يدرك أن ما قد حسبه خسارة هو ربح في عيني الرب الذي يشتاق أن يتقبل من كل إنسان ذات الطيب. فان رقم 300 يشير إلى تقديس الإنسان تقديسًا كاملاً خلال الطاعة لوصية الله في الداخل والخارج فإن كان رقم 300 هو محصلة (10×10×3)، فإن رقم 10 الأولى تشير إلى طاعة الوصية (الوصايا العشر)، ورقم 10 الثاني يشير إلى تقديس الحواس الخفية (خمسة حواس) والظاهرة، ورقم 3 يشير إلى تقديس النفس والجسد والروح بالتمتع بالحياة المقامة التي في المسيح يسوع الذي قام في اليوم الثالث، كما يشير رقم 3 إلى تقديس النفس والجسد والروح خلال الإيمان بالثالوث القدوس.
    على أي الأحوال إن كانت هذه المرأة قد انتقدها الناس لكنها تمتعت بمديح الرب نفسه الذي أعلن ارتباط قصتها بالكرازة بإنجيله في العالم كله!
    أخيرًا فان قصة سكب الطيب على السيد المسيح وردت في الأناجيل الأربعة (مت 26: 6؛ مر 14: 3؛ لو 7: 21؛ يو 12: 3). وواضح من الأناجيل أن سكب الطيب تكرر أكثر من مرة، وقد اختلفت الآراء في تحديد شخصيات هؤلاء النسوة اللواتي سكبن الطيب، غير أن الرأي السائد هو:
    أولاً: المرأة المذكورة في إنجيل يوحنا هي مريم أخت لعازر.
    ثانيًا: المرأة المذكورة في إنجيل لوقا هي خاطئة قامت بهذا العمل إثناء خدمة السيد.
    ثالثًا: المرأة المذكورة في إنجيلي متى ومرقس سكبت الطيب في أيام البصخة، يرى البعض أنها غير الخاطئة، ويرى آخرون أنها هي بعينها الخاطئة سكبته وهي خاطئة تطلب بدموع المغفرة وأخرى تقدمه طيب حب وشكر أثناء البصخة، بل ويرى آخرون أنها مريم أخت لعازر ومرثا.
    3. خيانة يهوذا
    "ثم أن يهوذا الإسخريوطى واحدًا من الإثنى عشر
    مضى إلى رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم.
    ولما سمعوا فرحوا ووعدوه أن يعطوه فضة،
    وكان يطلب كيف يسلمه في فرصة موافقة" [10-11].
    إن كانت الكنيسة تضم امرأة بسيطة تكسر القارورة لتسكب الطيب ناردين كثير الثمن على رأس السيد فيمتلئ البيت من رائحته الذكية، فإنه يختفي حتى من بين التلاميذ من يسلمه في أيدي الأعداء. فالكنيسة تضم في داخلها قديسين هم أعضاء حقيقيون في جسد المسيح، كما تضم من لهم اسم المسيح في الخارج أما قلوبهم فمنحلة عنه تمامًا. هؤلاء بالحقيقة ليسوا أعضاء بل هم مفروزون منها حتى ولو لم يفرزهم أحد!
    والعجيب أن الخائن يحمل اسم يهوذا، وهو اسم ذات السبط الذي خرج منه السيد المسيح بالجسد، فبينما يقدم لنا يهوذا الأسد الخارج ليحطم عدو الخير الأسد الذي يجول زائرًا يلتمس من يبتلعه (1 بط 5: Cool، إذا بالشيطان يقتنص تلميذًا يحمل ذات الاسم ليكون أداة لتسليم الرب.
    إن كان اسم "يهوذا" معناه "يحمد" أو "يعترف"، فإن يهوذا هذا يمثل الذين يحملون اسم المسيح، كهنة أو شعبًا، يحمدون الرب بلسانهم ويعترفون بالإيمان بشفاههم أما قلوبهم وأعمالهم فأداة للتحطيم. إنهم كعدو الخير الذي قيل أنه يؤمن ويرتعب (يع 2: 19)، لكنه لا يحمل في قلبه حبًا بل عداوة وبغضة. مثل هؤلاء أخطر من الأعداء الخارجين، فإنه ما كان يمكن لرؤساء الكهنة أن يقبضوا على السيد بدون يهوذا! أقول هذا لكي نحذر لا الآخرين بل أنفسنا، فإنه لا يستطيع عدو الخير الخارجي (إبليس) أن يأسر مسيحنا الداخلي أو يصلبه ويشهر به ما لم نسلمه نحن له. لهذا يحذرنا السيد المسيح: "أعداء الإنسان أهل بيته" (مت 10: 36)، أي حياته الداخلية وإرادته الشريرة.
    حين يفسد "يهوذنا" أي "إيماننا" بانحلاله عن الحب، يُسلم القلب للعدو، ويصلب السيد المسيح مرة أخرى ويشَّهر به... أما ثمن هذا فقليل من الفضة الغاشة يعده بها العدو.
    يا للعجب يسلم القلب الخائن مسيحه، كلمة الله، الفضة المصفاة سبع مرات (مز 12: 6) مقابل فضة غاشة من أيدٍ شريرة! يُقدم السماوي أسيرًا، لينعم بقليل من الأرضيات يعود فيتركها ويشنق نفسه!
    فيما يلي بعض تعليقات الآباء على قصة خيانة يهوذا:
    v لماذا تخبرني عنه "الإسخريوطي"؟... لأنه يوجد تلميذ آخر يدعى يهوذا الغيور، أخ يعقوب، خشي (الإنجيلي) لئلا يحدث خلط بينهما، فميّز الواحد عن الآخر. لكنه لم يقل عنه "يهوذا الخائن" حتى يعلمنا إلا نندد بأحد، بل نتجنب اتهام الآخرين. على أي الأحوال بقوله "واحد من الإثني عشر" أبرز بشاعة جريمة الخائن، إذ وجد سبعون آخرون لم يمتثل أحدهم به ولا اشترك معه في تصرف كهذا. أما هؤلاء الإثنا عشر الذين اختارهم السيد كانوا الجماعة الملوكية خرج منها هذا الخائن الشرير.
    v يا للجنون! نعم فإن محبة المال التي للخائن وطمعه جلبا كل هذا الشر.
    محبة المال تستولي على النفوس التي تتقبلها، وتقودها إلى كل طريق عندما تقيدها، وتنسى النفوس كل شيء وتجعل أذهانها في حالة جنون!
    لقد أُسر يهوذا مجنون محبة المال هذا، فنسى المحادثات ومائدة المسيح وتلمذته وتحذيرات المسيح وتأكيداته.
    القديس يوحنا الذهبي الفم
    v كان واحدًا من الإثنى عشر في العدد، في الاستحقاق حسب الجسد لا الروح!
    ذهب إلى رئيس الكهنة بعد أن خرج ودخله الشيطان. كل كائن يتحد بمثاله!
    v لقد وعد أن يخون السيد كما سبق فقال الشيطان لسيده: "لك أعطي هذا السلطان" (لو 4: 6)...
    هم وعدوه بالمال، فخسروا حياتهم التي خسرها هو أيضًا باستلامه المال.
    نص منسوب للقديس جيروم
    v يقول: "واحد من الاثني عشر". هذا أمر غاية في الأهمية إذ يوضح خطية الخيانة بأكثر جلاء، فإن الذي كرّمه مساويًا إياه بالبقية وزينه بالكرامات الرسولية، وجعله محبوبًا، وضمه للمائدة المقدسة... صار طريقًا ووسيلة لقتل المسيح.
    القديس كيرلس الكبير
    4. وليمة الفصح
    كما اهتم السيد المسيح بدخوله أورشليم، فأرسل تلميذين يحضران له الأتان والجحش، نجده هنا في اليوم الأول من الفطير، إذ كانوا يذبحون الفصح أرسل اثنين من تلاميذه إلى المدينة، فيلاقيهما إنسان حامل جرة ماء، غالبًا هو القديس مرقس كما جاء في التقليد القبطي، يتبعاه وحيثما يدخل يطلبان رب البيت أن يريهما العلية التي يعداها ليأكل السيد الفصح مع تلاميذه. هذه العلية الكبيرة هي علية القديسة مريم والدة القديس مرقس، وقد صارت أول كنيسة مسيحية في العالم، حيث أقام فيها السيد المسيح بنفسه سرّ الإفخارستيا، وفيها كان يجتمع التلاميذ، وقد حّل علليهم الروح القدس في يوم الخمسين في ذات الموضع.
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 8:03 am

    يلاحظ في النص الذي بين أيدينا الآتي:
    أولاً: اهتم التلاميذ بالتمتع بوليمة الفصح مع معلمهم، إذ قالوا له: "أين تريد أن نمضي ونعد الفصح؟" [12]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بينما كان يهوذا يخطط كيف يسلمه، كان بقية التلاميذ يهتمون بإعداد الفصح.] وقد كشف لنا هذا السؤال ليس فقط أن السيد لم يكن له مسكن يقيم فيه ليعد فيه الفصح بل حتى تلاميذه لم يكن لهم مساكن يستقرون فيها، بل وجدوا استقرارهم وراحتهم في معلمهم ربنا يسوع المسيح.
    لم يستأذن التلاميذ المعلم لكي يذهب كل واحدٍ إلى عائلته يشترك معها في وليمة الفصح، إنما أدركوا أنهم قد صاروا به عائلة واحدة حتى وإن كانوا من أسباط متنوعة، يلتقون معًا فيه لينعموا بالفصح الواحد؛ هكذا ارتبطوا في وحدة حقه أساسها الاتحاد مع مخلصهم بالحب، رفعتهم إلى ما هو أعظم من وحدة الرباط الدموي.
    في سؤال التلاميذ أيضًا تسليم كامل للمخلص، يسألونه في كل صغيرة وكبيرة، ليست لهم شهوة أن يذهبوا إلى موضع معين يقترحونه عليه، لكن شهوتهم الوحيدة أن يوجدوا معه على الدوام.
    ثانيًا: أرسل السيد اثنين من تلاميذه ليعدوا الفصح، هما بطرس ويوحنا (لو 22: Cool. فإن كان رقم 2 يشير إلى الحب، فإننا لا نستطيع أن نقدم للسيد المسيح قلبنا عُلية يقيم فيها ذبيحة صليبه بدون الحب. هذا وإن كان بطرس يمثل الإيمان ويوحنا يمثل المحبة فإن السيد أرسل الإيمان العامل بالمحبة ليهيئ كل قلب بسيط كعلية يجتمع فيها بنفسه مع تلاميذه، يقيم فيها مذبحة الخفي، ويتقدم هو كرئيس يعلن صليبه ويؤسس فيها ملكوته الروحي.
    ثالثًا: لم يخبرهما السيد المسيح عن اسم صاحب العلية، إذ كان معروفًا لهم، ألا وهو والد القديس مرقس الرسول. لكنه اكتفى بتقديم علامة، قائلاً: "اذهبا إلى المدينة فيلاقيكما إنسان حامل جرة ماء. اتبعاه. وحيثما يدخل فقولا لرب البيت: إن المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذي" [13-14]. فلماذا اكتفى السيد بتقديم هذه العلامة:
    أ. يرى القديس كيرلس الكبير أن الشيطان قد دخل قلب يهوذا وكانت جريمة قتل مخلصنا المسيح قد ثارت فيه، لذلك أخفى السيد اسم صاحب العلية حتى لا يخطط يهوذا لتسليم السيد وهو في العلية.
    ب. يقدم القديس كيرلس الكبير تفسيرًا آخر، بقوله: [ربما تكلم بهذا ليعني سرًا ضروريًا: وهو حيث يوجد الماء في المعمودية المقدسة يقيم المسيح. كيف وبأي وسيلة؟ بكونها تحررنا من كل نجاسة ، فنغتسل بها من أدناس الخطية، فنصير هيكل الله المقدس ونشاركه طبيعته الإلهية بواسطة شركة الروح القدس. فلكي يستريح المسيح فينا ويقطن داخلنا لنتقبل المياه المخلصة، معترفين بالإيمان الذي يبرر الأشرار، ويرفعنا إلى أعلى حتى نحسب نحن "علية". فإن الذين يسكنهم المسيح بالإيمان لهم فكر عالٍ مرتفع، لا يرغبون في الزحف على التراب، أقول ويرفضون البقاء على الأرض طالبين على الدوام السمو في الفضيلة. قيل: "أقوياء الله برتفعون على الأرض"، "لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة" (عب 13: 14)، فبينما يسيرون على الأرض إذا بأفكارهم تستقر في العلويات، ويكون مسكنهم في السماويات (في 3: 20).]
    يتحدث الأب ثيؤفلاكتيوس عن جرة الماء هذه فيقول: [من يعتمد يحمل جرة ماء، ومن يحمل معمودية علية يستريح إن عاش بتعقل، ينال راحة كمن يدخل في بيت.]
    لكي ننعم بفصح المسيح يلزمنا أن ننعم بمياه المعمودية فترفعنا إلى علية الروح عوض الحرف القائل، وكما يقول الآب ثيؤفلاكتيوس: [رب البيت هو العقل الذي يشير إلى العلية الكبيرة أي إلى الأفكار العلوية، التي بالرغم من علوها لكنها لا تحمل كبرياءً ولا مجدًا باطلاً، بل تعد وتُهيأ خلال التواضع. هناك، في فكر كهذا يُعد فصح المسيح بواسطة بطرس ويوحنا أي خلال العمل والتأمل.]
    أيضًا يقول القديس أمبروسيوس [ليت الرب يسمح لي أنا أيضًا أن أحمل جرة الماء كما فعل رب البيت صاحب العلية المفروشة‍! ماذا أقول عن الماء؟ كان "روح الرب يرف على وجه المياه" (تك 1: 2). أيتها المياه التي علت فوق الكون الذي تدنس بالدم البشري وكنتِ رمزًا للمعمودية العلوية! أيتها المياه التي وُهبت أن يكون لها سرّ المسيح فتغسل الكل!... أنت تبتدئين ثم تكملين الأسرار، فيكِ البداية وأيضًا النهاية!]
    رابعًا: يكمل السيد حديثه قائلاً: "فهو يريكما علية كبيرة مفروشة مُعدة، هناك أعد لنا" [15]. يقول القديس أمبروسيوس: [العلية المفروشة تشير إلى عظم استحقاق صاحبها، حتى أن الرب نفسه مع تلاميذه يستطيعون أن يستريحوا فيها، أو تشير إلى زينة فضائله العالية.]
    5. إعلانه عن الخيانة
    "ولما كان المساء جاء مع الاثني عشر.
    وفيما هم متكئون يأكلون قال يسوع:
    الحق أقول لكم أن واحدًا منكم يسلمني، الآكل معي.
    فابتدأوا يحزنون ويقولون له واحدًا فواحدًا. هل أنا؟ وآخر هل أنا.
    فأجاب وقال لهم: هو واحد من الاثني عشر الذي يغمس معي في الصحفة.
    إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه،
    ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يُسلم ابن الإنسان.
    كان خير لذلك الرجل لو لم يولد" [17-21].
    إذ سبق فأعلن السيد المسيح أكثر من مرة عن تسليمه وموته وقيامته ليسند تلاميذه عندما يواجهون الأحداث نراه الآن يعلن عن "الخيانة" ليعطي مسلمه فرصة التوبة والرجوع إن أراد. حقًا لقد سبق الكتاب فأنبأ عن الخائن، لكن لم يلزم الله يهوذا أن يخون، ولا يمكن له أن يحتج بأن فيه تحققت النبوة عن الخيانة، فإن سابق معرفة الله للأمر لا تلزمه بالتنفيذ ولا تعفيه من المسئولية. ولو أن قلب يهوذا تحرك بالتوبة لتمت أحداث الصليب بطريقة أو أخرى يخططها الرب دون هلاك يهوذا.
    في إعلان السيد المسيح عن الخيانة لم يذكر اسم الخائن حتى لا يحرج مشاعره وأحاسيسه لعله يرجع عن رأيه، وفي نفس الوقت أعطى علامة عندما ابتدأ التلاميذ يحزنون حتى لا يسقطوا في اليأس. كان السيد لطيفًا ورقيقًا حتى مع الخائن، لكنه أيضًا حازمًا وصريحًا معه، مستخدمًا كل أسلوب للحث على التوبة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [واضح أنه لم يعلن عنه صراحة حتى لا يجعله في عارٍ أشد، وفي نفس الوقت لم يصمت تمامًا لئلا يظن أن أمره غير مكشوف، فيسرع بالأكثر لعمل الخيانة بجسارة.]
    إذ أعلن السيد عن هذه الخيانة المُرة ابتدأ كل تلميذ يسأل المعلم: هل أنا؟ فمع ثقتهم في أنفسهم أنهم لن يخونوا السيد، لكن ثقتهم في كلمات الرب أعظم من ثقتهم في أنفسهم، فتشكك كل واحد في نفسه وخشي لئلا يسقط في هذا العمل الشرير.
    قدم لهم السيد الإشارة "الذي يغمس في الصحفة"، ثم أعلن في حزم عن مصير هذا الخائن المسكين. يقول القديس كيرلس الكبير: [وبُخ يهوذا الخائن الذي كان يأكل معه بالكلمات التي قالها المسيح... لعله في فقدانه التام للحس، أو بالحري إذ امتلأ بكبرياء إبليس، حسب أنه قادر على خداع المسيح بالرغم من كونه الله. ولكن كما قلت كان مقتنعًا بكونه شريرًا تمامًا ومبغضًا لله وخائنًا ومع ذلك فمن قبيل اللطف انضم إلى المائدة وحُسب كأنه مستحق للطف الإلهي حتى النهاية، بهذا صارت دينونة أعظم. فقد قال المسيح في موضع آخر خلال المرتل: "لأنه ليس عدوي يعيرني فأحتمل، ليس مبغضي تعظّم علىّ فأختبئ منه، بل أنت إنسان عديلي أليفي وصديقي، الذي معه كانت تحلو لنا العشرة إلى بيت الله كنا نذهب في الجمهور (اتفاق)" (مز 55: 12-14)" .]
    6. تأسيس الإفخارستيا
    كانت أحداث الصلب تجري حول السيد المسيح، هذه التي أعلن عنها بكونها طريق الخلاص الذي يقدمه السيد نفسه، فقد قدم لكنيسته عبر الأجيال جسده المصلوب القائم من الأموات ودمه المبذول عفرانًا للخطايا. قدم لكنيسته ذبيحة الصليب الواحدة غير المتكررة خلال سرّ الإفخارستيا، مائدة الرب واهبة الحياة.
    "وفيما هم يأكلون أخذ يسوع خبزًا وبارك وكسر وأعطاهم،
    وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي.
    ثم أخذ الكأس وشكر وأعطاهم فشربوا منها كلهم.
    وقال لهم: هذا هو دمي الذي للعهد الجديد،
    الذي يسفك من أجل كثيرين" [22-24].
    ماذا يعني بقوله فيما يأكلون إلا أنه بعدما أكلوا الفصح اليهودي قدم الفصح الجديد، وقد سبق الرمز المرموز إليه. قدم أولاً الفصح الناموسي حتى لا يُحسب كسرًا للناموس، ثم انطلق بهم إلى الفصح الحق: جسده ودمه المبذولين من أجل العالم كله!
    يقول الأب ميليتو من ساردس: [وتحقق سرّ الفصح في جسد الرب... فقد أُقتيد كحمل، وذبح كشاه، مخلصًا إيانا من عبودية العالم (مصر)، ومحررنا من عبودية الشيطان كما من فرعون خاتمًا نفوسنا بروحه، وأعضاءنا الجسدية بدمه... إنه ذاك الواحد الذي خلصنا من العبودية إلى الحرية ومن الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة ومن الطغيان إلى الملكوت الأبدي... إنه ذاك الذي هو (الفصح) عبور خلاصنا... هو الحمل الصامت الذي أخذ من القطيع وأُقتيد للذبح في المساء، ودُفن بالليل... من أجل ذلك كان عيد الفطير مرًا، كما يقول كتابكم المقدس: تأكلون فطيرًا بأعشاب مرة، مّرة لكم هي المسامير التي استخدمت، مّر هو اللسان الذي جدف، مّرة هي الشهادة الباطلة التي نطقتم بها ضده.]
    قدم السيد جسده ودمه المبذولين لتلاميذه معلنًا لهم أنه مُقبل على الصليب بإرادته، وبخطته الإلهية ليهب مؤمنيه غفران الخطايا والإتحاد معه... هذه العطية هبة قائمة عبر العصور تتمتع بها كنيسة المسيح، وتتقبلها من يدّي المخلص نفسه. في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حتى الآن المسيح الملاصق لنا الذي أعد المائدة هو بنفسه يقدسها. فإنه ليس إنسان يحول القرابين إلى جسده ودمه، بل المسيح نفسه الذي صُلب عنا. ينطق الكاهن بالكلمات، لكن التقديس يتم بقوة الله ونعمته. بالكلمة التي نطق بها: "هذا هو جسدي" تتقدس القرابين.]
    ويقول القديس أمبروسيوس: [المسيح هو بعينه الذي يعلن خلال الكاهن هذا هو جسدي.]
    إذ سلمهم السيد هذا السرّ العظيم قال لهم: "الحق أقول لكم أني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة إلى ذلك اليوم حينما أشربه جديدًا في ملكوت الله" [25]. وقد سبق لنا تفسير هذه العبارة في دراستنا لسفر اللاويين (10: 9) حيث رأينا السيد يشرب نتاج الكرمة أي يفرح حين يكمل المختارون في ملكوت الله.
    يختم الإنجيلي حديثه عن سرّ الإفخارستيا بقوله:
    "ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون" [26].
    إذ قدم السيد المسيح جسده ودمه مبذولين عن خلاص الآخرين، ذبيحة حب فريدة، سبح مع تلاميذه ربما بتسابيح الفصح المفرحة، معلنًا أن العلية قد امتلأت فرحًا وحمد‌ًا لله. أقول إن عليتنا الداخلية تمتلئ بالفرح الإلهي وبالتسابيح الفائقة إن قبلت في داخلها مسيحها المصلوب، وإن حملت سماته فيها. بمعنى آخر كلما قدم حياته الداخلية مبذولة بالحب من أجل الآخرين في المسيح يسوع، امتلأت حياته تسبيحًا لا بالفم واللسان فحسب، وإنما تتحول كل أعضاء جسده وأحاسيسه وأعماق نفسه إلى قيثارة في يدي الروح القدس، ينشد عليها ربنا يسوع نفسه تسابيح فصحه وصليبه، يتقبلها الآب سيمفونية سماوية مبهجة. وعلى العكس كلما تقوقع الإنسان حول ذاته يطلب ما لنفسه. مهما حفظ من تسابيح ونطق بترانيم يملأ الضيق نفسه ويحطم اليأس رجاءه.
    الآن إذ قدم السيد جسده ودمه المبذولين لتلاميذه ليحملوا حياته المبذولة فيهم ويسلكوا حاملين صليبه، وهبهم أن يسبحوا بفرحه ويبتهجوا بخلاصه، ثم انطلق بهم "إلى جبل الزيتون".
    لعله أخرجهم إلى جبل الزيتون، الجبل الذي قلنا قبلاً قد ارتبط بالمسيا، إذ هو ممسوح لا بزيت بل بروحه القدوس لخلاصنا. حملهم إلى جبل ليشاركوه عمله، خاصة في أمور ثلاثة:
    أولاً: في بكائه على أورشليم وتنهده من أجلها حين جلس على جبل الزيتون متطلعًا إلى المدينة وهو يقول "يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها ولم تريدوا". إنه يطلبنا أن نجلس معه نتأمل البشرية الساقطة لنئن بالدموع من أجل كل نفس لعلها ترجع وتقبل احتضان الرب بصليبه.
    ثانيًا: في جبل الزيتون في ضيعة جثسيماني [32] دخل السيد كما في لقاء مع الآب يتسلم كأس الصليب من يديه مع مرارته الشديدة. وكأن السيد يريدنا لا أن نقف عند التنهدات والصرخات، وإنما يلزم أن نحني رؤوسنا معه لنحمل صليبنا العملي من يدي الآب، فيكون لنا دورنا الإيجابي في خدمة الملكوت خلال الصليب.
    ثالثًا: على جبل الزيتون جلس السيد المسيح مع بعض تلاميذه حين أروه الأبنية العظيمة التي للهيكل (مت 24: 13) فأعلن لهم أنه لا يُترك حجر على حجر إلا وينقض، محدثًا إياهم عن علامات مجيئه، وكأنه أراد أن يسحب قلوبهم من الخدمة الظاهرية إلى خدمة اللقاء مع ربنا يسوع. وبالفعل على ذات الجبل أخذ تلاميذه، وهناك باركهم وصعد، وجاء الملاك يبشرهم أنه كما صعد هكذا من المشارق أيضًا يعود من المشارق.
    نستطيع أن نقول أن خروجنا مع ربنا يسوع المسيح على جبل الزيتون، إنما لكي نمارس معه محبته لشعبه، ونمد يدنا للعمل الإيجابي لحساب ملكوته، ونترقب على الدوام هدم هيكل إنساننا القديم والتمتع بالهيكل الأبدي، أو حلول السيد المسيح المستمر حتى يأتي على السحاب ليحمل الكنيسة كلها معه عروسًا له.
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 8:03 am

    . إعلانه عن شك التلاميذ فيه
    إذ قدم السيد المسيح جسده ودمه المبذولين لتلاميذه وأعلن لهم عن موته وعن خيانة واحدٍ منهم له لم يخلق جوًا من الكآبة والضيق، بل فتح ألسنتهم للتسبيح معه، وكأنه يستقبل أحداث آلامه وصلبه بفرح. وها هو ينطلق بهم إلى البستان معه ليحمل بمفرده كأس الآلام عن البشرية كلها. وقبل وصوله إلى ضيعة جثسيماني صارح تلاميذه: "كلكم تشكون في هذه الليلة" [27].
    يصعب جدًا أن نسجل ما آلت إليه نفسية تلاميذه بعد هذا الإعلان الإلهي، فإنه خبر كفيل بتحطيمهم تمامًا، لكن السيد المسيح لم يتركهم يسترسلون في أفكارهم حتى لا ينهاروا تحت ثقل اليأس، لكنه قدم لهم عونًا، فمن جانب أبرز لهم شدة الموقف حيث تنبأ عنهم زكريا النبي (13: 7) "لأنه مكتوب إني أضرب الراعي فتتبدد الرعية"، كما كشف لهم عن رجوعهم إليه وعن لقائهم مرة أخرى بعد قيامته: "لكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل" [28]. لقد أعلن لهم أن ما يحدث هو بتدبيرٍ إلهيٍ، فمن جهة يضرب الآب الابن الذي حمل خطايانا وقبل الموت في جسده عوضًا عنا، يضربه بسقوطه تحت الحكم الذي كان ضدنا، فلا يحتمل التلاميذ هذا المنظر، لكنه يقوم فيجتذب مؤمنيه في الجليل.
    يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [يقول الآب: "أضرب الراعي" إذ سمح له أن يُضرب. وقد دُعى التلاميذ رعية (غنمًا) بسبب براءتهم، وأنهم لا يرتكبون جريمة. وأخيرًا يعزيهم بقوله: "بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل".]
    في إنجيل معلمنا لوقا (22: 31) أبرز السيد شدة الحرب التي تواجه التلاميذ وهم لا يدرون، إذ قال "سمعان، سمعان، هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة، ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك". أما بطرس فحسب أنه قادر أن يثبت إن شك الجميع في المعلم، إذ قال: "وإن شك الجميع فأنا لا أشك. فقال له يسوع: الحق أقول لك أنك في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات. فقال له بأكثر تشديد: ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك. وهكذا قال أيضًا الجميع" [29-31].
    بلا شك ظن بطرس الرسول في محبته الشديدة للرب وغيرته أنه قادر أن يقف معه حتى الموت، ولكن ما لم يعرفه بطرس عن نفسه يعرفه الرب عنه. فإن بطرس مع محبته وغيرته ضعيف، ويحتاج لا أن يشهد عن نفسه أنه قوي، بل في تواضع يطلب معونة الله كي تسنده. يقول القديس كيرلس الكبير: [قدم بطرس في حرارة غيرته إقرارًا بالثبات والاحتمال حتى النهاية، قائلاً أنه يقابل أهوال الموت بشجاعة ولا يبالي بالقيود، لكنه في هذا أخطأ عن الصواب. كان يليق به إذ أخبره المخلص أنه سيضعف شاكًا فيه ألا يعترض هكذا علانية، إذ لا يكذب "الحق"، بل بالحري كان يليق أن يطلب منه القوة لينزع هذا الألم أو يخلصه سريعًا من السقطة... ليتنا إذن لا نفكر في أنفسنا بطريقة متكبرة حتى أن رأينا في أنفسنا أننا نتميز بالفضائل، بل بالحري لنقدم للمسيح تسابيح الشكر، لأنه يخلصنا ويهبنا حتى الرغبة للعمل الصالح.]
    أما بالنسبة لصياح الديك فلم يذكر الإنجيلي متى عدد مرات صياحه، إنما ذكر الإنجيل مرقس أنه قبل أن يصيح الديك مرتين ينكره بطرس ثلاث مرات. لذلك يرى كثير من الدارسين أن بطرس أنكر مرة ثم صاح الديك، وأنكر مرتين أخريين فصاح الديك للمرة الثانية.
    ما هو هذا الديك الذي صاح مرتين؟ ولماذا أنكر بطرس ثلاث مرات؟ لعل الديك يشير إلى الروح القدس الذي "يبكت العالم على الخطية" (يو 16: Cool، صاح في العهد القديم ولم يستجب أحد لصيحته، وصاح في العهد الجديد فبكت شعوبًا وأممًا لترجع إلى الرب الذي أنكرته. أما إنكار بطرس ثلاث مرات فعلامة ما فعله العالم بالله، إذ جحده ثلاث مرات، أي جحود بالفكر كما بالقول والعمل، جحودًا عن إصرار ومعرفة، ومع ذلك يستطيع الروح القدس أن يرده عن جحوده، ويلتقي به مع نظرات السيد المسيح، فينسحق القلب في الداخل ليبكي الإنسان مع بطرس بكاءً مرًا.
    في نص منسوب للقديس جيروم: [من هو هذا الديك الذي يبشر بقدوم النهار إلا الروح القدس، فبصوته في النبوة وفي الرسل قمنا من إنكارنا لله الثلاثي، نبكي بمرارة على سقوطنا، إذ فكرنا شرًا في الرب، وتحدثنا بالشر على أقربائنا، وفعلنا شرًا لأنفسنا!]
    إن كنا قد جحدنا الرب ثلاث مرات بالفكر والقول والعمل، جحدناه ثلاث مرات إذ أخطأنا في حقه الإلهي وحق أقربائنا وحق أنفسنا، ليت روح الله يصيح في آذاننا مرتين بإعلاناته لنا خلال الأنبياء والرسل حاملاً إيانا ربنا يسوع المصلوب، نبكي على خطايانا ونعلن صدق توبتنا وشوقنا للرجوع إليه والثبات فيه أبديًا!
    8. ذهابه إلى جثسيماني
    إذ أعلن السيد المسيح لتلاميذه عن كل شيء انطلق بهم إلى البستان يحمل كأس الألم، إذ يقول الإنجيلي:
    "وجاءوا إلى ضيعة اسمها جثسيماني،
    فقال لتلاميذه: اجلسوا ههنا حتى أصلي.
    ثم أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا،
    وابتدأ يدهش ويكتئب.
    فقال لهم: نفس حزينة جدًا حتى الموت.
    امكثوا هنا واسهروا" [32-34].
    "جثسيماني" كلمة أرامية تعني "معصرة الزيت" (مت 26: 36)، كانت بستانًا فيه أشجار الزيتون ومعصرة لعصره، يقع البستان شرق أورشليم على السفح الغربي من جبل الزيتون (لو 22: 39) وبينه وبين أورشليم وادي قدرون (يو 18: 1)، "وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع، لأن يسوع اجتمع هناك كثيرًا مع تلاميذه" (يو 18: 2؛ لو 22: 39).
    إن كانت البشرية قد فقدت سرّ حياتها وبهجتها وسلامها خلال عصيان آدم الأول في البستان، ففي البستان دخل آدم الثاني كما إلى معصرة زيت (جثيسماني)، ليعتصر بالألم من أجل البشرية، ويرد بطاعته للآب حتى الموت ما سبق ففقدته.
    أخذ معه تلاميذه الثلاثة الذين كانوا معه في لحظات التجلي، حتى إذ يروه يدهش ويكتئب، ودموعه تتقاطر كالدم، يدركوا حقيقة تأنسه ودخوله تحت الآلام دون أن يتعثروا، فقد رأوه في تجليه ومجده.
    دخل بتلاميذه إلى البستان ليقدم نفسه مثلاً حيًا عمليًا عن حياة الصلاة والسهر خلال الضيق، لذلك قال لهم: "اجلسوا ههنا حتى أصلي"، كما أوصاهم "امكثوا هنا واسهروا". كما علمنا مجابهة الموت بلا خوف، والتسليم الكامل بين يدي الآب السماوي، إذ يقول الإنجيلي:
    "ثم تقدم قليلاً، وخرّ على الأرض،
    وكان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن.
    وقال: يا أبّا الآب كل شيء مستطاع لك،
    فأعبر عني هذه الكأس،
    ولكن ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت" [35-36].
    كتب القديس يوحنا الذهبي الفم مقالاً عن "إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس" سبق لي ترجمته ونشره، جاء فيه:
    أولاً: لا يمكن القول بأن السيد المسيح كان يجهل إن كان ممكنًا أن تعبر عنه الكأس أم لا، بقوله "إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس". [المعرفة الخاصة بآلامه ليست أعظم من المعرفة الخاصة بجوهر طبيعته، الأمر الذي هو وحده يعرفه تمام المعرفة وبدقة، إذ يقول "كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب" (يو 10: 15). ولماذا أتكلم عن ابن الله الوحيد، فإنه حتى الأنبياء يبدو أنهم لم يجهلوا هذه الحقيقة (أي آلام المسيح وصلبه) بل عرفوها بوضوح، وقد سبق أن أعلنوا عنها قبلاً مؤكدين حدوثها تأكيدًا قاطعًا.]
    ثانيًا: لا يمكن فهم هذا القول: "إن أمكن أن تعبر عني هذه الكأس" بمعنى الرغبة في الهروب من الصليب. [لقد دعا (بطرس) ذاك الذي وُهب إعلانًا من الآب وقد طوّبه ووهبه مفاتيح ملكوت السماوات، دعاه "شيطانًا"، ودعاه "معثرة"، واتهمه أنه لا يهتم بما لله... هذا كله لأنه قال له: "حاشاك يا رب لا يكون هذا لك" أي لا يكون لك أن تصلب. فكيف إذن لا يرغب في الصليب، هذا الذي وبخ التلميذ وصبّ عليه هذا القدح إذ دعاه شيطانًا بعدما كان قد مدحه، وذلك لأنه طلب منه أن يتجنب الصليب؟ كيف لا يرغب في الصليب ذاك الذي رسم صورة للراعي الصالح معلنًا إياها كبرهان خاص بصلاحه، وهي بذله لنفسه من أجل خرافه، إذ يقول "أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يو 10: 11)... انظر كيف يُعجب منه بسبب إعلانه هذا "أنه يبذل نفسه"، قائلاً: "الذي كان في صورة الله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، فإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب" (في 2: 6-Cool؟ وقد تكلم عن نفسه مرة أخرى فقال... "لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا" (يو 10: 17)... وكيف يقول الرسول بولس مرة أخرى: "واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضًا، وأسلم نفسه لأجلنا" (أف 5: 2)؟. وعندما اقترب السيد المسيح من الصلب قال بنفسه: "أيها الآب قد أتت الساعة، مجد ابنك" (يو 17: 10). لقد تكلم هنا عن الصليب كمجد، فكيف يستعفي عنه، وها هو يستعجله؟]
    ثالثًا: أن هذه العبارة قد سجلها لنا الإنجيلي لتأكيد تجسده ودخوله فعلاً تحت الآلام. [لهذا السبب أيضًا كانت قطرات العرق تتدفق منه، وظهر ملاك ليقويه، وكان يسوع حزينًا ومغتمًا، إذ قبل أن ينطق بتلك الكلمات (ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت) قال: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت". فإنه بعد هذا كله قام الشيطان بتكلم على فم كل من مرقيون الذي من بنطس وفالنتينوس وماني الذي من فارس وهراطقة كثيرين، محاولين إنكار تعاليم التجسد، ناطقين بكلمات شيطانية، مدعين انه لم يأخذ جسدًا حقيقيًا، ولا التحف به إنما كان له جسد خيالي وهمي... لقد أعلن المشاعر البشرية الحقيقية بوضوح، تأكيدًا لحقيقة تجسده وتأنسه.]
    رابعًا: بجانب تأكيده للتجسد قدم لنا نفسه مثالاً عمليًا بهذا التصرف الحكيم. [هناك اعتبار آخر لا يقل عنه أهمية... وهو أن السيد المسيح جاء على الأرض، راغبًا في تعليم البشرية الفضائل، لا بالكلام فقط وإنما بالأعمال أيضًا. وهذه هي أفضل وسيلة للتدريس... إنه يقول: "من عمل وعلّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات" (مت 5: 19)... لقد أوصى (تلاميذه) أن يصلوا: "لا تدخلنا في تجربة"، معلمًا إياهم هذه الوصية عينها بوضعها في صورة عملية، قائلاً: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس". هكذا يعلم كل القديسين ألا يثبتوا بأنفسهم في المخاطر، غير ملقين أنفسهم بأنفسهم فيها... فماذا؟ حتى يعلمنا تواضع الفكر، وينزع عنا حب المجد الباطل... صلى كمن يعلم الصلاة، ولكي نطلب ألا ندخل في تجربة" ولكن إن لم يسمح الله بهذا، نطلب منه أن يصنع ما يحسن في عينيه، لذلك قال: "ولكن ليس كما أنا أريد بل كما تريد أنت"، ليس لأن إرادة الابن غير إرادة الآب، إنما لكي يعلم البشر أن يقمعوا إرادتهم في إرادة الله ولو كانوا في ضيق أو اضطراب، حتى وإن أحدق بهم الخطر، ولو لم يكونوا راغبين في الانتقال من الحياة الحاضرة.]
    يحدثنا القديس أمبروسيوس عن سرّ حزن السيد المسيح القائل: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت" [34] هكذا: [إني أعجب هنا بحنان الرب وعظمته، فلو لم تكن له مشاعري لنقصت إحساناته... سمح أن يتعب لضعفاتي! حمل حزني ليهبني سعادته! نزل حتى ألم الموت، ثم بدأ يرجعنا للحياة ثانية، وتألم لينتصر على الحزن. قيل عنه أنه رجل أوجاع ومختبر الحزن (إش 53: 3). لقد أراد أن يعلمنا، فقد سبق فعلمنا يوسف ألا نخاف السجن، وفي المسيح نتعلم كيف نغلب الموت... إنك تتألم يا رب لا بسبب جراحاتك، لا بسبب قوتك بل بسبب ضعفاتنا (إش 53: 4). نراك فريسة للألم، لكنك تتألم لأجلي، صرت ضعيفًا من أجل خطايانا (إش 53: 5). هذا الضعف ليس من طبعك لكنك أخذته لأجلي... ربما أيضًا حزن، لأنه منذ سقوط آدم كان خلاصنا الوحيد للخروج من هذا العالم هو بالضرورة "الموت"، ولما كان الله لم يخلق الموت ولا يشاء موت الخاطي مثلما يرجع وتحيا نفسه، يعز عليه أن يحتمل ما لم يخلقه.]
    يكمل القديس أمبروسيوس تعليقه على حزن السيد المسيح مؤكدًا لن يدخل إلى لاهوته بل إلى النفس البشرية بكونه ابن الله المتأنس له نفس بشرية تشاركنا مشاعرنا. [في موضع آخر يقول: "الآن نفسي قد اضطربت". إنه اضطراب النفس البشرية لأن اللاهوت غير قابل للألم... فالرب ليس حزينًا (باللاهوت) لكن نفسه حزينة. الحكمة ذاته ليس حزينًا (حسب اللاهوت) ولا الطبيعة الإلهية بل النفس. كان حزينًا لا بسبب الألم إنما بسبب تبديدنا، لذا قال: "اضْرِب الراعي فتتبدد خراف الرعية" (مت 26: 35)... كان أيضًا حزينًا من أجل مضطهديه، فقد كان عارفًا أنه يفدي بالآلام خطاياهم... وقد قال: "يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 34).]
    يقدم لنا الأب ثيؤفلاكتيوس تعليلاً لحزن السيد بقوله: [يفهم البعض ذلك كما لو كان قد قال: إنني حزين ليس لأني أموت، وإنما لأن اليهود الذين هم من وطني يصلبونني، فيحرمون من ملكوت الله.]
    يعلق أيضًا القديس أغسطينوس على حزن السيد المسيح بقوله: [ربما نطق السيد بهذه الكلمات لما تحويه من سرّ في داخلها، مظهرًا أنه قد وضع على عاتقه أن يتألم حسب جسده، أي حسب الكنيسة، التي صار لها رأس الزاوية والتي تأتي إليه بعض أعضائها من العبرانيين، والآخر من الأمم]، وقد دلل القديس على ذلك بحديثه مع الآب قائلاً "يا أبّا الآب" [36]، فإن كلمة أبا Abbaترمز لليهود في علاقتهم بالله، وكلمة "الآب" ترمز للأمم في علاقتهم أيضًا بالله، إذ هو أب لليهود كما للأمم.
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 8:04 am

    ثم جاء ووجدهم نيامًا، فقال لبطرس:
    يا سمعان أنت نائم، أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة؟
    اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة.
    أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف.
    ومضى أيضًا وصلى قائلاً ذلك الكلام بعينه.
    ثم رجع ووجدهم أيضًا نيامًا، إذ كانت أعينهم ثقيلة،
    فلم يعلموا بماذا يجيبون.
    ثم جاء ثالثة وقال: ناموا الآن واستريحوا، يكفي، قد أتت الساعة.
    هوذا ابن الإنسان يُسلم إلى أيدي الخطاة.
    قوموا لنذهب، هوذا الذي يسلمني قد اقترب" [37-42].
    ويلاحظ في هذا النص الإنجيلي الآتي:
    أولاً: سبق فأوصاهم السيد أن يسهروا ويصلوا، لكنهم لم يستطيعوا، ففي كل مرة يرجع إليهم السيد يجدهم نيامًا، بل "كانت أعينهم ثقيلة"... وفي المرة الأخيرة قال لهم: "ناموا الآن واستريحوا".
    السهر الذي طلبه السيد من تلاميذه ليس مجرد الامتناع عن النوم، وإنما يعني اليقظة الروحية والفهم الداخلي وإدراك أسرار الفداء. فقد مثّل التلاميذ البشرية التي لم تكن قادرة على السهر وإدراك أسرار العمل الإلهي، بالرغم من إرساله الرموز والنبوات لإيقاظها. لقد نام التلاميذ بعمق حتى كانت أعينهم ثقيلة رمزًا لحالة عدم الإيمان أو الجحود التي أصابت البشرية دون أن يتوقف الرب عن ممارسته أعمال محبته، وكما يقول الرسول: "ونحن أعداء صولحنا مع الله بموت ابنه" (رو 5: 10).
    أما قوله في المرة الثالثة: "ناموا الآن واستريحوا"، فلا يعني نوم الخمول والتراخي، إنما يعني التسليم الكامل في يدّي الله والراحة الداخلية، كما نام القديس بطرس الرسول في السجن (أع 12: 7)، وكما قيل: "يعطي حبيبه نومًا" (مز 127: 2). وفي المرة الثالثة، إشارة إلى قيامته في اليوم الثالث، ننام نحن ونستريح إذ لا نخاف بعد الموت مادام الرب مات وقام لأجلنا.
    ثانيًا: يسألهم السيد المسيح: "صلوا لئلا تدخلوا في تجربة"، فالمسيحي مهما بلغت قامته الروحية في تواضع لا يشتهي الدخول في تجربة، بل يسأل الرب ألا يسمح له بالدخول فيها، حتى متى حلت به التجربة استطاع بالرب ألا يسقط فيها، بل يرتفع فوقها، لا يفكر فيها، بل ينشغل بالمخلص نفسه!
    ثالثًا: يقول "أما الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف". فإن كانت أرواحهم قوية مستعدة أن تشهد له حتى الموت، لكن بسبب ضعف الجسد ينهارون، ما لم يسندهم الرب نفسه. يقول القديس جيروم: [بينما روحي قوية تقودني للحياة، إذ بجسدي ضعيف يسحبني للموت.]
    في عتاب يقول لبطرس: "يا سمعان، أنت نائم، أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة؟" وكأنه يقول له: أين هي غيرتك الشديدة ومحبتك الملتهبة ووعدك "ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك"؟ إنك بسبب ضعف الجسد لم تستطع أن تقاوم النوم بل صارت عيناك ثقيلتين، فكيف تحتمل الموت لأجلي؟
    9. القبض عليه
    إذ دخل السيد المسيح إلى البستان ليتسلم كأس الألم من أجل البشرية كلها أعلن لتلاميذه: "قد أتت الساعة، هوذا ابن الإنسان يُسلم إلى أيدي الخطاة. قوموا لنذهب، هوذا الذي يسلمني قد اقترب" [41-42].
    خرج إلى البستان حتى يسلم نفسه بالطاعة للقيود، فيفك الرباطات التي قيدت البشرية خلال عصيان آدم. في البستان جاء السيد إلى تلاميذه ثلاث مرات فيجدهم نيامًا، وكأنهم يمثلون البشرية الساقطة تحت ثقل الخطية بالفكر والقول والعمل أيضًا. من أجل هذه البشرية يتقدم السيد ليسلم نفسه للأشرار فينام على الصليب عوضًا عنهم! يقول القديس أغسطينوس: [قبضوا على ذاك الذي يمكنهم أن يتحرروا من ربطهم. ولعله كان من بينهم من استهزأ به، لكن منهم أيضًا من خلص بواسطته، هؤلاء يقولون: "قد حللت ربطي" (مز 116: 16).]
    "وللوقت فيما هو يتكلم أقبل يهوذا واحد من الإثني عشر،
    ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ.
    وكان مسلمه قد أعطاهم علامة قائلاً:
    الذي أقبله هوهو، امسكوه وامضوا به بحرص.
    فجاء للوقت وتقدم إليه قائلاً: يا سيدي يا سيدي، وقبَّله.
    فألقوا أيديهم عليه وامسكوه.
    فأستل واحد من الحاضرين السيف وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه" [43-47].
    مرة أخرى إذ يتحدث عن يهوذا يؤكد أنه من الاثني عشر ليعلن عن بشاعة جريمته وتجاسره، خاصة وأنه جعل من "القبلة" علامة لتسليمه.
    حقًا حينما سأل النبي بروح النبوة المسيّا المجروح: "ما هذه الجروح في يدك؟" (زك 13: 6)، أجاب في مرارة: "هي التي جرحت بها في بيت أحبائي" (زك 13: 6).
    يعلق القديس أمبروسيوس على عتاب السيد المسيح لتميذه: "يا يهوذا، أبقبلة تُسلم ابن الإنسان؟" (لو 22: 48)، قائلاً: [تعبير رائع عن القوة الإلهية، درس عظيم في الفضيلة! لقد كشف الخيانة ومع ذلك لم يبخل عنه بطول أناته عليه. لقد أظهرت يا رب من هو الذي يسلمك وكشفت سره وأعلنت عمن يُسلّم أنه "ابن الإنسان"، وكأنك تقول: لأجلك أيها الخائن أخذت أنا هذا الجسد الذي تسلمه!... كأنه يعاتب الخائن في مشاعر كلها حنان: "يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟" بمعني آخر: أتجرحني بعربون الحب؟ أتسفك دمي بعلامة الحب، وتسلمني للموت بعلامة السلام؟ وأنت الخادم تسلم سيدك، وأنت التلميذ تسلم معلمك وتخون جابلك؟ حقًا ينطبق هذا القول عن الخائن: "غاشة هي قبلات العدو" (أم 27: 6)... وتقبل المسيح هذه القبلة لا عن رياء إنما ليظهر أنه لا يهرب من الخائن، فيزداد هلاك الخائن بعدم رفض السيد علامات الحب منه، فقد قيل: "ومعمبغضي السلام كنت صاحب السلام" (مز 119: 6).
    في نص منسوب للقديس جيروم [أعطى يهوذا قبلة كعلامة، بغش مميت، كما قدم قايين تقدمة غاشة بغيضة.]
    يعلق القديس كيرلس الكبير على تصرف يهوذا هذا بقوله:
    [كثيرة هي الآلام (الخطايا) ومرة تلك التي تثير حربًا ضد نفس الإنسان، وتدخل معها في صراع لا يُحتمل، لتهوي بها إلى ممارسة أعمال دنيئة، أما أشر هذه الآلام فهي محبة المال، أصل كل الشرور، التي سقط في فخاخها العنيفة التلميذ الخائن، حتى قبل أن يصير خادمًا لغش الشيطان، ويكون أداة في أيدي رؤساء مجمع اليهود الأشرار في هياجهم ضد المسيح...
    من أجل الدراهم التي بلا ثمن كّف عن أن يكون مع المسيح وفقد رجاؤه في الله وكرامته والأكاليل والحياة والمجد المعد لتابعي المسيح الحقيقيين وحقه أن يملك معه...
    لقد أعطى لهؤلاء القتلة علامة، قائلاً: "الذي أقبله هو". لقد نسي تمامًا مجد المسيح، وفي غباوته الكاملة ظن أنه يبقى متسترًا عندما يُقدم قبلة التي هي علامة الحب، بينما يحمل في قلبه خداعًا مرًا وشريرًا. فإنه حين كان في صحبة المسيح مخلصنا مع بقية الرسل في رحلاته، غالبًا ما سمعه يسبق فيخبرهم بالأمور المقبلة بكونه الله العالم بكل شيء، وقد سبق فأخبره عن عمل خيانته، إذ قال للرسل القديسين: "الحق أقول لكم إن واحدًا منكم يسلمني". كيف إذن تبقى نيته مخفية؟ لا، بل كانت الحية في داخله تصارع الله، كان مسكنًا للشيطان، إذ قال أحد الإنجيليين أنه إذ كان متكئًا على المائدة مع بقية التلاميذ وأعطاه المخلص لقمة غمسها في الصحفة "دخله الشيطان".]
    قدم يهوذا قبلة مملوءة غشًا أمام الجمع الكثير حاملي السيوف والعصي، وكأنه بيوسف الذي باعه إخوته للغرباء... وقد حاول بطرس أن يدافع عن سيده فاستل سيفًا وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه... لكن السيد انتهره على ما ارتكبه، ولم يترك العبد في آلامه بل شفاه.
    يقول القديس كيرلس الكبير [لا يريدنا أن نستخدم سيوفًا في مقاومة أعدائنا، بل بالحري نستخدم الحب مع التعقل، فنغلب مقاومينا بقوة. ويقدم لنا بولس تعليمًا مشابهًا بقوله: "هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" (2 كو 10: 5). لأن الحرب من أجل الحق روحية، والسلاح اللائق بالقديسين هو عقلي ومملوء بمحبة الله. يليق بنا أن نلبس درع البرّ وخوذة الخلاص، وترس الإيمان وسيف الروح الذي هو كلمة الله (أف 6: 14-17).]
    ويقدم لنا القديس أمبروسيوس بعض التعليقات على قطع أذن العبد نذكر منها:
    [ضرب بطرس عبد رئيس الكهنة، لكن الرب شفى الجراحات الدامية وأحل محلّها الأسرار الإلهية.
    جُرح عبد رئيس هذا العالم وخادم قوات هذا الدهر... جُرح في أذنه لأنه لم ينصت لصوت الحكمة...
    قطع بطرس الأذن ليعلم أن من ليس له الأذن الروحية لا يستحق أن تكون له حتى الأذن الملموسة. وقد أرجع الرب له الأذن مؤكدًا ما قاله إشعياء أن الشفاء ممكن بالتوبة حتى للذين جرحوا الرب في آلامه (إش 6: 10)...
    لماذا قطع بطرس الأذن؟ لأنه أخذ مفاتيح ملكوت السماوات، هو يقطع وهو يحّل! أخذ سلطان الربط والحل، فيقطع أذن من يسمع رديًا بسيف روحي، يقطع الأذن الداخلية عن الفهم الخاطئ...
    كثيرون يظنون أن لهم الآذان وهم بلا آذان. ففي الكنيسة يكون للجميع آذان، أما خارجها فلا يكون لهم.]
    يكمل الإنجيلي حديثه عن القبض على السيد المسيح، هكذا:
    "فأجاب يسوع وقال لهم:
    كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصى لتأخذوني.
    كل يوم كنت معكم في الهيكل أعلّم ولم تمسكوني،
    ولكن لكي تكمل الكتب.
    فتركه الجميع وهربوا.
    وتبعه شاب لابسًا إزارًا على عريه فأمسكه الشبان.
    فترك الإزار وهرب عريانًا" [48-52].
    يرى القديس كيرلس الكبير أن في قوله هذا يؤكد لهم أنه كان يسهل عليهم بالأولى أن يمسكوه في الهيكل حين كان يُعَلِم كل يوم، لكنهم لم يفعلوا هذا إذ لم يكن بعد قد سمح لهم، فإن كان يسلم نفسه لهم الآن إنما بإرادته في الوقت الذي اختاره مناسبًا للصلب، لهذا قال لهم: "ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" [بمعنى أنكم قد منحتم وقتًا قصيرًا (ساعة) فيه يكون لكم سلطان عليّ. ولكن كيف أُعطي لكم هذا السلطان؟ وبأية وسيلة؟ بإرادة الآب المتفقة مع إرادتي. لقد أردت أن أخضع نفسي لآلامي من أجل خلاص العالم وحياته. لكم ساعة ضدي، قليلة جدًا ومحدودة، هي ما بين أحداث الصليب الثمين والقيامة من بين الأموات. وهذا هو السلطان الذي أُعطى للظلمة، لكن "الظلمة" هو اسم الشيطان بكونه ليلاً دامسًا وظلمة، فيقول عنه الطوباوي بولس: "إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح" (2 كو4: 4). إذن أُعطى للشيطان ولليهود السلطان أن يثوروا ضد المسيح، لكنهم حفروا لأنفسهم حفرة الهلاك.]
    أما الشاب الذي هرب عريانًا فهو القديس مرقس كاتب الإنجيل جاء في نص منسوب للقديس جيروم: [كما ترك يوسف ثوبه وهرب عريانًا من المرأة الزانية، ليت من يريد الهروب من أيدي الأشرار ينزع من فكرة كل شيء ويهرب وراء المسيح.]
    10. محاكمته دينيًا
    إذ سلم السيد المسيح نفسه بين يدّي هؤلاء الثائرين ضده، اقتادوه إلى بيت رئيس الكهنة قيافا ليُحكم عليه دينيًا أنه مستوجب الموت.
    كان قيافا رئيس كهنة ذلك العام، ويروي عنه يوسيفوس أنه اشترى هذا المركز من الحاكم الروماني، إذ كان هذا المنصب حسب الشريعة يتمتع به الشخص مدى الحياة إلا أن الدولة الرومانية في ذلك الوقت كانت تنصب رئيس الكهنة أو تعزله حسبما تشاء، وقد تنبأ عن عمل السيد المسيح الخلاصي وهو لا يدرى ، إذ يقول الإنجيلي يوحنا: "فقال لهم واحد منهم وهو قيافا، كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئًا، ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها. ولم يقل هذا من نفسه، بل إذ كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة، تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد" (يو 11: 49-52). أما النبوة الثانية فلم تكن بالكلام بل بالتصرف إذ يقول الإنجيلي: "فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال: ما حاجتنا بعد إلى شهود؟" [63]... فقد أعلن نهاية الكهنوت اللاوي أو الموسوي بتمزيق ثيابه كرئيس كهنة! بينما لم يستطع حتى الجند الرومان أن يمزقوا ثوب المسيح في لحظات الصلب، مزق رئيس الكهنة اليهودي الأفود، ما كان يجب حسب الناموس ألا تمزق... فحكم لا على نفسه فقط بل وعلى نهاية الكهنوت اللاوي ككل!
    بتمزيق ثيابه أعلن قيافا اشمئزازه من كلمات السيد المسيح التي حسبها تجديفًا، فحكم عليه الجميع أنه مستوجب الموت [64]، غير أنه لم يكن لهم أو لرئيسهم قوة التنفيذ، فأخذوا السيد إلى الحاكم الروماني (يو 18: 28) ليأمر بصلبه. هذا وقد اشترك قيافا بعد قيامة السيد المسيح في الحكم على القديسين بطرس ويوحنا (أع 4: 6)، وقد طرده الرومان من وظيفته عام 36م.
    "فمضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة،
    فإجتمع معه جميع رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة.
    وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى داخل رئيس الكهنة،
    وكان جالسًا بين الخدام يستدفئ عند النار" [53-54].
    كان يليق بدار رئيس الكهنة أن يكون كنيسة مقدسة تشهد للسيد المسيح أمام العالم، تسحب كل نفس للاقتراب إلى كلمة الله بلهيب الروح القدس الناري لتشبع من سرّ الحياة، لكنه خلال الحسد ومحبة العالم تحول داره إلى موضع للحكم على السيد المسيح بالموت. وعوض أن تقترب فيه النفوس إلى المسيّا المخلص بقي بطرس بعيدًا عن مخلصه. وعوض نار الروح القدس أُشعلت نار الشهوة الشريرة يستدفئ بها عبيد هذا العالم وخدامه.
    إن كنا في مياه المعمودية قد صرنا جميعًا كهنة وملوكًا، نحمل الكهنوت العلماني أو العام الذي به يكون لنا ملء الدالة للوقوف أمام الآب في ابنه، ونقدم ذبائح الحمد والتسبيح في قلوبنا كما على مذبح الرب الداخلي. لقد تمتعنا بالروح القدس الناري بسرّ المسحة المقدسة "الميرون"، فليتنا لا نسلم دارنا الداخلي لعدو الخير، وعِوَض تجلي الرب فيه يُحكم عليه كما بالصليب ثانية، وعوض النار السماوية المقدسة تشتعل نيران الخطية القاتلة (هو 7: 4). بهذا يصير بطرسنا الداخلي بعيدًا عن الرب، يجالس خدام هذا العالم، ويستدفئ بنارهم الشريرة، فينكر سيده مرة ومرات بقسمٍ!
    بحث رئيس الكهنة وكل المجمع عن شهود ضد يسوع ليحكموا عليه بالموت، لكن شهادتهم لم تتفق معًا [55-56]، كأنهم بامرأة فوطيفار التي اشتهت أن تسلم يوسف للموت بشهادة زور.
    وُجه للسيد المسيح إتهامان هما:
    الاتهام الأول: "نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ" [58]. هذا الاتهام في حقيقته يحمل شهادة زور، فإنه لم يقل "إني انقض هذا الهيكل"، بل قال "انقضوا"، كما لم يقل: "هذا الهيكل مصنوع بالأيادي" بل "هذا الهيكل" إذ كان يتحدث عن هيكل جسده. لقد فهموا الكلمات بغير معناها الحقيقي، لكن هذه الشهادة على أي الأحوال بالرغم من بطلانها أكدت حديثه عن موته وقيامته في اليوم الثالث، فصارت ركيزة حية للكرازة بعد قيامته.
    الاتهام الثاني: حين أجاب السيد على رئيس الكهنة الذي سأله: "أأنت المسيح ابن المبارك؟" [61]، "قال يسوع: أنا هو، وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا في سحاب"، لم يحتمل رئيس الكهنة الإجابة فمزق ثيابه، وقال: "ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم بالتجاديف" [63-64].
    كان الاتهام الأول معتمدًا على شهادة زور، أما الاتهام الثاني فاعتمد على جهل مطبق وعدم إدراك لكلمات السيد المسيح نفسه. تعثر المجمع بالشهادة الأولى الخاصة بهدم هيكل جسده وقيامته، ولم يحتمل أن يسمع عن مجد ابن الله في السماء ومجيئه الأخير، وحسبوا هذا تجديفًا يستوجب الموت. لعلهم بالاتهام الأول حسبوه محطمًا للناموس، إذ يريد نقض الهيكل، مقللاً من شأنه، بقوله أنه مصنوع بالأيادي، وبالاتهام الثاني حسبوه مجدفًا.
    يقول الإنجيلي: "أما هو فكان ساكتًا، ولم يجب بشيء" [61]. ويقول القديس أغسطينوس إنه كان صامتًا أثناء محاكمته في أكثر من موقف، تارة أمام رئيس الكهنة، وأخرى أمام بيلاطس، وثالثة أمام هيرودس. ففيه يتحقق القول: "لم يفتح فاه، كشاه تـُساق إلى الذبح" (إش 53: 7)، كما يقول: شُبّه بالحمل حتى يُحسب في صمته بارًا غير مذنب. لذلك إذ اجتاز المحاكمة لم يفتح فاه، وقد فعل هذا كحمل، بمعنى أنه لم يكن شخصيًا ذي ضمير شرير ارتكب خطايا، بل في وداعته قُدم ذبيحته عن خطايا الآخرين.
    لقد ثار رئيس الكهنة وغضب بسبب صمت السيد، قائلاً: "أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟ [60]، غير أن السيد لم يهدف بصمته أن يُثير أحدًا، إنما صمت لأنه يعرف أنهم لا ينتفعون بكلماته، بل يطلبون فيها فرصة يمسكونها عليه، فصمت لعلهم يراجعون أنفسهم فيما يفعلون. في صمته صمت من أجل الحب، وحينما تحدث تكلم بكلمات قليلة معلنًا حقيقة شخصه حتى لا يكون لهم عذر فيما يصنعونه. بمعنى آخر إن صمت أو تكلم يفعل ذلك بدافع الحب لا المقاومة أو الانتقام.
    سأله رئيس الكهنة: "أأنت المسيح ابن المبارك؟" بمعنى "أأنت ابن الله؟" فأجاب السيد ملقبًا نفسه "ابن الإنسان"، معلنًا أنه ابن المبارك المتأنس، مؤكدًا أن تأنسه لا يفصله عن الآب، ولا ينزع عمله الإلهي كديان يأتي في سحاب السماء، ويظهر جالسًا عن يمين القوة، أي يمين الآب.
    أخيرًا إذ حكم الجميع أنه مستوجب الموت بقى في الدار حتى الصباح يحتمل الإهانات، إذ يقول الإنجيلي: "فابتدأ قوم يبصقون عليه، ويغطون وجهه ويلكمونه، ويقولون له تنبأ، وكان الخدام يلطمونه" [65]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إني أفخر بهذه الأمور، ليس فقط أنه أقام آلاف الموتى، وإنما احتمل هذه الآلام.] ويقول القديس كيرلس الكبير: [هذا الذي هو نسمة كل الأرواح المقدسة في السماوات يُحتقر كواحدٍ منا، محتملاً اللطمات بصبرٍ، خاضعًا لسخرية الأشرار، مقدمًا نفسه لنا في كمال طول الأناة، أو بالحري معلنًا وداعته الإلهية العظيمة التي لا تُقارن... لقد سخروا به كمن هو إنسان جاهل مع أنه واهب كل المعرفة، وناظر للخفيات فينا.]
    11. إنكار بطرس
    يروي لنا الإنجيلي مرقس كيف تحقق قول الرب لبطرس: "قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ثلاث مرات":
    أ. في الدار أسفل أنكر بطرس أمام أحد جواري رئيس الكهنة بينما كان يستدفئ.
    ب. أنكر للمرة الأولى خارج الدهليز، وصاح الديك، ثم أنكر للمرة الثانية أمام الحاضرين حين أكدت الجارية أنه منهم.
    ج. إذ قال له الحاضرون: "حقًا أنت منهم لأنك جليلي أيضًا، ولغتك تشبه لغتهم" أنكر للمرة الثالثة، حيث ابتدأ يلعن ويحلف أني لا أعرف هذا الرجل الذي تقولون عنه، ثم صاح الديك للمرة الثانية فتذكر كلمات السيد المسيح وبكى.
    ويلاحظ في هذه الأحداث التالي:
    أولاً: يعلق القديس أمبروسيوس على الموضع الذي فيه أنكر بطرس والظروف المحيطة به، فيقول:
    [تبعه بطرس من بعيد فأنكره، ولما اتحد بالرب يسوع واقترب منه جدًا لم ينكره...
    كان في دار رئيس الكهنة نار متقدة واقترب بطرس يستدفئ، فقد فترت حرارة الروح في بطرس لأن الرب كان سجينًا...
    أين أنكر بطرس؟ لم ينكره على الجبل ولا في الهيكل ولا في البيت وإنما في دار اليهود، في منزل رئيس الكهنة، في الموضع الذي لا يوجد فيه الحق حيث سُجن يسوع!...
    لنتأمل في حال بطرس وهو يخطئ، فقد كان باردًا، ربما ليس بسبب الطقس، لكن لأن الجو (الروحي) كان باردًا في هذا الموضع الذي لا يعترف بالرب يسوع، الموضع الذي لا يرى فيه إنسان نورًا... كان البرد يمس الروح لا الجسد لذلك وقف بطرس يصطلي إذ كان قلبه يرتعش.]
    ليت بطرس الداخلي لا يدخل بعد مثل هذا الدار، ليعيش بروح بارد غير ملتهب بالروح الإلهي، فيطلب نارًا من العالم للدفء، لئلا يجحد سيده، ويفقد قلبنا الملكوت الأبدي.
    ثانيًا: يقول الإنجيلي أن بطرس كان في الدار أسفل حين أنكر في المرة الأولى، ولم يستطع أن يعترف أمام جارية، بينما حينما ارتفع فيما بعد على السطح (أع 10: 11) انفتحت عيناه لتنظر رؤيا إلهية وينطلق لا ليشهد أمام جارية بل يكرز بين الأمميين (كرنيليوس وأهل بيته). بمعنى آخر حين يكون بطرس في الدار أسفل يطلب الزمنيات ويستدفئ بنار محبة العالم أو شهوة الجسد، لكنه حين يكون مرتفعًا كما على السطح يرى العلويات ويلتهب بنار الروح القدس.
    ثالثًا: رأينا أن صياح الديك للمرة الثانية الذي ذكرّ بطرس بكلمات سيده فبكى نادمًا، يشير إلى عمل الروح القدس في العهد الجديد "الذي يبكت العالم على خطية" (يو 16: Cool، والذي يذكرنا بكل ما قاله لنا السيد (يو 14: 26).
    غير أن معلمنا لوقا البشير يقدم لنا سببًا آخر لتوبة بطرس، إذ يقول: "وفي الحال بينما هو يتكلم صاح الديك، فالتفت الرب ونظر إلى بطرس، فتذكر بطرس كلام الرب" (لو 22: 60-61)، فإن كان صياح الديك يشير إلى عمل الروح القدس لتبكيت القلب وتذكيره بكلمات الرب، فإن التفات السيد المسيح ونظره إلى بطرس يدفع إلى التوبة المملوءة رجاء! في هذا يقول القديس أمبروسيوس: [حسنة هي الدموع التي تغسل الخطية! من يلتفت إليهم الرب وينظر يبكون، فإن بطرس أنكر أولاً ولم يبكِ، لأن الرب لم يلتفت ولا نظر إليه. أنكر للمرة الثانية ومع هذا لم يبكِ... وفي المرة الثالثة أنكر أيضًا وإذ التفت إليه يسوع ونظره عندئذ بكى بمرارة... لا نستطيع القول بأنه (مجرد) التفت إليه بعينيه الجسديتين ونظر إليه في عتاب منظور واضح، إنما تحقق هذا داخليًا في الذهن والإرادة... تلامس معه الرب برحمته في صمت وسرية، فذكره بنعمته الداخلية، مفتقدًا بطرس وحاثًا إياه، مقدمًا له دموعًا ظاهرة تعبر عن مشاعر الإنسان الداخلي. أنظر بأية طريقة الله حاضر بمعونته ليسندنا في الإرادة والعمل، يعمل فينا أن نريد وأن نعمل.]
    كما يقول في موضع آخر: [أنظر إلينا يا ربنا يسوع لنعرف البكاء على خطايانا.]
    1 و كان الفصح و ايام الفطير بعد يومين و كان رؤساء الكهنة و الكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر و يقتلونه
    2 و لكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب
    3 و فيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الابرص و هو متكئ جاءت امراة معها قارورة طيب ناردين خالص كثير الثمن فكسرت القارورة و سكبته على راسه
    4 و كان قوم مغتاظين في انفسهم فقالوا لماذا كان تلف الطيب هذا
    5 لانه كان يمكن ان يباع هذا باكثر من ثلاث مئة دينار و يعطى للفقراء و كانوا يؤنبونها
    6 اما يسوع فقال اتركوها لماذا تزعجونها قد عملت بي عملا حسنا
    7 لان الفقراء معكم في كل حين و متى اردتم تقدرون ان تعملوا بهم خيرا و اما انا فلست معكم في كل حين
    8 عملت ما عندها قد سبقت و دهنت بالطيب جسدي للتكفين
    9 الحق اقول لكم حيثما يكرز بهذا الانجيل في كل العالم يخبر ايضا بما فعلته هذه تذكارا لها
    10 ثم ان يهوذا الاسخريوطي واحدا من الاثني عشر مضى الى رؤساء الكهنة ليسلمه اليهم
    11 و لما سمعوا فرحوا و وعدوه ان يعطوه فضة و كان يطلب كيف يسلمه في فرصة موافقة
    12 و في اليوم الاول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح قال له تلاميذه اين تريد ان نمضي و نعد لتاكل الفصح
    13 فارسل اثنين من تلاميذه و قال لهما اذهبا الى المدينة فيلاقيكما انسان حامل جرة ماء اتبعاه
    14 و حيثما يدخل فقولا لرب البيت ان المعلم يقول اين المنزل حيث اكل الفصح مع تلاميذي
    15 فهو يريكما علية كبيرة مفروشة معدة هناك اعدا لنا
    16 فخرج تلميذاه و اتيا الى المدينة و وجدا كما قال لهما فاعدا الفصح
    17 و لما كان المساء جاء مع الاثني عشر
    18 و فيما هم متكئون ياكلون قال يسوع الحق اقول لكم ان واحدا منكم يسلمني الاكل معي
    19 فابتداوا يحزنون و يقولون له واحدا فواحدا هل انا و اخر هل انا
    20 فاجاب و قال لهم هو واحد من الاثني عشر الذي يغمس معي في الصحفة
    21 ان ابن الانسان ماض كما هو مكتوب عنه و لكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الانسان كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد
    22 و فيما هم ياكلون اخذ يسوع خبزا و بارك و كسر و اعطاهم و قال خذوا كلوا هذا هو جسدي
    23 ثم اخذ الكاس و شكر و اعطاهم فشربوا منها كلهم
    24 و قال لهم هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من اجل كثيرين
    25 الحق اقول لكم اني لا اشرب بعد من نتاج الكرمة الى ذلك اليوم حينما اشربه جديدا في ملكوت الله
    26 ثم سبحوا و خرجوا الى جبل الزيتون
    27 و قال لهم يسوع ان كلكم تشكون في في هذه الليلة لانه مكتوب اني اضرب الراعي فتتبدد الخراف
    28 و لكن بعد قيامي اسبقكم الى الجليل
    29 فقال له بطرس و ان شك الجميع فانا لا اشك
    30 فقال له يسوع الحق اقول لك انك اليوم في هذه الليلة قبل ان يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات
    31 فقال باكثر تشديد و لو اضطررت ان اموت معك لا انكرك و هكذا قال ايضا الجميع
    32 و جاءوا الى ضيعة اسمها جثسيماني فقال لتلاميذه اجلسوا ههنا حتى اصلي
    33 ثم اخذ معه بطرس و يعقوب و يوحنا و ابتدا يدهش و يكتئب
    34 فقال لهم نفسي حزينة جدا حتى الموت امكثوا هنا و اسهروا
    35 ثم تقدم قليلا و خر على الارض و كان يصلي لكي تعبر عنه الساعة ان امكن
    36 و قال يا ابا الاب كل شيء مستطاع لك فاجز عني هذه الكاس و لكن ليكن لا ما اريد انا بل ما تريد انت
    37 ثم جاء و وجدهم نياما فقال لبطرس يا سمعان انت نائم اما قدرت ان تسهر ساعة واحدة
    38 اسهروا و صلوا لئلا تدخلوا في تجربة اما الروح فنشيط و اما الجسد فضعيف
    39 و مضى ايضا و صلى قائلا ذلك الكلام بعينه
    40 ثم رجع و وجدهم ايضا نياما اذ كانت اعينهم ثقيلة فلم يعلموا بماذا يجيبونه
    41 ثم جاء ثالثة و قال لهم ناموا الان و استريحوا يكفي قد اتت الساعة هوذا ابن الانسان يسلم الى ايدي الخطاة
    42 قوموا لنذهب هوذا الذي يسلمني قد اقترب
    43 و للوقت و فيما هو يتكلم اقبل يهوذا واحد من الاثني عشر و معه جمع كثير بسيوف و عصي من عند رؤساء الكهنة و الكتبة و الشيوخ
    44 و كان مسلمه قد اعطاهم علامة قائلا الذي اقبله هو هو امسكوه و امضوا به بحرص
    45 فجاء للوقت و تقدم اليه قائلا يا سيدي يا سيدي و قبله
    46 فالقوا ايديهم عليه و امسكوه
    47 فاستل واحد من الحاضرين السيف و ضرب عبد رئيس الكهنة فقطع اذنه
    48 فاجاب يسوع و قال لهم كانه على لص خرجتم بسيوف و عصي لتاخذوني
    49 كل يوم كنت معكم في الهيكل اعلم و لم تمسكوني و لكن لكي تكمل الكتب
    50 فتركه الجميع و هربوا
    51 و تبعه شاب لابسا ازارا على عريه فامسكه الشبان
    52 فترك الازار و هرب منهم عريانا
    53 فمضوا بيسوع الى رئيس الكهنة فاجتمع معه جميع رؤساء الكهنة و الشيوخ و الكتبة
    54 و كان بطرس قد تبعه من بعيد الى داخل دار رئيس الكهنة و كان جالسا بين الخدام يستدفئ عند النار
    55 و كان رؤساء الكهنة و المجمع كله يطلبون شهادة على يسوع ليقتلوه فلم يجدوا
    56 لان كثيرين شهدوا عليه زورا و لم تتفق شهاداتهم
    57 ثم قام قوم و شهدوا عليه زورا قائلين
    58 نحن سمعناه يقول اني انقض هذا الهيكل المصنوع بالايادي و في ثلاثة ايام ابني اخر غير مصنوع باياد
    59 و لا بهذا كانت شهادتهم تتفق
    60 فقام رئيس الكهنة في الوسط و سال يسوع قائلا اما تجيب بشيء ماذا يشهد به هؤلاء عليك
    61 اما هو فكان ساكتا لم يجب بشيء فساله رئيس الكهنة ايضا و قال له اانت المسيح ابن المبارك
    62 فقال يسوع انا هو و سوف تبصرون ابن الانسان جالسا عن يمين القوة و اتيا في سحاب السماء
    63 فمزق رئيس الكهنة ثيابه و قال ما حاجتنا بعد الى شهود
    64 قد سمعتم التجاديف ما رايكم فالجميع حكموا عليه انه مستوجب الموت
    65 فابتدا قوم يبصقون عليه و يغطون وجهه و يلكمونه و يقولون له تنبا و كان الخدام يلطمونه
    66 و بينما كان بطرس في الدار اسفل جاءت احدى جواري رئيس الكهنة
    67 فلما رات بطرس يستدفئ نظرت اليه و قالت و انت كنت مع يسوع الناصري
    68 فانكر قائلا لست ادري و لا افهم ما تقولين و خرج خارجا الى الدهليز فصاح الديك
    69 فراته الجارية ايضا و ابتدات تقول للحاضرين ان هذا منهم
    70 فانكر ايضا و بعد قليل ايضا قال الحاضرون لبطرس حقا انت منهم لانك جليلي ايضا و لغتك تشبه لغتهم
    71 فابتدا يلعن و يحلف اني لا اعرف هذا الرجل الذي تقولون عنه
    72 و صاح الديك ثانية فتذكر بطرس القول الذي قاله له يسوع انك قبل ان يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات فلما تفكر به بكى
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 8:06 am

    الأصحاح الخامس عشر
    أحداث الصليب
    إذ تمت محاكمة السيد المسيح دينيًا في دار رئيس الكهنة، اُقتيد إلى بيلاطس الوالي الذي من حقه تنفيذ الحكم، وتحت إصرار الجماهير حكم عليه بالموت صلبًا.
    1. محاكمته مدنيًا 1-15.
    2. الاستهزاء به 16-20.
    3. في الطريق إلى الصليب 21-22.
    4. تقديم خمر ممزوجة مرًا 23.
    5. اقتسام ثيابه 24.
    6. صلبه بين لصين 25-28.
    7. السخرية منه 29-32.
    8. حدوث ظلمة 33.
    9. تسليم الروح 34-37.
    10. انشقاق حجاب الهيكل 38.
    11. إيمان قائد المئة 39.
    12. التفاف النسوة حوله 40-41.
    13. دفنه 42-47.
    1. محاكمته مدنيًا
    إذ قضى السيد المسيح الليل كله في دار رئيس الكهنة يحتمل الإهانات وسط ظلمة أفكارهم الشريرة استقر الرأي أن يُسلم في يديّ الحاكم الروماني لقتله. يقول الإنجيلي: "وللوقت في الصباح تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة والمجمع كله، فأوثقوا يسوع، ومضوا به وأسلموه إلى بيلاطس" [1].
    يا للعجب! قبضوا عليه وضمروا ضده لأنه لم يحقق لهم شهوة قلوبهم: الخلاص من المستعمر الروماني والسيادة الصهيونية في العالم، ولكي يقتلوه سلموه للحاكم الروماني بكونه مثير فتنة، يقيم نفسه ملكًا، ويحرض الشعب على عدم دفع الجزية لقيصر (لو 23: 1-2).
    سلموه للحاكم الروماني ليقتله، فسلمهم الله لتيطس الروماني يحرق مدينتهم ويهدم الهيكل الذي ثاروا لأجله قائلين أنه سيهدمه... فتحقق فيهم قول المرتل داود: "أعطهم حسب فعلهم، وحسب شر أعمالهم، حسب صنع أيديهم أعطهم، ردّ عليهم معاملتهم" (مز 28: 4).
    إذ جاءوا به إلى بيلاطس يوجهون له أخطر اتهام في ذلك الحين، إنه يقيم نفسه ملكًا، الأمر الذي لا يمكن للحاكم أن يتهاون فيه وإلا حُسب خائنًا لقيصر. لذلك "سأله بيلاطس: أنت ملك اليهود؟" [2]. "فأجاب وقال له: "أنت تقول" [2]. هكذا لم ينكر السيد المسيح مركزه كملكٍ، لكنه بحسب إنجيل يوحنا - أوضح لبيلاطس أنه ملك روحي، مملكته ليست من هذا العالم.
    كان بيلاطس يتوقع أن يسمع حديثًا طويلاً من السيد المسيح فيه يدافع عن نفسه بشأن هذا الاتهام الذي عقوبته الموت، خاصة أنه يسمع عنه كمعلمٍ للجماهير في الهيكل وعلى الجبال وعلى الشواطئ، لا تنقصه البلاغة والقدرة عن الدفاع عن نفسه، لكن السيد المسيح التزم بالصمت، حتى سأله بيلاطس: "أما تجيب بشيء؟ انظر كم يشهدون عليك"، فلم يجيب يسوع أيضًا بشيء حتى تعجب بيلاطس [5].
    يقول القديس أمبروسيوس: [أنه مثل رائع يدعو قلوب البشر أن تحتمل الإهانة بروح ثابتة. أتهم الرب وصمت! وكان في صمته محقًا لأنه لم يكن في حاجة أن يدافع عن نفسه. الدفاع عن النفس هو عمل الذين يخشون الهزيمة. أنه لا يؤكد الاتهام، إنما يستخف به بعدم تنفيذه. تُرى ماذا يخشى إن كان لا يريد أن يخلص نفسه، بل يود خلاص الجميع، مضحيًا بحياته ليقتني خلاصهم. لقد صمتت سوسنة وانتصرت (دا 13: 35)! إن أفضل القضايا هي التي تتبرر فيها دون دفاع!]
    يقول العلامة أوريجينوس: [كان مقتنعًا بأن حياته كلها وأعماله بين اليهود أفضل من أي كلام لدحض شهادة زور، وأسمى من أي كلام يقوله للرد على الاتهامات.]
    كان صمت السيد المسيح يحمل قوة اجتذبت قلب بيلاطس فاشتاق أن يطلقه مقدمًا لليهود فرصًا كثيرة للتراجع، وإن كان من أجل الخوف خضع لمطلبهم. من بين هذه الفرص التي قدمها لهم الآتي:
    الفرصة الأولى: كان عادة يطلق لهم في كل عيد أسيرًا واحدًا من طلبوه [6]، فسألهم: "أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟ لأنه عرف أن رؤساء الكهنة قد أسلموه حسدًا" [9-10]. لكن رؤساء الكهنة هيجوا الجمع لكي يطلق لهم باراباس الموثق مع رفقائه في الفتنة ولا يطلق يسوع. هكذا كان الكأس يمتلئ أكثر فأكثر، إذ يشتاق الروماني أن يطلقه، أما هم فكانوا يصرون على قتله! يرى العلامة أوريجينوس في إطلاق باراباس اللص وذبح السيد المسيح تحقيقًا لما جاء في سفر اللاويين عن يوم الكفارة العظيم (لا 16)، حيث يُطلق تيس في البرية يسمى باسم عزازيل ويذبح الآخر ويحسب من نصيب الرب. وفي نص منسوب للقديس جيروم يكرر فكرة العلامة أوريجينوس فيقول بأنه يوجد أمام بيلاطس تيسان، واحد يُطلق في برية الجحيم ترافقه خطايا الناس، والثاني يُذبح كحمل من أجل غفران الخطايا. باراباس من نصيب عزازيل، والمسيح هو الحمل الذي من نصيب الله.
    الفرصة الثانية: عاد يسألهم من جديد لعلهم يراجعون أنفسهم، قائلاً لهم: "فماذا تريدون أن أفعل بالذي تدعونه ملك اليهود؟ فصرخوا أيضًا: اصلبه. فقال لهم بيلاطس: وأي شر عمل؟ فازدادوا جدًا صراخًا: أصلبه" [12-14]. يحدثهم بيلاطس بنطس بلغتهم فيدعو السيد المسيح "ملك اليهود"، فكان يليق بهم ألا يرفضوا هذا الملك السماوي لكنهم أصروا على رفضه طالبين صلبه، حتى بسقطتهم هذه انفتح الباب للأمم كقول الرسول بولس: "بذلتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم، فإن كانت ذلتهم غنى للعالم ونقصنهم غنى للأمم، فكم بالحري ملؤهم؟" (رو 11: 11-12).
    كانوا عن حسد وجهالة يصرخون: "أصلبه"، ولم يدركوا أنهم يحققون بغير إرادتهم النبوات والرموز التي بين أيديهم. لم يدركوا أن بين أيديهم هابيل الذي وجده أخوه في الحقل فقتله بلا ذنب، دمه يصرخ لا للانتقام إنما لتطهير العالم. بين أيديهم إسحق الحامل خشب المحرقة ليقدمه أبوه ذبيحة محرقة. إنه موسى الحامل عصاه لا ليعبر بهم البحر الأحمر منطلقًا بهم نحو أورشليم، وإنما يعبر بهم الموت ليهبهم حياة جديدة فيه ويدخل بهم إلى حضن الآب.
    إنه عنقود العنب الذي حمله يشوع على خشبة، لا كعربون لأرض الميراث، وإنما حياة أبدية لمن يتناول منه ويثبت فيه. إنه إليشع النبي الذي لما ألقى بخشبة في المياه ليطفوا الفأس الحديدي ويأتي به من العمق إنما ليرفع البشرية المثقلة بالخطايا ويطلقها من أعماق الجحيم، يسحبها بالصليب شجرة الحياة ليردها إلى الفردوس السماوي:
    اشتهى اليهود صلب السيد المسيح للخلاص منه بالصليب، بينما كان الأنبياء يشتهون أن يجلسوا تحت ظل المصلوب، قائلين على لسان العروس: "تحت ظله اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقي" (نش 2: 3). هذا الصليب الذي سحب قلوب المؤمنين ليترنموا مع الرسول قائلين: "وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صُلب العالم لي وأنا للعالم" (غل 6: 4).
    على أي الأحوال اشترك معهم بيلاطس وإن كان ليس عن اقتناع إنما لإرضائهم: "فبيلاطس إذ كان يريد أن يعمل للجمع ما يرضيهم أطلق لهم باراباس وأسلم يسوع بعدما جلده ليُصلب" [15]. أسلمه للجَلْد والإهانة لنسمع السيد يقول على لسان نبيه إشعياء: "بذلت ظهري للضاربين وخديّ للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق" (إش 5: 6). وكما يقول القديس أمبروسيوس: [جُلد هو لكي لا نجلد نحن.]
    2. الاستهزاء به
    "فمضى به العسكر إلى داخل الدار التي هي دار الولاية،
    وجمعوا كل الكتيبة.
    وألبسوه أرجوانًا، وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه عليه.
    وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه،
    ثم يسجدون له جاثين على ركبهم،
    وبعدما استهزءوا به نزعوا عنه الأرجوان،
    وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه" [16-20].
    ما حدث معه خلال طريق الصليب لم يكن بلا معنى، فقد أعد الطريق لنفسه منذ الأزل في فكره لخلاصنا. من أجلنا احتمل الصليب بسرور مستهينًا بالخزي (عب 12: 2). يرى بعض المفسرين أن خلع ثيابه إلى حين ليلبس الثوب الأرجواني يشير إلى خلع اليهود الذين كانوا ملاصقين له حسب الجسد، أنكروه فخلعوا أنفسهم بأنفسهم عنه، حتى إن تابوا ورجعوا إليه بالإيمان بعيدًا عن الفكر المادي (الصهيوني) أي صاروا مسيحيين في أواخر الدهر يلتصقون به، كقول الرسول: "إن القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم" (رو 11: 25).
    يحدثنا القديس أمبروسيوس عن الثوب الأرجواني، قائلاً: [أما الثوب الأرجواني الذي ألبسه له الجند، الرداء الأحمر، فيشير إلى نصرة الشهداء وإلى السلطان الملوكي. لأنه كان ينبغي لجسده أن يجمع لأجلنا الدم المسفوك ويهبنا بآلامه مُلكه فينا.]
    يعلق القديس مار يعقوب السروجي على هذه الأحداث قائلاً:
    [عَرّاه الصالبون كالجزارين، أما هو فسكت يشبه النعجة قدام الجزازين.
    ترك لباسه حين فرح، حتى يلبس الذين خرجوا من الفردوس عرايا!
    يلبسهم ثيابه ويبقى هو في هزء، لأنه عرف أنها تصلح لآدم المفضوح!
    عروا ثيابه وألبسوه ثوبًا قرمزيًا لون الدم، حتى يتزين به العريس المقتول!
    ضفروا إكليل الشوك ووضعوه له، وهذا يليق به، إذ جاء ليقتلع الأشواك من الأرض!
    حمل لعنة الأرض بالإكليل الذي وضعوه على رأسه، وحمل ثقل العالم كله كالجبار!
    الخطايا والذنوب والأوجاع والآلام والضربات ضُفرت بالإكليل، وُوضعت على رأسه ليحملها!
    وانحلت بالأشواك لعنة آدم!
    صار لعنة حتى يتبارك به الوارثون الراجعون!
    بإكليله خلع زرع الحية الملعون!...
    بإكليل الشوك هدم تاج الشيطان الذي أراد أن يكون إلهًا على الخليقة!
    بإكليل شوكه ضفر إكليلاً لابنة الأمم، العروس التي خطبها من بين الأصنام وكتبها باسمه!...
    لطموا بالقصبة الرأس المرتفع فارتعبت الملائكة!...
    انظر إلى المسيح، كيف احتمل من الآثمة؟
    ذاك الجاهل كيف تجاسر وتفل في وجهه؟
    نظرة مخوفة، مملوءة دهشة، أن ينظر الإنسان الشمع قائمًا ويتفل في وجه اللهيب!...
    وهذه أيضًا من أجل آدم حدثت، لأنه كان مستحقًا البصاق لأنه زلّ! وعوض العبد قام السيد يقبل الجميع!]
    3. في الطريق إلى الصليب
    يروي لنا الإنجيليون عن تسخير رجل كان مجتازًا من الحقل وهو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه، وجاءوا به إلى موضع جلجثة الذي تفسيره جمجمة (21: 22).
    إن كانت كلمة "سمعان" تعنى "يسمع" أو "يطيع" وكلمة "قيروان" تعنى "ميراثًا"، وهى مدينة أممية في ليبيا، فان سمعان القيرواني يشير إلى كنيسة العهد الجديد التي صارت وارثة خلال طاعة الإيمان، وقد جاءت من الأمم لكي تشارك مسيحها صليبه، وتنعم معه بهذا الشرف العظيم.
    لقد حمل السيد المسيح صليبه (يو 19: 17) على كتفه علامة ملكه كقول إشعياء النبي: "وتكون الرئاسة على كتفه" (إش 9: 6)، وقد رُمز له بإسحق الذي حمل خشبة المحرقة إلى موضع الذبيحة (تك 22: 6). وفى الطريق إذ سقط السيد تحت ثقل الخشبة عدة مرات سخر الجندي سمعان القيرواني ليحمل الصليب، فصار يمثل الكنيسة التي تشارك عريسها آلامه لتنعم بقوة قيامته وشركة أمجاده السماوية.
    جاءوا به إلى موضع جلجثة، الذي تفسيره "جمجمة" [22]، ويقال أن هناك دفن آدم. وكأن السيد المسيح قد ارتفع على شجرة ليهب حياة لآدم فاقد الحياة بسبب الشجرة. ويرى القديس كيرلس الأورشليمي أنهذه التسمية تذكرنا أن المصلوب هو "رأس كل رياسة وسلطان" (كو 2: 10)، تألم الرأس فوق موضع الجمجمة!
    4. تقديم خمر ممزوجة مرًا
    "وأعطوه خمرًا بمر ليشرب، فلم يقبل" [23]. كانت هذه عادة الرومان كنوعٍ من التخدير حتى لا يشعر المصلوب بكل ثقل الآلام، لكن الرب جاء ليحمل الآلام عنا بإرادته، ينحني نيابة عنا لهذا الثقل.
    5. اقتسام ثيابه
    "ولما صلبوه اقتسموا ثيابه، مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحدٍ" [24]. إن كانت ثيابه تشير إلى الكنيسة جسد المسيح، فإن اقتسامها بين الجند الرومان دون تمزيقها، إنما يشير إلى الكنيسة الممتدة في الأمم، فهي ثياب كثيرة لكن يلزم أن تكون بلا تمزيق ولا انقسام. يقول القديس كيرلس الكبير :[أرجاء المسكونة الأربع اقتسمت بينها رداء الكلمة أي جسده الذي ظل أيضًا غير مقسم، ورمز إلية بالقميص. لأن الابن الوحيد يقسم جسده الذي يقدس به نفوس وأجساد الذين يتناولونه إلى أجزاء صغيرة حسب الاحتياج... إلا أن جسده واحد حي في الكنيسة كلها دون أن ينقسم، لأن بولس يقول أن المسيح لا يمكن أن ينقسم (1 كو 1: 13) وهذا هو معنى السرّ الخاص بالمسيح.]
    يرى بعض الآباء في تقسيم الثياب بين الجند إشارة إلى تمتع كل الفئات بالإيمان الواحد، وهم الكهنة، والبتوليون، والأرامل، والمتزوجون.
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 8:06 am

    .صلبه بين لصين
    "وكانت الساعة الثالثة فصلبوه.
    وكان عنوان علته مكتوبًا: ملك اليهود.
    وصلبوا معه لصين، واحدًا عن يمينه وآخر عن يساره.
    فتم الكتاب القائل: وأحصى مع أثمه" [25-28].
    حسب القديس مرقس بدأ الصلب منذ صرخ الشعب أمام بيلاطس "أصلبه"، وقد وافقهم بيلاطس على طلبهم. وإن كان رفعه على الصليب قد تم في وقت الساعة السادسة. لهذا يرى القديسان جيروم وأغسطينوس أن القديس مرقس بقوله هذا حمل الشعب اليهودي مسئولية صلبه، صلبوه بألسنتهم قبل أن ينفذ الرومان حكمهم هذا!
    كُتبت علته على الصليب "ملك اليهود"، ولم يكن ذلك جزافًا فقد تضايق اليهود وأرادوا أن يُكتب أنه قال عن نفسه أنه ملك اليهود، لكنهم لم يستطيعوا بالصليب أن ينزعوا عنه انتسابه لملكه، إذ جاء الصليب يقيم مملكته فينا! يقول القديس أمبروسيوس: [كان المسيح يسوع المصلوب، وكان مجده الملوكي يشع من فوق الصليب.]
    يحدثنا القديس كيرلس الأورشليمي عن صلبه بين لصين، قائلاً:
    [فيما يتعلق باللصين الذين صُلبا معه، كتب: "وأُحصِيَ مع آثمة" (إش 53).
    كان كلاهما أثيمين قبلاً، ولكن أحدهما لم يعد كذلك.
    الذي ظل أثيمًا رفض الخلاص إلى النهاية، وإذ كانت يداه موثقتين كان يضرب بلسانه مجدفًا...
    ولكن الآخر كان ينتهره. كان هذا نهاية حياته وبداية توبته، فأسلم روحه وتلقى الخلاص، إذ أنه بعد أن وبخ رفيقه قال:
    "اذكرني يا رب فإني إليك أصرخ.
    أترك هذا لأني عيني فهمي مغلقتان، ولكن اذكرني.
    لا أقول أذكر أعمالي فإنها تخيفني.
    كل إنسان طيب نحو رفيق سفره، وأنا لا أقول اذكرني الآن، وإنما عندما تأتي في ملكوتك".
    أية قوة أنارتك أيها اللص؟ من علمّك أن تعبد هذا المحتقر والمصلوب معك؟
    أيها النور الأزلي الذي يضيء لمن هم في الظلمة.]
    يقول القديس كيرلس الكبير: [عُلق معه لصان كما قلت، يسخران بالآلام التي تجلب خلاصًا للعالم كله، لكن واحدًا منها شابه في سلوكه اليهود الأشرار... وأما الآخر فأخذ اتجاهًا مختلفًا يستحق بحق إعجابنا، إذ آمن به وفي وسط معاناته المرة للعقوبة انتهز الصخب العنيف الذي لليهود وكلمات زميله المعلق معه. لقد اعترف بخطاياه وأنه بعدل جُزي، صار ديانًا لطرقه الشريرة لكي يغفر الله جريمته، إذ قيل "قلت أعترف للرب بذنبي، وأنت رفعت آثام خطيتي" (مز 32: 5). لقد حمل للمسيح شهادة غير ملومة، وبكت نقص اليهود لمحبة الله، وأدان حكم بيلاطس، قائلاً: "أما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله" (لو 23: 41). يا له من اعتراف جميل!... لقد ربح ميراث القديسين، وصار اسمه مكتوبًا فوق في السماء، في سفر الحياة ذاك الذي حُكم عليه بالموت، وأُحصى مع سكان المدينة العلوية.]
    يرى البعض أن اللصين يشيران إلى الشعبين اليهودي والأممي، أحدهما حُكم عليه بالموت خلال الناموس الموسوي، والثاني خلال الناموس الطبيعي، وقد صلب السيد المسيح بينهما ليضمهما معًا فيه كحجر زاوية للكنيسة الجامعة، مقدمًا دمه ثمنًا للوحدة فيه!
    7. السخرية
    "وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين:
    آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام.
    خلص نفسك وانزل عن الصليب.
    وكذلك رؤساء الكهنة وهم مستهزئون فيما بينهم مع الكتبة قالوا:
    خلص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلصها.
    لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن.
    واللذان صُلبا معه كانا يعيرانه" [29-32].
    اتفقت كل القوى على السخرية بالصليب، فكان المجتازون يجدفون ويهزون رؤوسهم، وأيضًا رؤساء الكهنة والكتبة حتى اللصان كان يعيرانه. إذ لم يكن ممكنًا لهم أن يدركوا سرّ الخلاص، ولا أن يتفهموا عمل الله. حسبوا الصليب نهايته، فصار في أعينهم مضللاً ومخادعًا لا يقدر على خلاص نفسه، فكيف يقيم نفسه ملكًا؟
    لعل عدو الخير قد بدأ يدرك الخطر يحدق به حين ارتفع السيد على الصليب، وشعر السماء والأرض كلها تترقب الأحداث، فأسرع يحث تابعيه أن يطلبوا آية منظورة ألا وهي أن ينزل عن الصليب فيؤمنوا به، لكن السيد الذي رفض في أكثر من موقف أن يصنع آية استعراضية لم يعطِ اهتمامًا لسخريتهم التي تصير شاهدًا عليهم، ويحكم عليهم خلال تصرفاتهم ذاتها، من نواحٍ كثيرة، منها:
    أولاً: كان المجتازون يجدفون قائلين: "يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام"، فانتشرت هذه العبارة سريعًا خلال الأحداث، حتى متى تمت القيامة لا يستطيع أحد أن ينكر قوله أنه يقيم هيكل جسده في ثلاثة أيام! هكذا نشر المجدفون الشهادة لقيامته في أمرّ لحظات الصليب.
    ثانيًا: اعترف رؤساء الكهنة مع الكتبة أنه "خلص آخرين"، وهذه شهادة القيادات اليهودية الدينية في لحظات الضعف عينها.
    ثالثًا: قال هؤلاء المسئولون: "لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن". في تعليق منسوب للقديس جيروم: [لقد رأوه قائمًا من القبر ومع ذلك لم يريدوا أن يؤمنوا أنه كان قادرًا أن ينزل من خشبة الصليب. أين هو افتقاركم للإيمان أيها اليهود؟ فإنني أستدعيكم أنتم أنفسكم قضاة لأنفسكم! كم بالأكثر يكون مستحقًا للدهشة أن يقوم ميت من بين الأموات عن أن يختار الحيّ أن ينزل من الصليب! لقد طلبتم أمرًا صغيرًا فحدث ما هو أعظم، لكن افتقاركم للإيمان لم يكن ممكنًا أن يُشفى بالآيات أكثر مما رأيتم.]
    8. حدوث الظلمة
    "ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة" [33].
    إذ ارتفع الخالق على الصليب بيدي خليقته التي أرادت الخلاص منه بجحودها، حرمت نفسها من شمس البرّ، فسادت الظلمة داخل القلوب، أعلنها احتجاب الشمس من وقت الساعة السادسة حتى التاسعة.
    يذكر سفر التكوين أن آدم وحواء بعد السقوط "سمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة" (تك 3: Cool، أي عند الظهيرة، ويرى بعض المفسرين أنه سمع الحكم بالموت في وقت الساعة التاسعة. وكأنه في اللحظات التي اختفى فيها أبونا من وجه الرب وأدركا أنهما تحت حكم الموت، سادت الظلمة على الأرض ليحمل آدم الجديد ذات الحكم وهو معلق على الشجرة! لهذا فإن الظلمة هنا تشير إلى السلطان الذي أُعطى للظلمة على السيد المسيح إلى حين، كقوله: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 22: 53).
    في حديث العلامة ترتليان لليهود قال: [حدثت ظلمة في وسط النهار، وهكذا تحولت أعيادكم إلى نوح وجميع أغانيكم مراثي (عا 8: 10). فإنه بعد آلام المسيح أُخذتم كما إلى السبي والتشتت، كما سبق فأنبأ الروح القدس.]
    يقول القديس كيرلس الكبير: [جعلوا عملهم تسليم رئيس الحياة للموت، فصلبوا رب المجد. لكنهم إذ سمروا رب الكل على الصليب انسحبت الشمس من فوق رؤوسهم والتحف النور في وسط النهار بالظلمة كما سبق فأنبأ عاموس بالوحي الإلهي (عا 5: 18)... وكانت هذه علامة واضحة لليهود أن أذهان صالبيه قد التحفت بالظلمة الروحية لأن "العمى قد حصل جزئيًا لإسرائيل" (رو 11: 25). وقد لعنهم داود في محبته لله، قائلاً: "لتظلم عيونهم عن البصر" (مز 69: 23). نعم، انتحبت الخليقة ذاتها ربها، إذ أظلمت الشمس، وتشققت الصخور، وبدأ الهيكل نفسه كمن اكتسى بالحزن، إذ انشق الحجاب من أعلى إلى أسفل. وهذا ما عناه الله على لسان إشعياء: "أُلبس السماوات ظلامًا وأُجعل المسح غطاءها" (إش 50: 3).]
    9. تسليم الروح
    "وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً:
    ألوي ألوي لما شبقتني،
    الذي تفسيره: إلهي إلهي لماذا تركتني.
    فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا:
    هوذا ينادي إيليا.
    فركض واحد وملأ إسفنجة خلاً،
    وجعلها على قصبة وسقاه، قائلاً:
    اتركوا، لنَرَ هل يأتي إيليا لينزله.
    فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح" [34-37].
    بحسب الجسد كان السيد المسيح قد أُنهمك تمامًا، ولم يكن ممكنًا في ذلك الوقت أن يصرخ هكذا، لكنه صرخ ليُعلن أنه ما يتم الآن بين أيديهم ليس عن ضعف، بل تحقيقًا لعمله الإلهي الذي سبق فأعلنه بأنبيائه.
    جاءت الكلمات "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" لا تحمل لهجة اليأس كما قد يظن البعض فإن الابن لن ينفصل قط عن الآب، إنما أراد أن يبرز بشاعة الخطية التي حملها على كتفيه نيابة عنا، فجعلته كمن يسقط تحت الغضب وهو الابن المحبوب لديه.
    بهذه الصرخة أيضًا يذكرهم بالمزمور الثاني والعشرين بكونها افتتاحيته، وقد جاء المزمور يصف أحداث الصلب. إنه بهذه الصرخة يقدم انذرًا أخيرًا لليهود كي يعيدوا النظر فيما يفعلون قبيل تسليم روحه، لعلهم يدركوا أنه المسيا محقق النبوات فيرجعون.
    أما ظنهم أنه يطلب إيليا، فقد ارتبط شخص إيليا النبي بالمسيح كسابق له يهيئ له الطريق، ولأن اليهود كانوا يرون في إيليا المعين في السماء يشفع في المتضايقين والمظلومين، فهو يطلب شفاعته!
    10. انشقاق حجاب الهيكل
    "وانشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل" [38].
    لماذا انشق حجاب الهيكل عندما أسلم السيد المسيح الروح؟
    أولاً: سبق فأعلن السيد المسيح أنه يسلم الروح بسلطان، ويتقبلها ثانية بسلطان وليس عن ضعف، إذ قال: "ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي، لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 10: Cool. وقد جاءت أحداث الصلب تعلن ذلك، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذه الصرخة شقت الحجاب وفتحت القبور وجعلت البيت خرابًا. فعل ذلك ليس إهانة للَّهيكل، وإنما إعلانًا عن أنهم غير مستحقين لسكناه، كما سبق فسلمه قبلاً للبابليين.] بصرخته أعلن سلطانه، فشق حجاب الهيكل، مؤكدًا حزن الهيكل على ما يفعله العابدون فيه، معلنًا رفضه لعبادتهم بعد أن لطخوا أيديهم بالدم البريء في قسوة وتجاسر وحسد!
    ثانيًا: يقدم لنا الرسول بولس مفهومًا لاهوتيًا لانشقاق الحجاب في رسالته إلى العبرانيين ألا وهو انفتاح المقادس السماوية أمامنا بذبيحة الصليب. فالحجاب الذي يفصل قدس الأقداس عن القدس يشير إلى عجز الإنسان عن تمتعه بالأقداس الإلهية السماوية، وقد جاء السيد المسيح يفتح طريق السماء بدمه، ويدخل بنا إلى حضن أبيه ننعم بمقدساته. فمن كلماته: "الذي هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب، حيث دخل يسوع كسابقٍ لأجلنا صائرًا على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد" (عب 6: 19-20). مرة أخرى يقول: "ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديًا" (عب 9: 12؛ راجع عب 9: 10).
    في نص منسوب للقديس جيروم جاء [انشق حجاب الهيكل وانفتحت السماوات.]
    يقول القديس أمبروسيوس: [انشق حجاب الهيكل حتى تعبر نفوسنا وأرواحنا إلى الله وتراه وجهًا لوجه، وتعاين الأسرار الخفية.]
    ثالثًا: لعل انشقاق حجاب الهيكل يعني انفتاح الباب للأمم، الذين لم يكن ممكنًا لهم أن يشتركوا مع اليهود في العبادة داخل الهيكل. هذا ما أعلنه الرسول بولس بقوله: "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا، ونقض حائط سياج المتوسط، أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلاً العداوة به" (أف 2: 14-16).
    11. إيمان قائد المئة
    "ولما رأى قائد المئة الواقف أمامه أنه صرخ هكذا وأسلم الروح، قال: حقًا كان هذا الإنسان ابن الله" [39].
    يا للعجب آمن قائد المئة الروماني بالسيد المسيح المصلوب حين رآه يصرخ ويسلم الروح، وكأنه قد أدرك خلال صرخته وتسليم روحه أنه لم يمت عن ضعف وإنما في قوة وبسلطان. يقول القديس أغسطينوس: [أظهرت نفس الشفيع أنه لم يكن لعقوبة الخطية سلطان عليها ليموت الجسد، إذ لم تترك الجسد بغير إرادتها إنما بإرادتها، فقد اتحدت النفس مع كلمة الله أقنوميًا.]
    وجاء في نص منسوب للقديس جيروم: [آخرون صاروا أولين. الشعب الأممي اعترف، والشعب اليهودي الأعمى أنكر، فصار شرهم الأخير أقسى من الأول.]
    12. التفاف النسوة حوله
    "وكانت أيضًا نساء ينظرن من بعيد،
    بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي، وسالومة.
    اللواتي أيضًا تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل،
    وأخر كثيرات اللواتي صعدن معه إلى أورشليم" [40-41].
    يقول العلامة أوريجينوس أنه قد يبدو ظهور ثلاث نساء ذكرن بالاسم هن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب والثالثة التي دعاها متى "أم ابني زبدي" ودعاها مرقس "سالومة". على أي الأحوال بينما هرب التلاميذ من متابعة المصلوب ولو من بعيد، كانت النسوة يتبعنه، وصار لبعضهن شرف التمتع بالمسيح القائم من الأموات قبل التلاميذ. بهذا ردّ الإنجيل للمرأة كرامتها، وأعلن قدسيتها بعد نظرة مرة عاشها العالم لأجيال طويلة من جهتها.
    13. دفنه
    تجاسر يوسف الذي من الرامة وهو مشير شريف ودخل إلى بيلاطس يطلب جسد الرب يسوع، فتعجب بيلاطس أنه مات هكذا سريعًا، وإذ تأكد من قائد المئة أنه مات وهب ليوسف الجسد، فاشترى كتانًا وأنزله وكفنه بالكتان ووضعه في قبر منحوتًا في صخرة، ودحرج حجرًا على باب القبر. وكانت مريم المجدلية ومريم أم يوسى تنظران أين وُضع [43-47].
    كان لابد من إنزال الجسد قبل الغروب، لأنه كان يوم الصلب هو "الاستعداد"، إذ اعتاد اليهود أن يلقبوا يوم الجمعة بالاستعداد، إذ فيه يستعدون ليوم السبت للراحة. في هذا اليوم صُلب السيد، في اليوم السادس. فكما أعد الله كل الخليقة في ستة أيام ليستريح في السابع، هكذا ارتفع على الصليب مجددًا خليقته في ذات اليوم السادس ليدخل بخليقته إلى سرّ الراحة الحقيقية.
    لعل صلب السيد في اليوم السادس، يوم الاستعداد، يعلن التزامنا نحن فيه أن يحملنا الصليب إليه مادمنا في هذا العالم بكون حياتنا كلها هي يوم الاستعداد. نبقى معه على الصليب حتى النفس الأخير، فإذا ما غربت حياتنا الزمنية أرسل إلينا ملاكه، وكأنه بيوسف الرامي ليستريح جسدنا قليلاً حتى يقوم ثانية في يوم الرب العظيم.
    لم يسمح الرب أن يكفنه التلاميذ حتى لا يقوم الاتهام بأنهم سرقوه دون دفنه، بل كفنه رجل شريف بار. وقد تأكد الكل من دفنه حينما خُتم القبر.
    يعلق القديس أمبروسيوس على تكفين السيد بالقول:
    [كفن البار جسد المسيح بالطيب ولفه بالطيب! البرّ هو لباس الكنيسة (جسد المسيح) والبراءة هو جمالها. فألبس أنت أيضًا جسد الرب بمجده فتكون بارًا! إن آمنت بموته فكفنه بملء لاهوته، ادهنه بالمر والحنوط رائحة المسيح الذكية (2 كو 2: 15).
    كفنه يوسف بكفنٍ جديدٍ، ربما كان هو الملاءة الجديدة التي رآها بطرس نازلة من السماء وقد حوت كل حيوانات الأرض ودوابها (أع 40: 11). فقد تكفنت بها الكنيسة سريًا ووحدت الشعوب المختلفة في شركة إيمانها...
    وُضع في قبر جديد، في قبر يوسف إذ لم يكن للمسيح مقبرة خاصة به، لأن القبر يُقام من أجل الذين يتعرضون لقانون الموت، أما غالب الموت فليس له مقبرة ملكًا له.
    موت المسيح له طابعه الخاص المختلف عن موت عامة البشر، لذا لا يُدفن مع آخرين، بل يُدفن في القبر وحده. فيتجسد الرب اتحد بكل البشرية لكنه وجد بعض الاختلاف. شابهنا في ميلاده، لكنه اختلف عنا في الحبل به من العذراء...
    من هو يوسف هذا الذي وُضع المسيح في قبره؟ بالتأكيد هو ذاك البار الذي سلم للمسيح مقبرته ليجد ابن الإنسان أين يسند رأسه (لو 9: 58) وهناك يستريح...
    الحنجرة هي قبر مفتوح (مز 5: 11)، هذه هي حنجرة الإنسان عديم الإيمان الذي ينطق بكلمات ميتة، لكنه يُوجد قبر في أعماق الإنسان يحفره البار ليدخل كلمة الله في قلوب الأمم بالإيمان...
    يُوضع حجر على القبر حتى لا يكون مفتوحًا، لأنه متى كُفّن المسيح جيدًا في نفوسنا يجب حفظه بعناية كي لا نفقده.
    كان القبر محفورًا في صخرة أي مؤسسًا على الإيمان بالله الثابت...
    لا يستطيع كل أحد أن يكفن المسيح، لذا فالنساء التقيَّات بقين من بعيد، لكنهن كن ينظرن بعناية أين وُضع حتى يأتين إليه بالطيب ويسكبنه. ومع ذلك ففي محبتهن كن آخر من ترك القبر وأول من رجعن إليه.]
    أخيرًا فإن دفن السيد المسيح بواسطة يوسف الرامي يمثل خبرة روحية تقوية يليق بنا أن نعيشها كل يوم. فيوسف هذا جاء من الرامة يقال أنها راماتيم صوفيم (1 صم 1: 1) وأنها رام الله الحالية، ولما كانت كلمة "رامة" في العبرية تعني مرتفعة، فإنه لا يستطيع أحد أن يتمتع بهذا الشرف ما لم يأتِ من المرتفعات السماوية، أي يكون من الرامة، ينعم بالحياة السماوية كموطنٍ له ومكان نشأته، إذ كيف يحمل على يديه جسد الرب ما لم يكن له السمة الروحية السماوية.
    ما هو هذا الجسد الذي نحمله إلا حياتنا بكوننا أعضاء جسده نكفنها في الكتان، أي في النقاوة الحقيقية، ونطيّبها برائحة المسيح، وندخل بها إلى السيد المسيح نفسه، كما في داخل الصخرة، فتحمل حياتنا قوة قيامته، وتكون في صحبة الملائكة، كما كان الملائكة في قبر السيد.
    1 و للوقت في الصباح تشاور رؤساء الكهنة و الشيوخ و الكتبة و المجمع كله فاوثقوا يسوع و مضوا به و اسلموه الى بيلاطس
    2 فساله بيلاطس انت ملك اليهود فاجاب و قال له انت تقول
    3 و كان رؤساء الكهنة يشتكون عليه كثيرا
    4 فساله بيلاطس ايضا قائلا اما تجيب بشيء انظر كم يشهدون عليك
    5 فلم يجب يسوع ايضا بشيء حتى تعجب بيلاطس
    6 و كان يطلق لهم في كل عيد اسيرا واحدا من طلبوه
    7 و كان المسمى باراباس موثقا مع رفقائه في الفتنة الذين في الفتنة فعلوا قتلا
    8 فصرخ الجمع و ابتداوا يطلبون ان يفعل كما كان دائما يفعل لهم
    9 فاجابهم بيلاطس قائلا اتريدون ان اطلق لكم ملك اليهود
    10 لانه عرف ان رؤساء الكهنة كانوا قد اسلموه حسدا
    11 فهيج رؤساء الكهنة الجمع لكي يطلق لهم بالحري باراباس
    12 فاجاب بيلاطس ايضا و قال لهم فماذا تريدون ان افعل بالذي تدعونه ملك اليهود
    13 فصرخوا ايضا اصلبه
    14 فقال لهم بيلاطس و اي شر عمل فازدادوا جدا صراخا اصلبه
    15 فبيلاطس اذ كان يريد ان يعمل للجمع ما يرضيهم اطلق لهم باراباس و اسلم يسوع بعدما جلده ليصلب
    16 فمضى به العسكر الى داخل الدار التي هي دار الولاية و جمعوا كل الكتيبة
    17 و البسوه ارجوانا و ضفروا اكليلا من شوك و وضعوه عليه
    18 و ابتداوا يسلمون عليه قائلين السلام يا ملك اليهود
    19 و كانوا يضربونه على راسه بقصبة و يبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم
    20 و بعدما استهزاوا به نزعوا عنه الارجوان و البسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه
    21 فسخروا رجلا مجتازا كان اتيا من الحقل و هو سمعان القيرواني ابو الكسندرس و روفس ليحمل صليبه
    22 و جاءوا به الى موضع جلجثة الذي تفسيره موضع جمجمة
    23 و اعطوه خمرا ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل
    24 و لما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا ياخذ كل واحد
    25 و كانت الساعة الثالثة فصلبوه
    26 و كان عنوان علته مكتوبا ملك اليهود
    27 و صلبوا معه لصين واحد عن يمينه و اخر عن يساره
    28 فتم الكتاب القائل و احصي مع اثمة
    29 و كان المجتازون يجدفون عليه و هم يهزون رؤوسهم قائلين اه يا ناقض الهيكل و بانيه في ثلاثة ايام
    30 خلص نفسك و انزل عن الصليب
    31 و كذلك رؤساء الكهنة و هم مستهزئون فيما بينهم مع الكتبة قالوا خلص اخرين و اما نفسه فما يقدر ان يخلصها
    32 لينزل الان المسيح ملك اسرائيل عن الصليب لنرى و نؤمن و اللذان صلبا معه كانا يعيرانه
    33 و لما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الارض كلها الى الساعة التاسعة
    34 و في الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا الوي الوي لما شبقتني الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني
    35 فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا هوذا ينادي ايليا
    36 فركض واحد و ملا اسفنجة خلا و جعلها على قصبة و سقاه قائلا اتركوا لنر هل ياتي ايليا لينزله
    37 فصرخ يسوع بصوت عظيم و اسلم الروح
    38 فانشق حجاب الهيكل الى اثنين من فوق الى اسفل
    39 و لما راى قائد المئة الواقف مقابله انه صرخ هكذا و اسلم الروح قال حقا كان هذا الانسان ابن الله
    40 و كانت ايضا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية و مريم ام يعقوب الصغير و يوسي و سالومة
    41 اللواتي ايضا تبعنه و خدمنه حين كان في الجليل و اخر كثيرات اللواتي صعدن معه الى اورشليم
    42 و لما كان المساء اذ كان الاستعداد اي ما قبل السبت
    43 جاء يوسف الذي من الرامة مشير شريف و كان هو ايضا منتظرا ملكوت الله فتجاسر و دخل الى بيلاطس و طلب جسد يسوع
    44 فتعجب بيلاطس انه مات كذا سريعا فدعا قائد المئة و ساله هل له زمان قد مات
    45 و لما عرف من قائد المئة وهب الجسد ليوسف
    46 فاشترى كتانا فانزله و كفنه بالكتان و وضعه في قبر كان منحوتا في صخرة و دحرج حجرا على باب القبر
    47 و كانت مريم المجدلية و مريم ام يوسي تنظران اين وضع
    avatar
    Ranea Rashad
    مشرفة عامة
    مشرفة عامة

    عدد المساهمات : 1029
    تاريخ التسجيل : 13/04/2010
    العمر : 31

    رد: انجيل مرقس

    مُساهمة  Ranea Rashad في الإثنين مايو 24, 2010 8:08 am

    الأصحاح السادس عشر
    أحداث القيامة
    إن كان القديس مرقس يقدم لنا السيد المسيح خادمًا عاملاً بالحب حتى الصليب إنما ليحملنا معه إلى أمجاد القيامة، لهذا لم يسدل الستار على الصليب، بل انطلق بنا إلى قيامة السيد وصعوده.
    1. الحجر المُدحرج 1-4.
    2. الملاك يكرز بالقيامة 5-8.
    3. ظهوره لمريم المجدلية 9-11.
    4. ظهوره لتلميذي عمواس 12-13.
    5. ظهوره للأحد عشر 14-18.
    6. صعوده 19-20.
    1. الحجر المدحرج
    أغلق القديس مرقس الستار عن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي وهما تنظران من بعيد أين وُضع جسد الرب، وانفتح ستار القيامة لنراهما مع سالومي يحملن حنوطًا منطلقات نحو القبر ليدهن جسده، فإن من يلتقي مع الرب في صلبه ويرافقه طريق الألم حتى الدفن يحق له التمتع ببهجة قيامته.
    "وبعدما مضى السبت
    اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسلومه حنوطًا
    ليأتين ويدهنه.
    وباكرًا جدًا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس.
    وكن يقلن فيما بينهن:
    من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟
    فتطلعن ورأين أن الحجر قد دُحرج، لأنه كان عظيمًا جدًا" [1-4].
    يرى القديس أمبروسيوس أن السيد المسيح قام بعد انتهاء يوم السبت مع نسمات بداية الأحد. كأن النسوة وقد حملن الطيب وانطلقن نحو القبر يمثلن كنيسة العهد الجديد التي انطلقت من ظلمة حرف السبت إلى نور حرية الأحد، تتمتع بعريسها شمس البرّ مشرقًا على النفوس المؤمنة، محطمًا الظلمة. يقول القديس جيروم: [بعد عبور حزن السبت أشرق الآن يوم السعادة الذي صارت له الأولوية على كل الأيام، عليه أشرق النور الأول، وقام الرب غالبًا الموت.]
    إن كان "السبت" يشير إلى الراحة تحت ظل الناموس، يقدم رمزًا للراحة الحقيقية في المسيح يسوع القائم من الأموات، فقد انتظر الرب نهاية السبت ليقوم في بداية اليوم الجديد، معلنًا نهاية الرمز وانطلاق المرموز إليه. لذلك كتب القديس البابا أثناسيوس الرسولي عن عيد الفصح: [عيد الفصح هو عيدنا... ولم يعد بعد لليهود، لأنه قد انتهى بالنسبة لهم، والأمور العتيقة تلاشت. والآن جاء شهر الأمور الجديدة الذي فيه يلزم كل إنسان أن يحفظ العيد مطيعًا ذاك الذي قال: "احفظ شهر أبيب (الأمور الجديدة) واعمل فصحًا للرب إلهك" (تث 16: 1).]
    انطلقت النسوة نحو القبر ولم يكن يفكرن في الجند الحراس للقبر ولا في الختم، لأنهن تركن القبر قبل أن يذهب اليهود إلى بيلاطس يطلبون حراسة القبر وختمه، إنما كن يفكرن في الحجر: "من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟" لقد نسى الكل أمام أحداث الصليب المرعبة أمر قيامته، لذلك كانت النسوة يفكرن في الحجر الذي يغلق باب القبر، ولم يفكرن في ذلك القادر أن يقوم والباب مغلق!
    يعلق الأب سفريانوس أسقف جبالة والمعاصر للقديس يوحنا الذهبي الفم، على هذا الحجر فيقول:
    [ما هو هذا الحجر إلا حرفية الناموس الذي كُتب على حجارة، هذه الحرفية يجب دحرجتها بنعمة الله عن القلب حتى نستطيع أن ننظر الأسرار الإلهية، ونتقبل روح الإنجيل المحيي؟ قلبك مختوم وعيناك مغلقتان، لهذا لا ترى أمامك بهاء القبر المفتوح والمتسع!]
    يقول الأنبا بولس البوشي: [قام الرب والحجر مختوم على باب القبر، وكما وُلد من البتول وهي عذراء كنبوة حزقيال (حز 44: 1-3). وأما دحرجة الملاك للحجر عن باب القبر، فلكي تعلن القيامة جيدًا، لئلا إذا بقي الحجر مختومًا، يُظن أن جسده ف